قرار أمريكا بشأن القدس وزيارة شارون لروسيا .. بماذا
توحيان ؟
استهجن كثير من العرب قرار أمريكا باعتبار
القدس عاصمة لإسرائيل معربين عن استيائهم الشديد.
لكن الطريف في الأمر ؛ ليس القرار الأمريكي ،
ولكن في البعض الذي ما زال يتوسم في أمريكا خيراً ؛ ويستبعد صدور هذا القرار عن
أمريكا ، بعد كل الذي جرى ويجري من قبلها منذ عقود ، عندما كان النظام العالمي بعد
أكثر توازناً وأقل ظلماً.. ومع ذلك فإنها لم تتوقف عن الانحياز ضد مصالح العرب
ومساندة أعدائهم في غير موضع وزمان. ومن هنا فما يجري الآن من قبلها ضدنا على
اتساع العالم أمر غير مستهجن؛ بل إن العكس هو المستهجن على افتراض حدوثه ولن يحدث
أبداً.
ولمن لا يدري ؛ فالقرار الأمريكي متخذ منذ
سنوات؛ ولكن توقيت إعلانه وتنفيذه أرجئ أكثر من مرة (..) ومن الطبيعي أن يأتي في
توقيت أكثر من صعب بالنسبة لنا. ومن الطبيعي أيضاً من وجهة تحالف واشنطن ـ لندن ـ
تل أبيب أن لا يراعي أي خط أحمر أو أصفر ! طالما أن أصحاب العلاقة لم يتنبهوا بما
فيه الكفاية إلى أن هذا الأمر سيأتي ؛ فلا يعدّوا لمواجهته كفاية ، وطالما لم
يكفوا عن المراهنة على أمريكا في أن تكون حكما حكيما، وطالما أن أرصدتهم ما تزال
في غير الحفظ والصون في المصارف الأمريكية ؛ وطالما أن منتجات النفط تتدفق وأسعاره
تتحدد وفق الرياح الأمريكية، وطالما أن أسواق الاستهلاك العربية تستورد من سلعة
أمريكية واحدة أكثر مما نستورد مجتمعين من أسواقنا العربية.
لقد زار السفاح شارون؛ روسيا؛ مؤخرا؛ وفي رأس
أولوياته حشد طاقات من تبقى من اليهود الروس هناك في مجموعات ضغط على الرئيس
الروسي بوتين وحكومته، للرضوخ للضغوط الأمريكية والقبول بإصدار قرار جديد عن مجلس
الأمن يحقق مصالح محور و . ل . ت . حدث هذا دون أن ينتبه له العرب ، ويعدّوا
مسبقاً أو لاحقاً بما يكفي لإحباطه ؛ ونسج علاقات وصداقات وثيقة مع آخرين في هذا
العالم ك : روسيا والصين وغيرهما ؛ عوضاً عن الاستمرار في المراهنة غير المجدية
أبداً على أمريكا؛ الصديق اللدود.
لقد أدرك الحسين طيب الله ثراه أهمية التوازن
في العلاقات الدولية ، وفي تحقيق المصالح الوطنية ، فتحول بعلاقات الأردن مع
تايوان إلى الصين الشعبية.. المستورد الأهم للنفط العربي، ولها مصالح حقيقية أخرى
، مثلما لنا عندها وهو ما أدركه أيضاً عبد الله الثاني في توطيد علاقات الأردن
بالصين وزيارتيه لها.
إن المراهنة على صديق واحد حتى على مستوى
الأفراد؛ تجعل الصداقة والصديقين أو الأضعف فيهما، في لحظة ما، في مهب الريح
والاحتمالات الضارة.
إن علاقاتٍ أمريكيةٍ ودودة بالعرب؛ مشوبة
بخيارات أمريكية مغايرة لمصالحها، وليس صحيحاً من وجهة المقاييس الأمريكية الراهنة
أن مصالحها تتضرر بالوقوف ضدنا ومع أعدائنا(..) ذلك أن بعضنا يتوله العشق بأمريكا
حتى حد الاستمتاع بالأذى.. والبعض الآخر ؛ ليست لديه الصداقات البديلة الكافية.
كما لا يوجد عمل جماعي عربي لاستنهاض مجموعات ضغط عربية موازية في أمريكا وغيرها.
بكلمة ، ما يحدث الآن ليس كله من صنع أمريكا
ومحورها.. ومع ذلك فأمامنا فرصة لعدم الإسراف في العشق لأمريكا وثقافتها ، وما
زالت أمامنا فرص لإعادة بناء أولويات صداقاتنا ومجموعات الضغط الخاصة بنا.