كلما ازداد النظام تعفنا و ضعفا ازدادت المعارضة التقليدية تهالكا و تلاشيا

 

 

بقلم : صالح كركر

 

تعفن النظام القائم في البلاد إلي حد بعيد جدا. فالوضع في البلاد لم يبلغ من  قبل أبدا درجة من الانخرام و الفساد و الفوضى و التعدي على المواطن و قهره و انتهاك عرضه و ابتزاز أمواله و التلاعب بقيمه و مؤسساته مثل التي هو عليها الآن. كما أنه لم يبلغ درجة من سخط الشعب عليه مثل التي هو عليها الآن. فالشعب بين معارض شاهرا معارضته، معرضا نفسه لأبشع التتبعات و الاضطهادات، و بين متندرا بمخازي الزمرة المتسلطة على رقاب الشعب و سقطاتهم و فضائحهم المخزية في الشوارع و المقاهي و كل المحلات العامة، و بين هائم على وجهه لا يدري مادا يفعل وهو الغالب، و بين محاول للفرار من قسوة البطالة و قسوة الحاكم الجائر المتوحش ملق بنفسه في البحر لا يدري أيصل إلى أوروبا الأرض المنشودة أم يموت غرقا و تلتهمه الأسماك قبل أن يحقق نزرا قليلا من أمانيه الشرعية.

 

فالنظام القائم لم يبق له من صفة النظام إلا الاسم، و غدا من زمان، و الأمر يزداد سوءا كل يوم، زمرة ناهبة لكل ما يقع تحت يدها دون تخفي و لا استحياء بل بكل وقاحة و قلة تربية و حياء. فأعلى المسؤلين في سلم ما تبقى من إدارة هم خدم طائعون لأقل فرد من قرابة الطاغية الجائر. و من تحدثه نفسه من المسؤولين بعدم الانصياع إلى أوامر أي فرد من قبيلة بني هلال يضرب و يعنف و يطرد. و ما قصة والي المهدية لما ضرب أخير على وجهه بملف من طرف  المنحرف سفيان بن علي ابن أخ المنحرف الجنرال المتوحش زين العابدين بن علي إلا دليلا بسيط من قائمة أدلة لا تعرف النهاية. فكما أن جهاز الأمن ليس مجعولا في تونس للسهر على أمن المواطن و الشعب و إنما على أمن الطاغية و أمن أفراد بطانته النكدة المنحرفة، و لترويع المواطن و مطاردته، خاصة إن كان ممن شهروا معارضتهم لهاته السلطة الفاسدة. ك\لك الإدارة في البلاد لم يبق لها من مبررات قيامها إلا  خدمة مصالح رأس الإجرام و عصابته.

 

أضف إلى دلك ما تتخبط فيه البلاد من جفاف أرهق الحيوان و الإنسان مند ما يزيد عن أربع سنوت نتيجة ضلال و فساد و انحراف و تعدي و إجرام بني هلال من آل بن علي و آل الطرابلسي، و صدق الله العظيم حين قال في كتابه العزيز في سورة الجن: "و ألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا". و تستطيع أن تضيف أيضا إلى قافلة أسباب تفاقم الأزمة تضخم البطالة بشكل مفزع، و التي أصبحت تمس ما يقرب من نصف اليد العاملة النشيطة، نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي عموما و حالات الإفلاس المتعددة بين المؤسسات الإقتصادية نتيجة تطبيق اتفاقية الشراكة غير المتكافئة بين البلاد و الوحدة الأوروبية، و نتيجة خصخصة القطاع العام و التفويت في أهم مؤسساته للرأسمال الخارخي على وجه الخصوص و ما نتج عنه من طرد لأعداد غفيرة من العمال بغاية تطهير تلك المؤسسات و جعلها مربحة. و من أسباب تفاقم البطالة أيضا تراجع النشاط السياحي بما لا يقل عن نسبة النصف و التراجع الاضطراري الكبير للنشاط الفلاحي بسبب الجفاف، خاصة و أن القطاعين الأخيرين هما من أكثر القطاعت الاقتصادية تشغيلا لليد العاملة.

