هل يخرج العرب من التاريخ؟

 

 

 

بقلم : رفعت صدقي النمر 

 

دخلت انتفاضة الاقصى عامها الثالث في ظل ظروف دولية وإقليمية وعربية بالغة الدقة والخطورة. دوليا، تحكم الامبراطورية الاميركية حصارها حول العالم، وتلوّح بعصاها لكل من لا يسلّم بشروطها او يستسلم لإرادتها شرقا وغربا، تحت يافطة <<محاربة الارهاب>>. والمهمة المقدسة الملحة في الحرب الاميركية هذه، هي ضرب العراق، ولا تجد الامبراطورية الاميركية حليفا لها في هذه الحرب سوى الامبراطورية البريطانية البائدة وسوى الكيان الصهيوني الاستيطاني العنصري صنيعة هاتين الامبراطوريتين الاستعماريتين. وهكذا، ينتظم هذا التحالف الثلاثي العدواني ويلتقي على هدف رئيسي وهو ضرب العراق، ومن ثم تصفية المشروع الوطني الفلسطيني، وليس الانتفاضة فقط، تمهيدا لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، وخلق واقع جيوسياسي جديد أشبه ما يكون بالواقع الذي أوجدته اتفاقيات سايكس/ بيكو بعد الحرب العالمية الاولى.

اما عربيا، فيسود الصمت بعض العواصم العربية، في حين تفوح رائحة التواطؤ من بعضها الآخر، ولولا بعض الروح التي تدبّ بين الحين والآخر في بعض الشوارع العربية، كما حدث في الايام القليلة الماضية، لكان من الممكن ان ننعى هذه الأمة بحكامها وشعوبها، من الشيخ الطاعن في السن الى الطفل الرضيع. لكني أستدرك فأقول علمتنا تجارب التاريخ ان إرادة الشعوب من إرادة الله، وان الشعوب تمهل ولا تهمل، ويوم تنفجر الشوارع العربية بالغضب ويغمرها الطوفان فلن تجدي حينها سفن الإنقاذ الاميركية نفعا.

فمتى تستيقظون يا حكام العرب من سباتكم الطويل؟ متى تخرجون من الكهف؟ ومتى تتخلصون يا أبناء أمتي العربية والاسلامية من الأغلال والقيود والسلاسل التي تكبّل إرادتكم وتقتل فيكم روح العزة والكرامة والإباء؟ متى تثأرون لكرامتكم المهدورة في القدس ونابلس وغزة وجنين وبيت لحم وغيرها؟ هل تنتظرون ان تصل جيوش الغزاة الى أعتاب قصوركم وبيوتكم ومخادع نومكم؟ هلا تهز ضمائركم صرخات الأطفال الجوعى والمرضى والمشردين من بيوتهم، واستغاثات الأمهات الثكلى وعذابات الشيوخ الذين يودعون أبناءهم وأحفادهم شهداء في كل حين؟ هلا تثيركم مشاهد البيوت المدمرة على رؤوس ساكنيها، والاشجار المقتلعة من جذورها والمزارع المهجورة المحروثة بالجرافات؟ وهلاّ تحرككم معاناة الاطفال وزوجات الاسرى والمعتقلين والمبعدين القابضين على الجمر بانتظار قدومكم الذي طال أمده؟ أين جامعتكم العربية التي يقف على رأسها رجل نجلّ ونحترم؟ وأين معاهدة الدفاع العربي المشترك؟ لماذا تختصرون القضية فقط في رمز ومقر محاصرين، بينما الشعب كله، وفلسطين كلها تحت الحصار؟ هل سهل الهوان عليكم الى هذا الحد حتى هانت عليكم فلسطين وأهلها؟

يقولون في كتب التراث، ان الصحراء طبعت العربي على مر العصور بالإباء والكبرياء والشهامة، والنخوة ورفض الذل والضيم والمهانة، لدرجة ان العربي كان يرفض الانحناء، ولو لالتقاط سوطه اذا ما سقط منه عفوا. فأين العربي اليوم من هذه الطبائع والسجايا؟

سؤال جارح ينضح بالمرارة والغبن والخذلان، لكنه ضروري وملح في الوقت ذاته، حتى نخرج من نفق الهزيمة هذا الى أفق الكرامة الأرحب، وحتى لا تصح فينا مقولة الدكتور فوزي منصور في كتابه خروج العرب من التاريخ، اذ يقول في المقدمة: <<يدفع العرب خارج التاريخ فيتدافعون>>.

فيا أيها العرب، ويا أيها المسلمون، حكاما ومحكومين، أفيقوا واستيقظوا وانظروا حولكم، تبصّروا في تاريخكم واستشرفوا مستقبلكم. فالمعركة في العراق وفلسطين واحدة، وهي معركة العرب والمسلمين جميعا. فان خذلتم العراق، خذلتم فلسطين، وان تخذلوا فلسطين، ستكتب عليكم المسكنة والمهانة والمذلة، وستصيبكم لعنة الأجيال الى أبد الآبدين. فكفى تدافعا خارج التاريخ.