المثقف العربي ضحية
(من المتنبي الي القصيبي (مرورا بهيكل):)
في اواخر الشهر الماضي نشرت احدي الصحف
الاسرائيلية مقالة تشف تحتفل باقصاء الدكتور غازي القصيبي السفير السعودي في لندن
من منصبه وتحويله الي وزير للمياه في دولة صحراوية قاحلة علي ما تقول الصحيفة (في
تكرار غير مقصود للنكتة التي تقارن وزارة الزراعة في ليبيا بوزارة المالية في
السودان). وقد ذهبت الصحيفة (المقال ترجم ونشر في صحيفة القدس العربي يوم 29/9)
الي ان هذا النقل يأتي جزاء وفاقا لما كسبته يدا السفير المبعد عبر سلسلة التهجمات
السامة المتواصلة التي شنها.. ضد دولة اسرائيل ومواطنيها ورؤساء حكوماتها وضد
اليهود في كل ارجاء العالم . وقالت ان ابعاده يأتي استجابة لضغوط غربية مكثفة علي
المملكة العربية السعودية لتحسين صورتها بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) وانه ترك
لندن حيث الرفاه والتنعم ومركز الاحداث بدون حفلة وداع. وعبرت عن التشفي لان قرار
النقل ركله مرة اخري الي مملكة النفط المغلقة والمنغلقة حيث لن تتدفق مياه سياسية
كثيرة حوله من الان فصاعدا في المنصب الجديد الذي استحدث له خصيصا .
ولا شك ان الصحيفة اخطأت حين تصورت ان هناك
من نعم العيش في لندن ما لا يتوفر لوجهاء العرب في الرياض وغيرها من المدن
العربية، كما اخطأت حين اتهمت الدكتور القصيبي بانه كان عنصر تحريض لملايين العرب
لكراهية اسرائيل والاعمال العدائية ضدها. فالقصيبي ـ اختلف المرء معه ام اتفق ـ
بالعكس عبر عن الشعور العميق السائد في الاوساط العربية. والعرب والفلسطينيون لا
يحتاجون الي تحريض من احد لكراهية اسرائيل ومقاومة عسفها. فقط يكفي ان يكون
الانسان من فصيلة بني ادم حتي يتفجر غيظا تجاه ما يرتكبه الاسرائيليون من مظالم
تذر الحليم حيران. ولحسن حظ الاسرائيليين فان غالبية العرب لا تقرأ العبرية (ولا
غيرها) ولا تطلع علي وسائل الاعلام الاسرائيلية، والا لكان فيما تطفح به تلك
الوسائل من وقاحة وتبجح تحريضا كافيا علي العنف والكراهية.
الدكتور القصيبي بريء اذن، ونقله لن يغني عن
اسرائيل شيئا الا حاجة في نفس ابناء يعقوب من التشفي والانتقام قضوها. ولكن
الصحيفة اصابت من جهة اخري حين تحدثت عن الانغلاق والركود السياسي في المملكة، وفي
المفاضلة بين منصب السفير في لندن ومنصب وزير المياه (او اي منصب وزاري آخر في
المملكة. فمنصب السفير في لندن يعطي السفير ـ المثقف مثل القصيبي مكانا بارزا في
عين الاعلام الدولي ويضعه بالقرب من مراكز صنع الاحداث. المنصب ايضا يجعل المثقف
اكثر انسجاما مع نفسه وضميره، خاصة بسبب مواقف المملكة الخارجية الواضحة تجاه
القضية الفلسطينية، صحيح ان المنصب يعرض السفير ايضا للاحراج بسبب الانتقادات
الاعلامية المتواصلة لسجل المملكة في مجال حقوق الانسان، ولكن هذا في حد ذاته يشكل
تحديا للمثقف الراغب في الحوار عبر الحدود الثقافية والحضارية.
ولكن منصب الوزير في المملكة (او اي دولة
عربية اخري) ليس هو بالتحديد التحدي الاكبر لمواهب ومميزات المفكر العربي. صحيح ان
هناك ظروفا قد تتضافر وتحقق لشخص المثقف والمفكر العربي نفوذا كبيرا في مجال عمله
وقد يتعدي ذلك، كما كان حال الشيخ احمد زكي يماني وزير البترول السعودي في ايام
الملك فيصل والسيد محمد حسنين هيكل رئيس تحرير صحيفة الاهرام في عهد عبد الناصر.
وفي هذه الحالة تتحقق للمفكر مشاركة حقيقية في السلطة يقترب فيها من مفهوم المستبد
المستنير ، بمعني ان الشخص المعني يستخدم نفوذه لتحقيق اهداف تتعلق بالمصلحة
العامة ولا تقتصر علي النفع الخاص او تثبيت اركان الحكم.