 

و رغم التهاطل المخيف للديون الخارجية على البلاد فإن الموارد قد قلت و بدأت الإدارة تجد صعوبة في دفع جرايات الموظفين في أوقاتها و بدأت تظهر حالات مخيفة للمجاعة في البلاد مثلما حصل في مدينة المنستير في شهر أوت الفارط من نهب كل المواد الغدائية من فنادق المدينة من قبل ما يزيد عن ألف من الحفاة العراة الدين نزحوا لها من منطقة القيروان المجاورة. و لا نتحدث عن الارتفاع المهول للأسعار و إصرار الدولة على تزوير نسبة التضخم و المبالغة في نشرها بغاية الحرب النفسية ضد المواطن. فالنسبة المعلنة لا تزيد عن 2،5 بالمئة بينما النسبة الحقيقية تزيد عن 20 بالمئة. كما أن قيمة الدينار ما افكت تنهار يوما بعد يوم. و الضرورة الاقتصادية أصبحت تقتضي بتخفيضه رسميا بأكثر من 30 بالمئة. و كلما وقع الحديث عن تخفيض قيمة الدينار إلا و سارع محافظ البنك المركزي لتفنيد الشائعات المتعلقة بتخفيض قيمة العملة و للتنويه الكادب بقيمة الدينار و تماسكه.

 

رغم دلك و بسبب غياب البديل تواصل العديد من الجهات الدولية المسؤولة دعمها غير المحدود و لا المشروط لزمرة بني هلال الجائعة المتلهفة، تدعمها بالأموال الطائلة مما يجعل من مشكلة البلاد مشكلتين الأولى متمثلة في العصابة الماسكة برقاب العباد في البلاد و في كيفية التخلص منها. أما المشكلة الثانية وهي الأدهى و الأمر فهي التركة المرهقة المستحيلة الحل تقريبا التي ستخلفها العصابة الناهبة بعد زوالها. كما أن تلك الجهات من مثل صندوق النقد و البنك الدوليين و البرلمان الأوروبي، و هم يدركون حق الإدراك حقيقة الأزمة المستفحلة في تونس، لا يتورعون عن مواصة التنويه و الإشادة "بالتجربة التونسية" و نجاحها الباهر. و هم بدون شك لا يصدقون أنفسهم في ما يفترونه من بهتان، فكيف يمكن أن نصدقهم نحن؟

 

إن الأسباب الموضوعية اللازمة لسقوط سلطة زمرة بني هلال قد اجتمعت كلها. فما هو العائق يا ترى أمام سقوطها؟

 

عائقان يعترضان سقوط سلطة زمرة بني هلال المنحرفة: المعارضة التقليدية نفسها و ترهل إرادة الشعب و زهدها في الإطاحة بالزمرة المرتزقة و طردها من مواقع السلطة.

 

أما المعارضة التقليدية المعترف بها  كتلك التي لم يعترف بها هي منهكة متهالكة لم تعد قادرة حتى على إسماع صوتها لنفسها، و قياداتها أصبحت محل استهزاء و سخرية و تندر من قبل الشارع التونسي، تماما مثل استهزائه و تندره من أفرد عصابة بني هلال النكدة أو تكاد. و هل يمكن لشعب أن يحترم و يلتف حول و يتبع من أجل التغيير معارضة هو يسخر منها و لا يثق فيها و لا  في قياداتها؟

 

إن المعارضة التقليدية القائمة هي من قبيل المعارضة الميتة الحية أو الحية الميتة، لا تملك شيئا من مبررات وجودها و لا لأي سبب من أسباب القوة. فكيف تريد من معارضة هدا حالها أن ترج الجماهير و تبعث فيها الأمل و تجدد فيها العزم على تحقيق التغيير في البلاد. إن هده المعارضة المتهالكة العاجزة بمختلف فصائلها مهتمة بما بعد التغيير و كيف يمكن لزعيم كل فصيل منها أن يصبح رئيسا لتونس بعد رحيل الجاهل المتوحش الحالي بينما الأمر كان يقتضي، لو كان هناك شيئ من الصدق و النزاهة و التجرد و الوطنية الصادقة، أن يقع التركيز على مسألة التغيير نفسها و التضحية بكل ثمين من أجلها على أن تترك مسألة الرئاسة و لمن تحق للشعب صاحب الحق الوحيد فيها ليبت فيها بعد الإطاحة بالمجرم الحالي عن طريق الانتخابات الحرة.

