أين هو الوئام المدني؟ وأين هي الشهامة
الإنسانية التي هي خلق يشترك فيه الناس بغض النظر عن عقيدتهم وأعراقهم ومشاربهم؟
لا شك أن أصحاب القرار في الجزائر فقدوا هذه القيم الإنسانية وأن عشر سنوات من
الحكم الاستبدادي جعلت قلوبهم قاسية لا ترحم الشعب المسكين ولا تعير أي احترام
للجانب الإنساني وتعامل الخصوم السياسيين كما يعامل العدو الشرس أعداءه سعيا
لإذلالهم وإذاقتهم سوء العذاب.
الشيخ عباسي مدني مؤسس أكبر حزب عرفته
الجزائر في العهد الديمقراطي الحر وأحد مجاهدي الثورة التحريرية والآن قد تجاوز
السبعين سنة بعد أن قضى أكثر من عشرين سنة بين سجون الاستعمار والنظام وفي الإقامة
الجبرية بغير وجه حق منذ 30/08/1997. وهو في هذه الأيام الأخيرة في حالة صحية غير
مرضية بعد إنذار قلبي أصابه. وهذه الإقامة الجبرية لا تختلف كثيرا عن السجن حيث
يمنع عليه استقبال الناس ومغادرة منزله.
وللتذكير فإن الشيخ عباسي مدني ـ نسأل الله
له الشفاء والعافية ـ اعتقل يوم 30/06/1991 مع أخيه الشيخ علي بن حاج وبعض إخوانه
في المكتب الوطني للجبهة الإسلامية وحكمت عليه المحكمة العسكرية (مع الشيخ على بن
حاج) باثنتي عشرة سنة سجنا بتهمة الإضراب وما تبعه من أحداث. والشيخان قد غُيّبا
فعليا عن الساحة السياسية منذ اعتقالهما في 30 جوان 1991 أي قبل الانقلاب وتفاقم
الأزمة بعد مصادرة اختيار الشعب في يناير 1992، وهذا يعني أنهما لا يسجنان لعلاقتهما بالأحداث الدموية التي وقعت.
والحال أنهما في السجن فاقدين للحرية، لا يمكن بحال من الأحوال تحميلهما مسؤولية
ما وقع بعد دخولهما السجن كما يحاول أباطرة النظام إشاعته بين الناس، إنما يتحمل
المسؤولية أولئك الذين أخذوا القرار بوقف المسار الانتخابي ومصادرة اختيار الشعب الحر
حيث دفعوا بالبلاد إلى هذه المأساة الدموية التي أتت على الأخضر واليابس وهم الآن
أحرار وبعضهم مازال في هرم السلطة مستمرين في التمسك بسياسة الاستئصال والإقصاء
والتهميش للشعب.
إن الشيخ عباسي مدني ومعه الشيخ علي بن حاج
لا يستحقا كما هو حال كل سجناء الرأي أن يقعدا يوما واحدا في السجن، فهما أصحاب
مشروع سياسي زكاه الشعب مرتين عبر انتخابات حرة ونزيهة، ولو كان النظام أو بالأحرى
أصحاب القرار يحترمون أنفسهم لعاملوهما معاملة تليق برجال يمثلون شريحة عريضة من
المجتمع الجزائري. فإهانة عباسي مدني وعلي بن حاج وإبقائهما في السجن والإقامة
الجبرية رغم حالتهما الصحية المتدهورة هي في الحقيقة إدانة صريحة لمن يتحكمون في
رقاب الناس وتكشف للرأي العام الداخلي والخارجي التوجه التسلطي للنظام واستهانته بالحقوق
الأساسية للإنسان، وتظهر إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا في التعامل مع خصومهم
السياسيين، ولا ننسى ما وقع من اغتيال الشهيد عبد القادر حشاني.
إن تعامل السلطة اللاإنساني مع الشيخ عباسي
مدني يؤكد ممارسة السلطة للخروقات الكثيرة في مجال حقوق الإنسان كالتعذيب والإعدامات
خارج نطاق القانون على مدى العشرية
الحمراء. إن هذا التعامل اللاإنساني مع الشيوخ لن يثني الشريحة العريضة من الشعب
الجزائري التي تقدر بالملايين عن مناصرة
المشروع الإسلامي والتمسك به كما أنه لن ينقص من شعبية عباسي مدني وعلي بن حاج بل سيزيد من مدى
التعاطف معهما كما هو الحال دائما مع المظلوم، وإن إبقائهما يوما واحدا في ما هم
عليه في ظل صحتهما المتدهورة سيشكل وصمة عار للنظام خاصة لو أصابهما مكروه لا قدر
الله.
نقلا عن
نشرة الرباط التي تصدرها الجبهة الاسلامية للانقاذ