على الخطاب الاسلامي تحديد من هو العدو وجبهة العداء لا ينبغي ان تتوسع
في الغرب
اليوم جاليات إسلامية باتت تشكل ثقلاً سياسياً يحسب حسابه، ورغم عدم ارتقاء الأداء
الإسلامي بعد إلي ما يتناسب والقدرة علي العطاء والقدرة علي التأثير، إلا أن ثمة
ما يشير إلي الاتجاه نحو ذلك، وخاصة بعد أن حفزت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما
تلاها من تصاعد وتيرة الأحداث في فلسطين المحتلة المسلمين المقيمين في الغرب علي
التمسك بهويتهم والدفاع عن قضايا الحق في أمتهم، بل لقد فتحت هذه الأحداث أعين
كثير من المسلمين علي فرص لم تكن متاحة من قبل يمكن لو استغلت بحكمة أن تؤثر في
تغيير قناعات الرأي العام وفي المواقف المتخذة من قبل صناع القرار. وفي عهد شارون
بالذات، ونظراً لما تميزت به سياساته من حماقة غير مسبوقة في مطبخ السياسية
الصهيوني، لم تعد المعاناة الفلسطينية بسبب الاحتلال خفية علي أحد.
ومما لاشك
فيه أن الأحداث الأخيرة أثبتت تنامي التعاطف الشعبي في الغرب مع تطلعات الشعب
الفلسطيني في الحرية والتحرير. وهذا التعاطف هو بلا شك ثمرة التضحيات التي يقدمها
الأهل الصامدون في فلسطين والتي يمكن أن يستثمرها المسلمون المتواجدون في الغرب
الذين تعتبر قضية فلسطين بالنسبة لهم قضية أساسية، من أهم ما تتميز به عن غيرها من
القضايا التي تشغل بال المسلمين في الغرب أنها تجمع ولا تفرق، وأن طابعها الإنساني
يجمع حولها البشر من كل الملل والنحل.
لقد أثارت
الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين حفيظة الرأي العام في أرجاء العالم، وكان من
نتيجة ذلك أن هرع الإسرائيليون ومؤيدوهم في محاولات يائسة ومحمومة لإصلاح ما خلفته
استراتيجية شارون لمكافحة الإرهاب من خراب علي صعيد سمعة إسرائيل التي ما فتئت
تتباهي ويتباهي أنصارها في الغرب بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط
والدولة التي صيغت علي نمط النموذج اللبرالي الغربي.
منذ تصاعد
الأحداث في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 وإثر الاجتياحات الإسرائيلية للمخيمات
والمدن والقري، بذلت الجاليات الفلسطينية والإسلامية في الغرب، مؤيدة في ذلك
بأنصار القضية من غير المسلمين، جهوداً مكثفة لتخطي عتبة التعاطف مع الشعب
الفلسطيني والارتقاء إلي مستوي الفعل الجاد دعماً لصمود الشعب الفلسطيني
ولمقاومته. ومما يشجع علي ذلك أن الرأي العام في الغرب أكثر استعداداً اليوم منه
في أي وقت مضي للإنصات والاستماع لوجهة النظر الإسلامية، التي تري عدم شرعية
الكيان الصهيوني في فلسطين. ولاشك أن مثل هذا التحول لدي الرأي العام يشكل تحدياً
لكل الذين يسعون لتنوير الرأي العام ويخوضون حملات تستهدف مواجهة ودحض الدعاية
الصهيونية التي طالما كانت لها اليد الطولي في مخاطبة الرأي العام الغربي وتشكيل
القناعات لديه. ومن هنا يأتي التأكيد علي أهمية أن يطور المسلمون في الغرب خطاباً
واضحاً ومقنعاً وقوياً ومتماسكاً وقادراً علي الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في
مقاومة الاحتلال.
