لانقاذها من الهمجية!
بقلم : خالد محادين
كان يمكن قبول الوصف الذي اطلقه توني بلير
علي النظام العراقي، لو لم يكن السيد بلير بريطانيا، تكاد تقرأ علي صفحات وجهه
التاريخ العنصري الاسود للامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس، ولو لم تكن
الملايين من الارواح البشرية قد ازهقت ببنادق وحراب الجيوش البريطانية علي امتداد
قرون طويلة وكثيرة من الاستعمار البريطاني، بل ولو لم تكن انهار من عرق ملايين
البشر قد اهدرت في خدمة تلك الامبراطورية التي كلما غادرت بلدا تركت وراءها فيه
الكثير من المآسي والدمار والفتن والصراعات، التي يعيدها البعض الي ما يسميه بالدهاء
البريطاني، اما القيم والمبادئ فتري فيها نتاجا طبيعيا للعنصرية البغيضة.
ما هي المعايير الفكرية او السياسية او
الاخلاقية التي استند اليها رئيس الوزراء البريطاني في وصفه للنظام العراقي
بالهمجية؟ الاجابة غاية في السهولة، فالسيد بلير غير معني بأي من تلك المعايير،
وهو عندما يقول ما قاله هذه المرة، وقبلها عشرات المرات، فان منطلقه الوحيد ليس
الحرص علي الشعب العراقي الذي تزدحم ذاكرته بالفظائع البريطانية، وليس الحرص علي
الديمقراطية، اذ ان لندن مثل واشنطن تريان ان الديمقراطية التي تستحق دعمهما
واشادتهما هي الحكم الذي يقبل بالتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للقيم
الغربية العنصرية، كما ان منطلقه ليس الحرص علي الشرعية الدولية ومبادئها
وقراءتها، اذ لا شرعية تستحق تقدير لندن كما واشنطن الا للطائرات والصواريخ
والبوارج والمدافع التي تقصف المدن وتفتك بالملايين وتفرض الحصار الهمجي علي دماء
الاطفال ودفاتر التلاميذ وحليب الرضع وطمأنينة المسنين واحلام الشباب، وفي ظل
استمرار (النظام العراقي الهمجي) في الحكم، تجري الان الاستعدادات الامريكية
والبريطانية لكتابة فصل جديد في الحرب الارهابية التي شن اول فصولها عام 1991
واستهدفت انجازات الشعب ومتاحف تاريخه ومصانع حليبه وحتي الملاجئ التي يفترض ان
ينظر الي قصفها وسلق وحرق اجساد المئات في داخلها جرائم حرب لا تكفي كلمة الارهاب
لوصفها بها.
في عشرات الاقطار العربية والاسلامية
والافريقية والاسيوية، كانت الجيوش البريطانية تقتل الملايين وتنهب الثروات
وتستعبد الشعوب، فأية قراءة ولو عاجلة للارهاب الذي كانت تمارسه الامبراطورية في
العراق ومصر والسودان واوغندا وجنوب افريقيا وفي.. وفي.. وفي.. تدفع الي دعوة
البريطانيين للاحساس بالخجل العميق من تاريخهم الاسود وتوهم ان التاريخ الحقيقي
تكتبه الغطرسة والعضلات والعنصرية هو توهم لا يؤكد الا علي حقيقة الحنين الذي يملأ
عقول وقلوب وانياب احفاد اولئك السياسيين والضباط والجنود البريطانيين الذين كانوا
يتفنون في صيد ابناء البشرية بمتعة لا تكون في العادة الا لوحوش الغابات
وللمخلوقات المسعورة، ولان البريطانيين ليسوا علي تلك الدرجة من الجهل السياسي
والسذاجة كما هم الامريكيون، فإن ما يقوله رئيس وزرائهم لا يمثل سوي محاولة
لاستغفال مواطنيه وتصوير مشاركته في حرب وشيكة علي الشعب العراقي كحملة انقاذ،
تدمر كل ما استطاع ان يعيد بناءه بعد التدمير الشامل الذي اسهمت فيه بريطانيا
المعظمي ـ سابقا ـ عام 1991.
لقد كانت السيدة مارغريت ثاتشر اكبر محرض
واكبر شريك للسيد بوش الاب في الحرب العالمية الثالثة التي شنها تحالف الشر
الحقيقي علي العراقيين، وها نحن بعد احد عشر عاما، وبعد ان هزم البريطانيون
والامريكيون رئيسيهما نواجه المشهد نفسه، وستكون نتائجه العسكرية والاخلاقية
ذاتها، ومن المنطلق اياه: لا يحق لعربي مسيحي او لعربي مسلم، كما لا يحق لاي شعب
اسلامي ان يمتلك قراره المستقل وقوته الذاتية وتقدمه المشروع وكرامته الوطنية، لان
ما يستحقه (العبيد) هو القتل والابادة الشاملة، لهذا يغدو النظام العراقي همجيا
ويظل الكيان الاسرائيلي واحة الديمقراطية وموئل الخير والقيم بزعامة قاتل حقيقي
تصفه لندن وواشنطن برجل السلام، وربما تعملان الان علي منحه جائزته، التي سبق
ومنحت لقاتل دموي هو شمعون بيريس ارتكب في فلسطين ولبنان وسواهما فظائع ارهابية
استدعت احترام وتقدير ودعم القيادات الغربية المعادية للنهوض القومي ولرسالة
الاسلام وسماحة المسيحية الحقيقية المستهدفة الان بالطائرات والاحقاد والبوارج
والعنصرية.
امر طريف مؤسف انه كلما اشتدت الحملة
الارهابية الاسرائيلية علي الفلسطينيين وكلما اقتربت الساعة الامريكية ـ
البريطانية الممتعة لضرب العراقيين، اتسعت الابتسامة الساحرة علي وجوه قادة
الولايات المتحدة وبريطانيا، ومع هذا يوصف النظام العراقي بالهمجية، ويقدم
النظامان الامريكي والبريطاني عبر التصريحات الرسمية ووسائل الدعاية المكشوفة
كمنقذين للشعوب من انظمتها من خلال ابادة هذه الشعوب وتدمير كل منجزاتها تحت
الشعارات اياها: الشرعية الدولية والديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة ثم العولمة
العنصرية التي ستهزمها ارادة الشعوب بالحجر وربما بالحجر وحده.