حروب الآخرين.. واجتماعات ميرفي

 

 

 

 

بقلم :  ليلى الاطرش

 

في حين ينشغل الفكر السياسي العربي بتحليل وتصور ما سيحدث وملاحقة السيناريوهات المحتملة للمنطقة العربية من خلال تصريحات وتلميحات وافعال الاميركيين، بما في هذا من اقتراب او ابتعاد عن حقيقة ما يرسم لنا، يخرج علينا محمد حسنين هيكل بمقولة ان ما يحدث هو حروب الآخرين على الارض العربية! فهيكل يرى ان اميركا »تحتلنا« وتقسم بلادنا وتضرب العراق وفلسطين ودولا اخرى، لانها تريد ترويض ولجم قوتين متناميتين في الافق الشرقي، الصين واليابان، انها في رأيه سطوة الجغرافيا التي جعلتنا في الوسط! المنطقة الاهم في حروب الاخرين!

يحدث هذا مع تحرك اميركي للالتقاء بقيادات فكرية رسمية وشعبية في دول عربية عدة للتشاور، و»معرفة وجهة النظر العربية فيما سيحدث«.

وعلى الفكر العربي ان يصدق ان اميركا ما زالت تخطط للمنطقة وربما اخذت بالحسبان بعض وجهات نظرهم، وان مخطط المنطقة لم ينجز منذ سنين.

ان الفكر العربي كما السياسات العربية هي ردود فعل فورية عاجزة عن استشراف المستقبل بعيد المدى، لهذا يرى الفكر العربي دائما ويحلل الواقع الفعلي وينشغل به وكذلك تفعل سياساتنا.

لهذا مثلا يكتشف المفاوضون الاكاديميون الفلسطينيون ما يجري من تحت اقدامهم وبرعاية اميركية في اوسلو الا حين اعلن عن مفاوضات سرية كانوا غطاء تمثيليا لها، وتجاوز المفاوضون هذه الصفعة.

ويعلن الرئىس عرفات ان القدس عاصمة لدولة فلسطين بعد اعلان اميركا انها عاصمة لاسرائيل، لا قبل، رغم ان القرار مجمد في مكتبه منذ اكثر من سنتين.

وفي حين ينشغل السياسيون العرب والاكاديميون بالافتاء والتحليل السياسي »في الفاضي والمليان« على الفضائيات العربية، يجتمع ريتشارد ميرفي مع عدد من القيادات الفكرية والسياسية - رجالية ونسائية - وبحضور السفراء الاميركيين لتبادل وجهات النظر في دول معنية وبأدوار مختلفة فيما سيرسم للمنطقة.

السؤال الموجه من ميرفي لهؤلاء كان: ما نوع المساعدة التي تتوقعون من اميركا ان تقدمها لكم في مرحلة ما بعد صدام؟ كيف ترون الدور الاميركي في بلدكم بعد صدام؟

فهل الاميركيون حريصون فعلا على ديمقراطيات في مناطق ينوون احتلالها بشكل او اخر؟ وهل المساعدات هي الهيمنة والتغيير في الفكر الاجتماعي والتربوي؟

وبغض النظر عما كان في اجابات بعضهم من محاولة رفض هذه المساعدة التي يجب ان تطلب بداية وهو ما لم يحدث فإن القرار الاميركي بهذا الشأن واضح وصريح وهو المساعدة بالاكراه.

اذن كيف لا تكون حربا عربية ونحن الذين سندفع كل هذا الثمن؟ بدءا من احتياطي البترول الذي يصل الى 66% من احتياطي العالم الى تقسيم يشبه الى حد بعيد ما حدث بداية القرن في سايكس - بيكو ولكن هذه المرة على اساس عرقي وطائفي وعشائري متصارعة، وهو ما سيسهل عملية الخضوع والحاجة الى قوة كبيرة في المنطقة تقوي هذه الاجساد الصغيرة وبالتالي لن تجد امامها الا قوتين لنفوذ الاحتماء هما اميركا واسرائيل.

وكيف لا تكون حربنا وما زال البترول الى عقود قادمة هو عصب الصناعة من الكساد والركود الذي تعانيه اميركا في اسوأ مرحلة حين يؤكد باحثوها ان المنقذ من كل هذا هو عودة سعر البترول الى 13 دولارا للبرميل؟!

فكيف لا يرى مفكرونا وساستنا ما يرسم لنا، ام انهم يدرون؟ تلك هي الطامة الكبرى! وربما يفسر هذا ايضا لعباد الله الصابرين على امتداد الوطن العربي ان هذا الفكر كما السياسة هو ردود افعال آنية لما يخطط لهذه المنطقة تفسيرا وفعلا.

اننا نجابه ازمة فكر دائم وكأننا من اهل الكهف نصحو على زمان يسبقنا ويقرره الاخرون حتى باتت الكتابة والتحليل ضربا من التخمين وضرب الودع.

لقد عشنا ازمة فكر غير قادر على الرؤية والاستشراف ورسم خطوط المستقبل، ومنذ بداية القرن الماضي، قراءة يستطيعها الفكر الحقيقي الملم بدقائق الامور دون ان يصير مجرد مستنبط لردات الفعل وتحليل الراهن لانه يحاول التوفيق بين ما هو قادم وما يحدث كردة فعل وتوابع للاحداث الاجتماعية والسياسية والفكرية ولهذا اتسم الفكر العربي بالسياسات التوفيقية كما سياسات حكوماته ولهذا نعيش انقسامات فكرية راهنة تشغلنا عن فداحة ما يرسم لنا وبتنا غير قادرين حتى على التوفيق بين هذه التيارات الفكرية المتناحرة.

لقد لخص سمير امين ازمة الفكر العربي وقصوره بفشل السياسة التوفيقية المنحدرة من الليبرالية البرجوازية القديمة في مواجهة الاصولية، ويرى ان الحركة الماركسية العربية في اواسط هذا القرن، اعطيت فرصة لاحداث تغيير جذري في اتجاه الحداثة العلمانية، لكنها فشلت، كما فشل المشروع الناصري الوحدوي الذي انتجته الفئات الوسطى التي ارتكزت على الماركسية، والتي لم تجابه حقيقة الاسئلة الاساسية - طبيعة الرأسمالية، الهدف الاشتراكي، مسائل الدين والثقافة - وقد ادى فشل الماركسية العربية والحركة القومية الوحدوية الى تصاعد هيمنة الايدولوجيا الدينية، بدءا من الثمانينات وعودة الى ما كانت عليه قبل انطلاق المشروع التحديثي في مطلع العصر الليبرالي.

فهل يصحو الفكر العربي ليسابق احداث الواقع الذي يرسمه غيرنا، لعله يجد خلاصا من الهوة التي نسير باتجاهها قدما؟