 

و بالمناسبة فنحن نؤكد بكل وضوح حول هده المسألة أنه ليس هناك من بين زعماء المعارضة الحاليين من تتوفر فيهم مواصفات رجل الدولة القادر على رئاسة البلاد و على المسك بدفة الأمور فيها بكل اقتدار و حنكة و تجرد و نزاهة. و لا يشد نظري بين الزعماء الحاليين للمعارضة بدون استثناء رجل قادر على تصفية تركة المجرم المتوحش الحالي و على النهوض بالبلاد من جديد بعد أن يضمد لها جراحها. و لست أقول هدا مزايدة على أحد و لا من أجل الإساءة لأي كان بقدر ما أقوله نصحا للشعب و أمانة له و شهادة أمام التاريخ. و إدا كانت بعض الأصوات سترتفع بالاحتجاج ضد هدا الكلام الآن فسوف تقف على حقيقته و تعطيه ما يستحقه من قيمة الأجيال القادمة.

 

إن مصيبة البلاد مصيبتان، فمصيبتها الأولى متمثلة في وجود هدا المجرم المتوحش على رأسها مند عقد و نصف من الزمن و ما قام به هو و حاشيته المخزية من نهب و تحطيم و إشاعة لكل أنواع الفواحش و المفاسد و المظالم و المنكرات و كأنه لعنة من السماء حلت بالبلاد و بالعباد. أما مصيبتها الثانية وهي الأخطر و أشد مرارة فهي عقم ساحتها حاليا إلا أن يشاء الله غير دلك من الرجل الموهوب المنقد.

 

إن المعارضة اليوم تعيش في حلقة مفرغة لم تستطع البتة التخلص منها، عجزها الدي يمنعها من الفعل و قلة فعلها و عقم خيالها و غياب مبادراتها التي تؤكد دائما عجزها، وهو ما يصرف عنها الجماهير و يحرمها ثقتها.

 

أما العائق الثاني على طريق التغيير فهو الشعب نفسه. لا يزال الشعب التونسي يعيش حالة من الإحباط و العجز على الفعل. فهو من ناحية يعيش رفضا كاملا  لمن نصب نفسه حاكما عليه يرهبه و يهينه و يجوعه و يحتقره. يعيش هدا الرفض للحاكم بشكل مشوب بالخوف و الرعب، لا يستطيع معهما أن يفعل شيئا. و كيف تريد من الشعب أن يفعل شيئا وهو مكبل بالديون و الحاجة و الفقر و العيال. فأفراد الشعب لا يقومون بشيء إلا بعد أن يحسبون له كل حساباته فكل ما يهدد لهم توازنهم الهش لا يقومون به و لا يقتربون منه. فالمجاهرة بمعارضة السلطة و الوقوف في وجهها و شق عصا الطاعة عنها لا تزال من عداد المحرمات في نظر الأغلبية التي بقيت مكتفية بحمل معارضتها للسلطة و نقمتها عليها في صدرها.

 

و مما يعمق هدا التصور لدى أفراد الشعب خيبة الأمل في المعارضة و عدم ثقتها فيها. فلسان حال أغلبهم يقول: ما الفائة من تعريض النفس و العيال و القليل من المصالح إلى المخاطر بالثورة على الحاكم المفسد بينما أنه ليس من المتأكد أن تكون المعارضة أفضل منه.

 

فما العمل يا ترى للتخلص من هدين العائقين الخطيرين الجاثمين على طريق التغيير في البلاد؟