ومما يبعث
علي الأمل في هذا المجال أن حوارات ولقاءات علي مستويات عدة بدأت تجري في أوساط
الجاليات المسلمة في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية بهدف التباحث حول ما
ينبغي عمله لتطوير خطاب يستند إلي الثوابت ويستخدم لغة بسيطة وواضحة. ومما يجدر
تناوله في مثل هذه اللقاءات والحوارات ما يلي:
1) أهمية
الكشف للرأي العام عن جذور الصراع، فالتاريخ مهم جداً، ولعل أهم مصادر الخلل في
التغطية الإعلامية الغربية لأحداث المنطقة يكمن في تجاهل جذور الصراع والعزوف عن
تثقيف الرأي العام بتاريخ القضية الفلسطينية. فالإعلام في العادة يعطي الانطباع
بأن جماعتين متجاورتين من العرب واليهود تتنازعان علي أرض أو مصادر طبيعية وأنهما
تفشلان في التوصل إلي حل وسط مما يستدعي التدخل الدولي لفض النزاع وإنهاء الصراع.
ليس يخفي علي من لديه أدني معرفة بالتاريخ بأن الصراع لا علاقة له بنزاع علي أرض
أو مصادرولم يكن في يوم من الأيام كذلك، بل مصدر الصراع هو حدوث غزو أجنبي للمنطقة
رأس حربته تجمع من المهاجرين اليهود الذين لا ينتمون إلي المنطقة ولم يكونوا يوماً
من الأيام جزءاً منها. يقوم هذا التجمع اليهودي بدور الجماعة الوظيفية بينما
اللاعبون الحقيقيون هم صناع القرار في المنظومة الغربية المهيمنة علي العالم فيما
بات يعرف النظام الدولي. يبنغي أن تتضمن شروحنا لإصل الصراع مقدمة موجزة لتاريخ
المنطقة القديم يتلوها توسع في سرد أهم مراحل التاريخ المعاصر منذ القرن التاسع
عشر الذي شهدت أوروبا خلاله تحولات مهمة مهدت للمشروع الصهيوني وساهمت في إنجاحه،
مروراً بالحرب العالمية الأولي وما تمخضت عنه من إعادة رسم للخارطة ـ وخاصة في
منطقتنا ـ وتقاسم للنفوذ الاستعماري فيها ونشوء الدولة القطرية المعاصرة، ووضع
فلسطين تحت الانتداب وصدور وعد بلفور وتدافع المهاجرين اليهود عليها، ثم ظهور
النازية والفاشستية، ثم الحرب العالمية الثانية وما بات يعرف بالمحرقة ثم نشوء
الكيان الصهيوني في فلسطين.
2) من
المفيد أن يتضمن الخطاب الإسلامي للغرب شرحاً لما كان عليه الحال عبر تاريخ
المنطقة العربية من تعايش بين أتباع الديانات الثلاث. والفكرة هنا هي التأكيد علي
أن الصراع لم ينشأ بسبب عداوة المسلمين لليهود أو كراهيتهم لهم، بل طالما استقبل
المسلمون ضحايا الاضطهاد الغربي من اليهود ووفروا لهم الملجأ الآمن والبيئة
المواتية للإبداع في كافة المجالات. بمعني آخر، لا علاقة للصراع الدائر اليوم في
الشرق الأوسط بخلاف عقائدي، بل إن هناك من اليهود اليوم ـ رغم قلتهم ـ من يشاركنا
الاعتقاد بعدم شرعية دولة إسرائيل ويري كما نري أن الأمن والاستقرار والسلام لن
يتحقق إلا بزوال هذا الكيان القائم علي الظلم والإجرام. كما ينبغي أن يتضمن الخطاب
تأكيداً علي الدور الأوروبي في إقامة إسرائيل وخاصة فيما يتعلق بالمحرقة النازية
التي لولاها لما اقتنع كثير من اليهود بجدوي المشروع الصهيوني ولظلوا معارضين له
كما كان حالهم قبل المحرقة.
