حكاية رئيس الوزراء وابو مازن واللجنة المركزية

 

 

 

بقلم :  نبيل عمرو

 

ولدت فكرة استحداث منصب رئيس للوزراء في السلطة الوطنية منذ بداية تأسيس السلطة، وكان النائب عزمي الشعيبي اما بصفته الشخصية، واما نيابة عن حزب فدا، هو اول من طرح الفكرة، واكثر من رددها في سياق النقاش الهادف الى تطوير البنية السياسية والادارية للسلطة الوطنية، ولقد استبعدت الفكرة لسببين:

الاول: عدم ورود نص دستوري يجيزها.

والثاني: صعوبة استحداث النص الدستوري، بسبب الحاجة لثلثي اصوات اعضاء المجلس لتعديل مادة او اضافتها.

ولقد تجدد طرح الفكرة، حين طلب الرئيس من المجلس التشريعي اعداد برنامج اصلاح داخلي، في منتصف ايار هذا العام، ولذات السببين آنفي الذكر، استبعدت الفكرة، غير انها ظلت في الاذهان وفي حوارات القوى السياسية والاجتماعية، كاجتهاد وطني لتحديث الادارة الفلسطينية، وتطوير ذاتها، فيما يتصل اساسا بالشؤون الداخلية، واضعين في الاعتبار ان الشأن السياسي هو من صلاحيات منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية ورئيسها.

غير ان عاملا فعالا، دخل على الخط، وهو تبني الولايات المتحدة واسرائيل للفكرة، حتى بلغ الامر حد اعتبارها شرطا لتحريك المسار السياسي.. بل واكثر من ذلك، لادامة علاقات سياسية مع القيادة الفلسطينية، والرئيس ياسر عرفات بالذات.

وهنا جرى تعويم الفكرة، وحاول كل طرف تفصيل مسألة رئيس الوزراء على مقاس رغباته ومصالحه.

شارون يريدها وظيفة ادارية، تنتقص من العمق السياسي للتمثيل الفلسطيني والقيادة الفلسطينية.

والامريكيون يريدونها عنوانا جديدا اكثر سهولة في التعامل مع العنوان الصعب و»المتعب« ياسر عرفات.

اما باقي محبذي الفكرة من الاوروبيين والعرب فقد ارادوها مخرجا من ازمة معقدة - او بصراحة اكثر - ما دام العراب الكبير يريدها، فلم لا تتم الامور على مألوف العادة، باسترضائه والاخذ برغباته..

وفي غمرة الحديث الدولي المكثف حول هذا الامر، طرحت اسماء فلسطينية كثيرة، والفت سيناريوهات اثارة من النوع الذي تحبه وسائل الاعلام وتملأ به فراغ نشراتها وبرامجها السياسية حين تشح الاحداث الفعلية، واحتلت نشرات الاخبار اسماء ورموز كان في مقدمتها محمود عباس »ابو مازن« والدكتور نبيل شعث والدكتور ناصر القدوة وياسر عبدربه، واخرون.

كان الحديث الدولي عن فكرة »رئيس الوزراء« يلقي بظلاله على ساحتنا الفلسطينية، ويوجه على نحو مباشر مجرى الحوارات والتحالفات الداخلية، وحين نقول »ساحة فلسطينية« يكون الاساس فتح.. وامتداداتها السياسية والتحالفية.

انهمكت فتح في حوار داخلي، عبر اطاراتها، وصالوناتها، وزوايا الحوار فيها، وكان الاطار الابرز الذي طرحت فيه الفكرة، وجرى نقاشها اكثر من مرة، هو اللجنة المركزية التي هي القيادة العليا لفتح، وكانت الآراء وفق ما كان يبلغنا بها الاعضاء مصنفة على النحو التالي:

الرئيس، يعارض الفكرة، ولا يرى التوقيت الان مناسبا.

اتجاه اول، يراها ضرورية، كجزء من ترتيب الوضع الداخلي، وكاستجابة لتوجه اقليمي ودولي، ووفق مبدأ »لنفعل بيدنا« ومن خلال مؤسساتنا، وبأفضل المواصفات الوطنية، بدلا من ان تفرض علينا، من خلال صفقة وبأسوأ المواصفات الادارية اللاوطنية.

اتجاه ثان، يرفض الفكرة بالمطلق، بل انه يرى مجرد الحديث عنها امرا ينطوي على تعويد الرأي العام وترويضه باتجاه صيغ »مستوردة«.

وفي هذه الفترة، التي نوقشت فيها مسألة استحداث المنصب داخل اطار اللجنة المركزية، ونحن هنا نتحدث عن شهور لا ايام او اسابيع، ظهرت اوسع واعمق التداخلات الامريكية والاسرائيلية والاوروبية والعربية والمحلية، وكانت الرسائل الموجهة للفلسطينيين من قبل الجميع تشير صراحة الى ان استحداث منصب رئيس الوزراء، هو المفتاح السحري لبدء خطوات فعلية على صعيد الاصلاح الداخلي، واعادة فتح الملف السياسي، وفي حالة كهذه، يحاول كل اتجاه في اللجنة المركزية الاستقواء بالموقف الدولي، ويتخذ منه حجة لتوسيع دائرة مؤيديه، المتحمسون يقولون: ما دام العالم كله يريد ذلك، فلم لا نحترم رغبة العالم الذي نناضل معه من اجل الدولة.. والرافضون يقولون: ما دامت واجهة الفكرة امريكية - اسرائيلية، فهذا يوفر الكثير من جهد البحث والدراسة كي نرفض.