ولكن هذا الدور يظل محدودا بطبيعة دور المثقف
المحاصر بطبيعة النظام المغلق الذي اصبح جزءا منه. وكان كاتب هذه السطور قد نشر في
منتصف السبعينات مقالة في مجلة العرب الكويتية قدم فيها تحليلا انتقاديا لدور
الشعراء العرب منذ ايام جرير والفرزدق مرورا بالمتنبي، الذين ارتضوا لأنفسهم دور
ابواق السلطة مما جعل الشعر العربي اقرب لصفحات الاعلان في صحف اليوم منه الي
صفحات الرأي والخبر. وقد اشرت ايضا في تحليلات اخري الي ان هذا الدور استمر الي
اليوم عند المثقف العربي، وخاصة في الصحافة. فالمادة الصحافية في اغلب الصحف
العربية اليوم هي مادة اعلانية مدفوعة الاجر، بدءا بأخبار الصفحة الاولي وانتهاء
بصفحات الرأي.
ولا يستثني من هذا الدور للمثقف العربي
الفقهاء والعلماء. وكان الامام ابو حامد الغزالي قد سبقنا جميعا بنقده المرير
لفقهاء عصره الذين اكد انهم لا يدرسون الفقه ابتداء الا لنفس الغــــرض الذي تدرس
فيه المحاماة في عصرنا هذا: الاقتراب من مواقع السلطة والنفوذ والجاه والثراء.
ويجب الا نضيف هنا ان الامة الاسلامية لم تكن استثناء في هذا الشأن من كل امم
العالم الاخري حتي القرنين الماضيين. فقد كان علي المثقف اديبا او عالما او شاعرا
او فنانا او رجل دين ان يعتمد علي كرم الحاكم وبطانته من الاثرياء لكسب عيشه، مما
يجعل دوره تابعا وذيلا للمؤسسة الحاكمة، وهي فردية في الغالب.
التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
في المجتمعات الحديثة في القرنين الماضيين اتاحت للعالم والمثقف دورا مستقلا نشأ
من فرز الادوار والوظائف والتوزيع الاوسع للمال والنفوذ في المجتمعات الحديثة.
الاقتصاد مثلا اصبح له استقلال عن السلطة السياسية مع صعود الطبقة البرجوازية
واستقلالها بادارة شؤون الاقتصاد في الدولة الليبرالية. الجامعات ايضا حققت
استقلالا ماليا وعلميا من الدولة والكنيسة، كما ان توسيع الحريات السياسية وزيادة
القدرة الاقتصادية للأفراد مع قيام صناعة النشر الحديثة جعل من الممكن ان يتجه
الكاتب او الشاعر للجماهير مباشرة دون وساطة الحاكم. ومن هنا نشأت الصحافة الحديثة
كـ سلطة مستقلة يتفاعل عبرها الكتاب والمثقفون والطامحون السياسيون مباشرة مع
الرأي العام ويشكلونه بدون الحاجة الي شفاعة الحاكم وضد رغبته احيانا.
الدول العربية ما تزال متخلفة عن القرن
التاسع عشر في هذا المجال، وماتزال صناعة النشر والصحافة ضعيفة وواقعة تحت سيطرة
الحكم، بسبب ضعف السوق اولا، وبسبب هيمنة الرقابة ثانيا. الكاتب العربي مايزال في
حاجة الي اذن الحكم كي يعمل في الصحافة او الكتابة اساسا، وحتي يكتب، ثم ينشر ثم
يوزع وفي كل خطوة من هذه الخطوات تستطيع الحكومة الحكم بالاعدام علي عمله. واذا
تمادي في جرأته فان عمله لن يكون وحده عرضة للاعدام والفناء.
وفي هذه الظروف من الصعب بروز كاتب او مثقف
يتحدي السلطة من داخل البلدان العربية، لان مثل هذا الكاتب ان لم يمت جوعا فانه
يهلك عاجلا بالسيف او بغيره. واذا كانت هناك ظواهر تشكل ما يشبه الاستثناء (مثل
ظاهرة هيكل في ايام عبد الناصر) فانها تعتبر اقرب الي تثبيت القاعدة. فالظاهرة
الهيكلية وان عبرت عن عبقرية خاصة في استغلال موقع المثقف في ظل السلطات، فانها لا
تختلف في جوهرها عن ظواهر جرير والمتنبي ومايكل انجلو وغيرها، كونها استغلالا
خلاقا لدور نديم السلطان ومداحه، ومحدودة بحدود هذا الدور.