3) من
المهم أن يحدد الخطاب بوضوح من هو العدو ، وأن يكون هذا التعريف ضيقاً بحيث لا
تتسع دائرة من يشملهم فلا ينبغي أن توسع جبهة العداء بلا ضرورة. فالعدو هو من تورط
في هذا العدوان ومن يساند المعتدين ويدعمهم. من شأن مثل هذا التحديد أن يوسع دائرة
الحوار مع الغربيين. فكثير من الذين يتعاطفون أو حتي يؤيدون الكيان الصهيوني إنما
يفعلون ذلك جهلاً وبفعل الدعاية الصهيونية التي تصور اليهود علي أنهم الضحية
والعرب علي أنهم المعتدون المشبعون بالحقد والكراهية. من المهم أن نتوجه إلي الناس
بخطاب إنساني يذيب ما بيننا وبينهم من جليد ويزيل ما يفصلنا عنهم من عقبات حتي
نتمكن من إقناعهم بشيطانية الفكرة الصهيونية وبالطبيعة الشريرة للمشروع الصهيوني
التي لا يقتصر شرها علي الفلسطينيين والعرب والمسلمين بل ويوشك أن ينال من البشرية
جمعاء. ينبغي أن تقارن الصهيونية بنظام الأبارتيد (الفصل العنصري) البائد في جنوب
أفريقيا. والهدف من ذلك في نهاية المطاف هو زعزعة وإضعاف التحالف الداعم لإسرائيل
بشقيه اليهودي وغير اليهودي.
4) يحتاج
المسلمون إلي التأكيد علي حقيقة أن الفلسطينيين ليسوا أول ضحايا للاحتلال الأجنبي،
فالتاريخ الإنساني ـ والتاريخ المعاصر بشكل خاص ـ يزخر بالنماذج. ولذلك فلا ينبغي
استهجان أن يناضل الفلسطينيون أو يقاوموا. من الأمثلة التي تهم الرأي العام
الغربي: المقاومة الفرنسية ضد النازية، والمقاومة الفيتنامية ضد الوجود العسكري
الأمريكي، ونضال شعب جنوب أفريقيا بقيادة المؤتمر الوطني ضد نظام الأبارتيد. علينا
أن نؤكد أنه رغم قعود ما يسمي بالمجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة عن اتخاذ
اجراءات تعيد الحق إلي نصابه في فلسطين، فإن نضال ومقاومة الشعب الفلسطيني مبررة
ومسنودة بكافة الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية.
5) ليس من
مصلحة القضية الفلسطينية أن يتضمن الخطاب الإسلامي طرح حلول نهائية للصراع، بل
ينبغي ألا ينشغل المسلمون بذلك. ما ينبغي أن يصر عليه المسلمون في الغرب وأن
يلزموا أنفسهم وأصدقاءهم به هو إقناع العالم بالطبيعة الشريرة للصهيونية وبحق
الشعب الفلسطيني في المقاومة والنضال حتي يستعيد حقوقه المشروعة. أما عن الصورة
التي قد ينتهي إليها الصراع، فإنها ستتوقف علي اختيارات الأجيال القادمة التي
ستحسم الأمور في عهدها، وتتوقف علي الظروف التي يحصل فيها الحسم النهائي. ولذلك
ينبغي ألا يتورط المسلمون وأنصار القضية الفلسطينية في مشاريع تتحدث عن دولة
فلسطينية مستقلة أو عن دولة ثنائية القومية أو عن حل الدولتين المتجاورتين . فكل
هذا لا قيمة له، وضرره أكبر من نفعه. ما يهم فعلاً هو الإصرار علي زوال الاحتلال،
وعلي أن الصهيونية عدوة للإنسانية كما أن النازية كانت عدوة للإنسانية وكما أن
الأبارتيد كان عدواً للإنسانية.
6) يستهدف
هذا الخطاب علي المدي البعيد إقناع الرأي العام في الغرب، بما في ذلك السياسيين
وصناع القرار، بأن ما يلجأ إليه الفلسطينيون من وسائل مقاومة ينبغي أن يعتبر
مشروعاً، وأن يوصف نضالهم بأنه مشروع تحرير وطني، وأن تنزع عنه صفة الإرهاب.
ينبغي أن
يسعي المسلمون في الغرب ومن يساند حقهم المشروع في فلسطين لأن تكون ثمرة جهودهم
نشوء حركة عالمية لمناهضة الصهيونية كتلك الحركة التي ناهضت التمييز العنصري
وساهمت بشكل فعال في إنهاء نظام الأبارتيد من خلال المقاطعة والتظاهر والضغط علي
السياسيين وصناع القرار.
(*) مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن