بقلم : عريب الرنتاوي
تجتاح الغرب موجة جديدة من التحركات
والتظاهرات التي تقودها قوى سياسية واجتماعية، متعددة الاصول والمنابت والمشارب،
تلتقي حول شعارات عامة -فضفاضة، تارة للدفاع عن البيئة واخرى ضد العولمة المتوحشة،
وثالثة ضد الحرب، ورابعة للتضامن مع بعض القضايا العادلة للشعوب، سواء أكانت وطنية
ام تنموية ام اجتماعية - صحية - ثقافية.
وقد وفرت تهديدات واشنطن بشن حرب على العراق،
مناسبة لتحريك هذا التيار المتنامي، فانطلقت التظاهرات التي تضم عشرات ومئات الوف
المحتجين على السياسة الامريكية في لندن وباريس والولايات المتحدة مرورا باستراليا
وكندا وغيرها، وهي تحركات ذات طبيعة استباقية - وقائية، وليس ردات فعل طارئة،
تحركها احداث مجزرة ترتكب هنا او عدوان يقترف هناك.
وبرغم ان القوى المحركة لهذه التحركات
»هامشية« من حيث نفوذها وتأثيراها على مجمل الرأي العام.. وبرغم انها تنتمي الى
ثقافات وايديولوجيات ومدارس سياسية واجتماعية لا يربط بعضها بالبعض الآخر رابط
حقيقي متين، إلا انها تتسم بالطابع المؤسسي المنظم، وتعبر عن عودة الروح للمنظومة
القيمية التي دافعت عنها قوى غربية حية ذات يوم، عندما كانت الامبريالية في ذروة
هيجانها الكولونيالي.
يساريون وشيوعيون سابقون.. انصار المذاهب
والايديولوجيات الآسيوية المنشأ.. خضر وبيئيون.. اقليات عرقية واثنية ومهاجرون...
مثليون وفوضويون.. خليط غريب عجيب امكن لها ان يحتل المرتبة الثانية في نشرات
الاخبار بعد كل مؤتمر او منتدى اقتصادي عالمي، وبعد كل لقاء »عولمي« وبعد كل خبر
عن حرب ستندلع هنا او هجوم سيشن هناك.
التحركات في »الشارع العربي« تختلف عن
مثيلاتها في العالم في »الشارع العربي«، فالاولى منهجية ومنظمة، فيما الثانية
عاطفية ولحظية وموسمية، الاولى تضع نصب عينها اهدافا وشعارات من النوع القابل
للتطبيق، فيما الثانية تدور في دوامة »الشعاراتية« الفضفاضة، الاولى تقرن الكفاح
حول القضايا الدولية العادلة بالنضال من اجل التغيير في الداخل، فيما الثانية تقيم
سدا بين شعاراتها القومية العامة، وقضايا الحرية والتنمية والديمقراطية في
المجتمعات العربية.
حركة الشارع في المجتمعات الغربية تحكمها اطر
منظمة، من حزبية ومؤسسات مجتمع مدني ومنظمات غير حكومية، تنشأ وتنحل، تصعد وتهبط
ارتباطا بأهداف وبرامج محددة، فيما مأزق الشارع العربي يكمن في كون قواه المنظمة،
تواجه مأزقا بنيويا، لا يقل تفاقما عن مأزق الانظمة القائمة، فيما القوى
المستقبلية فيه تعاني ضعفا وشتاتا قل نظيرتها.
ايا يكن من امر، فإن التأثير الذي كان ينتقل
بالعدوى في العادة، بات ينتقل اليوم بأدوات العدوى ،وكما كان لموجة اليسار
والحركات الطلابية انعكاساتها الدولية في الستينيات، فإن من المرجح ان يكون لهذه
الموجة انعكاساتها عربيا، ولننتظر لنر.