في هذا الاطار فان المفكر او العالم الذي
يسعي الي دور مستقل ونقدي في مجتمعه، ويسعي الي تحكيم ضميره واستغلال قدراته
ومواهبه لاثراء حياة المجتمع يواجه تحديا بل معضلة لا حل لها علي ما يبدو. وقد
تبلورت هذه المعضلة في المجتمع العربي الاسلامي منذ ايام عبدالله بن عمر وعبدالله
بن عباس وامثالهما من رواد الفكر الاسلامي. ان عمر كما هو معروف اختار اعتزال كل
المجموعات السياسية واتخذ موقفا حياديا صارما، بينما انحاز ابن عباس الي معسكر
الامام علي ثم انشق عنه بعد ذلك وعاد الي الاستقلال النسبي، ولكن يجب ان نلاحظ هنا
ان المجتمعات الاسلامية في عصور ما قبل الحداثة كانت تسمح بهامش كبير لمثل هذا
الاستقلال، حيث توفرت منافذ للاستقلال الاقتصادي النسبي للعلماء والادباء، ومراكز
ثقافية متعددة تشكل منافذ للتواصل مع الجماهير. وفي عهد المتنبي مثل تعدد الدويلات
منفذا آخر اتاح للشاعر والمفكر التسوق بحثا عن الملاذ والدعم، حيث يمكن للاديب
التنقل ما بين الاندلس ودويلات شمال افريقيا ومصر والشام والعراق وخراسان وغيرها.
الواقع العربي المعاصر لا يتيح مساحة للحرية
ولا مجالا للتسوق، مما يجعل المفكر بين خيارين احلاهما مر: الصمت والعزلة علي
طريقة ابي العلاء المعري، او الالتحاق بالحاكم علي طريقة المتنبي. وفي الحالين
يدفع ثمنا من مكانته كمثقف ومفكر. فالعزلة والصمت تعني شل الفعالية، بينما
الالتحاق بالبلاط يعني فقدان المصداقية والتناقض مع الضمير. هناك بالطبع خيار
التحدي والمواجهة، ولكن المفارقة هي ان فعالية المواجهة تعتمد الي حد كبير علي
مكانة المفكر والعالم، وهي مكانة قد لا تتحقق خارج اللعبة السياسية القائمة، فضلا
عن طبيعتها الاستشهادية. فلكي يصبح المرء احمد بن حنبل او توماس مور او اندري
زاخاروف او حتي أبا العلاء المعري فلا بد ان يكون قد لازم بلاط السلطان طويلا وأكل
علي مائدته حتي اصبح معروفا مشهورا لكلماته وزنها. ولا بد ان يكون مستعدا لدفع ثمن
المواجهة دون انتظار شهرة في حياته او حتي في حياة جيله.
قلة من المصلحين يحققون انتصارات في حياتهم
كما كان حال مارتن لوثر قائد الاصلاح البروتستانتي، ولكن في الغالب فان اصحاب
المواقف الاخلاقية الصلبة يفرض عليهم الاكتفاء بمبدأ ان الفضيلة هي افضل ثواب
لاهلها، كما كان حال سميه مارتن لوثر كينغ الذي لم تحتفل به بلاده أمريكا الا بعد
اغتياله بسنوات.
الاشكال في العالم العربي ليس فقط قلة
المفكرين المستعدين للتضحية في سبيل المبادئ، وكثرة المتهافتين علي موائد
السلطـــان. الاشكــــال ان كثرة المتهافتين علي الموائد والزحام حولها جعل القبول
بدور النديم في حد ذاته اشكاليا. الدكتور القصيبي، وهو شاعر واديب مبدع وتكنوقراطي
كفء، لا ينقصه الوعي باشكالية هذا الدور، بل لعله من اوائل من اعترف به صراحة في
قصيدته المشهورة آخر رسائل المتنبي الي سيف الدولة ، والتي عبر فيها عن اشكالية
المنافسة في اوساط بطانة الحاكم للاستئثـــار بالحظــــوة عنده، وكيف يستغل هؤلاء
سلاح الوشاية لاقصاء منافسيهم. وكما هو معروف فان القصيبي فقد منصب الوزارة في
منتصف الثمانينات بسبب هذه القصيدة.
الاشكال الذي سيواجهه الوزير هو اذن ليس انه
وزير مياه في صحراء قاحلة بل كونه وزيرا في مقام الوزارة حين لا تعني بحال
المشاركة في السلطة. وليسأل من يعتبر ذلك الدبلوماسي العربي المرموق الذي تجرأ مرة
وهو وزير خارجية بلاده وصرح في امر لم يكن مأذونا له التصريح به فانتقده رئيسه علي
الملأ وقال انه لم يكن ينبغي له التصريح في أمر لم يشهد المداولات حوله. ولا يدري
المرء أية الاساءتين أبلغ: انتهار الوزير علنا وتسفيه رأيه ام اعلام الملأ بان
الوزير لا يشهد المداولات في امور هي من صميم اختصاص وزارته.
المتنبي قضي نحبه وهو في حسرة لانه لم يحصل
علي الوزارة، ولعله لو نالها لقضي اسفا بسببها. ولكن المسافة بين المتنبي ومانديلا
هي مسافة شاسعة حقا.