اما الرئيس الذي لا احد يعرف كيف يمكن تكريس فرز دائم داخل اللجنة المركزية، امام قوة تأثيره، فقد وضع المسألة برمتها على كومة الازمة الكبرى، ونظر اليها من زوايا متعددة متفاديا استخدام حق الفيتو الذي يتمتع به واقعيا دافعا بحنكته المشهورة في احتواء الاخرين، وتوظيف اتجاهاتهم المتعارضة او المتوافقة لمصلحة رؤيته، الحالة بأسرها الى حالة رافضة للفكرة، دون الاضطرار الى التصويت.. او اطالة امد عملية الفرز الداخلي.

حين اظهر الرئيس رفضه الاكثر صراحة للفكرة، شرع جميع الاخوة اعضاء »المركزية« الى التسابق في اظهار مساوئها، فالمتحمسون لاذوا بشارون، وعلقوا تحولهم عن الفكرة على جنازير دباباته، اما الرافضون اصلا، فقد طاب لهم تبادل التهاني، اذ حسموا الامر. ودون اي قدر من التواضع، قالوا كل شيء، الا الشيء الحقيقي، الذي هو »رفض الرئيس للفكرة«.

اما الذين ما زالوا يواصلون طرح الفكرة، وفق آلياتها وأهدافها البعيدة كل البعد عن توضيحات شارون فقد نهض في وجههم سد جديد، لا امل بتجاوزه الا اذا اتخذ الرئيس قرارا سياسيا باتجاه الفكرة.

لقد ضعفت فكرة »رئيس الوزراء« بالمواصفات الوطنية والدستورية حين تغلب المحتوى السياسي فيها على المحتوى الاصلاحي، وحين تغلب الجدل حول صفقة هي جزء منها، بدل دستور وطني يضعها في صميم بنوده، اما الضربة القاضية، التي اطاحت بصمودها »ولو الى حين« فهي ارتباطها بأسماء وشروط.

وهنا لا بأس من اختيار ابومازن لاظهار المدى الذي بلغته الفكرة ووصولها حافة الاستحالة الا بقرار من الرئيس.

حين جرى التركيز على محمود عباس »ابومازن« فقد تم تجريد الفكرة من محتواها الاداري، لمصلحة تكثيف المغزى السياسي، وهذا ما اشار اليه محمود عباس على نحو صريح حين قال: »لست انا الرجل المناسب لامر كهذا، لان الجميع يعرف الاتجاه الذي افضله«، وهو يعني بذلك الاتجاه السياسي والتفاوضي، وللحق، فان محمود عباس ذاته تعاطى مع الامر، ليس بمنطق من يبحث عن موقع له، فالرجل يحتل موقعا اعلى كأمين سر اللجنة التنفيذية، وانما لكون الفكرة مخرجا من ازمة، ويمكن القول كذلك، ان اقتراح ابومازن كرئىس للوزراء، وجد له انصارا، لا اعرف مدى اتساعهم داخل اللجنة المركزية، والمجلس الثوري، وباقي اطارات فتح، غير ان هذا الجانب ظل في المشهد الخلفي، اذ ان معارضة الرئيس للفكرة جعلت من كوادر »فتح« وقياداتها تتردد في المجاهرة بها خشية وقوع المحظور التاريخي، بظهور شبهة الانشقاق.

ان فكرة استحداث منصب رئىس للوزراء، تأثرت سلبا، بظهور مفارقة تتعلق بها، وهي قوة الفكرة، وميوعة الارض التي يفترض ان تغرس اساساتها فيها، ووضع كهذا، يشجع التعاطي معها بجدل صاخب دون نتائج.

غير ان الفكرة يجب ان تظل على الاجندة، يجب ان لا يحظر تداولها برسم المؤامرة او الانقلاب او الرفض التلقاني لكون غير الفلسطينيين من اعداء وأصدقاء تحدثوا بها، ولئلا يكون بوسع شارون ان يشل تفكيرنا، ومؤسساتنا، وسعة افقنا عبر مناورة تقوم على اساس قراءته المسبقة لرد فعلنا حولها.

ويجب الا ننسى لعبة شارون الواضحة في مسألة الاصلاح الفلسطيني، فلمجرد ورود هذه الكلمة على لسانه حملها البعض كدليل على بطلان الفكرة من اساسها. ان التعاطي الاسلم »من وجهة نظري« مع فكرة استحداث منصب رئىس الحكومة، هو:

اولا.. مواصلة النقاش الموضوعي حولها على قاعدة المزايا والمحاذير.

وثانيا.. اذا ما وصلنا الى مرحلة الاجراءات فلنحرص ان تكون سليمة ودستورية، ما دامت قوانيننا ومؤسساتنا تملك الاهلية لتنظيم ذلك، فان اقرها المجلس التشريعي، بعد وضعها مادة في الدستور فستتحول تلقائيا الى انجاز وطني داخلي. وان استبعدها يكون الاستبعاد حضاريا ودستوريا بحيث لا يقوى احد على التشكيك فيه، وتركيب تفسيرات عديدة عليه.

هذه ما اراها حكاية رئىس الوزراء، ولكن بالمسار العام. واختتم بالقول.. على المتحمسين الا يفرطوا في التنكر للفكرة، وعلى الرافضين الا يبالغوا في الاعتماد على قوة رفضهم، لأمر بسيط يتصل بحقيقة موقف الرئيس ولا تستبعدوا المفاجآت.. والله وحده اعلم.