بقلم : د. أحمد نوفل
نستعير العنوان من كتاب الدكتور مصطفى محمود
لنعبر به عن خروج الامة من مستنقع الضعف الذي تتردى فيه، ومن قرارة الوهن، وربقة
التخلف. فهل بمستطاع الأمة مثل هذا الانعتاق؟ وهل في مكنتها مثل هذا الانبعاث؟ وهل
تخرج من رحم الظلمات، أم تظل تتعثر وتتردى، وتنزلق من مشكلة الى مشكلة ومن مصيبة
الى مصيبة؟ وتظل تهوي بها ريح.
هذا هم كبير يجب ان توليه الأمة ما يستحق من
الاعتناء الكبير. وينبغي ان يجتمع له أهل الذكر والحجى والتفكير، وأصحاب الانتماء
الصادق في وسط الدخَل الكثير والادعاءات العريضة التي ليس وراءها الا المتاجرة
بمصير الامة ومستقبلها وقضاياها المصيرية وحراسة مصالح قوى الاستكبار.
وأول خطوات مثل هذا الخروج ارادة عازمة،
وقيادة حازمة، تتخذ القرار لا تلوي على شيء حتى تنجز للأمة حلمها، وتحقق لها
طموحها في مستقبل كريم.
لكن قوى التوهين تجادل بغير هدى ولا كتاب
منير، وبغير اخلاص ولا حرص ولا حسن تدبير، اذ توهم الامة ان لا فائدة من المحاولة،
لان مجرد محاولة الخروج تعني تحدي ارادة القوى الكبرى الذي سيجر علينا من الويلات
ما لا قبل لنا به، ومثله ذا الفكر أخطر من الهزيمة ذاتها، وأقوى من اسلحة العدو في
الفتك بروحنا وعزائمنا، «وهدّ حيْلنا».
أول خطوة في رحلة الألف ميل نحو الانبعاث
يقين ببلوغ الهدف. ثم ان عواقب الاستمرار في حالة التردي وما تجر من مزيد من أطماع
قوى العدوان والاحتلال، يفوق مخاطر المواجهة وتحدي العدو أضعافاً مضاعفة. ان رائحة
الضعف تجذب قوى الافتراس كما في عالم الحيوان وشرعة الغاب والظفر والناب، ذلك أن
للضعف رائحة تستجلب الكواسر والجوارح نحو الطرائد والفرائس.
ان المواجهة مشروع نهوض، ومشروع وحدة، وتجميع
للطاقات، ما أحوج الأمم الى ما يحفزها الى الفاعلية والوحدة، وما أحوجها الى ما
يستثير كامن الطاقة، ومذخور الجهد.. ولا أولى من مشروع المواجهة مع العدو الذي سجل
الله بعلمه المطلق أن العدو الاعدى والادوم عداوة للإيمان وامة الايمان.. أقول ليس
أولى من مشروع مواجهة مع مثل هذا العدو أن يؤلف بين قلوب المؤمنين، ويوحد
توجهاتهم.
ان الوحدة على مشروع سلام مع العدو، هو مشروع
وحدة على اساس التصديق بالماء الكامن في السراب، والشهد المستخرج من عش دبابير. ان
المشروع الذي يتناقض مع مذخور الأمة الحضاري والتاريخي والوعي الجمعي الذي تشكل
عبر المعايشات الطويلة والتجارب المتنوعة والتضحيات الجسام الثقيلة.. مثل هذا
المشروع المناقض لابسط البديهيات لن يجمع بل على العكس سيمزق ويفرق ويشتت ويباعد،
ويضيع الجهد فيما لا غناء فيه ولا طائل تحته ولا فوقه.
ان الله الذي فرض علينا المواجهة لو لم يكن
يعلم سبحانه فضلها في نهوضنا وانبعاثنا وحياتنا ووحدتنا ما كتبها علينا، ولذلك
قال: «كتب عليكم القتال وهو كره لكم». وقال: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله
وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم» ان علامة الحياة وعلامة حياة الايمان وحياة الامة
هي قدرتها على المواجهة: «والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين أووا
ونصروا اولئك هم المؤمنون حقاً».
ان ناموس الله في الوجود ان الوجود يفسد من
غير نظام المدافعة. وان روح الامة تتأسف وتتعفن، وتضعف بل تنهار اذا انتهت من
حياتنا المدافعة. فهل يعقل مروجو فكر الانحطاط فينا؟
القدس والكونجرس والواقع التعس
ها هي قبلتكم الاولى، وثالث الحرمين، وزهرة
مدائنكم، وتاج عروبتكم ورمز عزتكم، ها هي يهديها بوش والكونجرس هدية ثمينة سهلة
لاعداء الامة والدين من الصهاينة المجرمين.. في مقايضة بين الطغاة والمتجبرين،
تمررون لي ضرب العراق، وأمرر لكم اعتبار القدس عاصمة «اسرائيل» الابدية، وأنها ارض
غير محتلة، وانما أرض محررة، حررها يهود من غاصبيها.
انهم يقايضون ضربنا بضربنا.. ودمنا بدمنا..
والامة تتفرج على دمها يسفح وعلى مقدساتها تهدى لبني صهيون. ولا حراك.. ولئن لم
يحرككم مسرى النبي صلى الله عليه وسلم وبوابة السماء، فما الذي يحرككم ويدفعكم
لادنى درجات رد الفعل؟!
اخشى ان استمر الموات، ان تصبحوا يوماً على
خبر صاعقة وقد هدم المجرمون اقدس مقدساتكم بعد الحرمين.. ولئن مر هذا، «والألحمة»
جاهزة لتأدية دورها التاريخي في لجم الشعوب تحت دعاوى الحكمة والعقلانية، وما ثم
حكمة ولا عقل! اقول ان مر هذا، فانه سيغري عدوكم بتنفيذ ما هو أشد ضراوة. ألم
تقرأوا عن ذاك الذي يتكلم عن ضرب قبلة المسلمين وكعبتهم بالقنابل الذرية؟ ليس هذا
تهييجاً. ولكنه صرخة مكبوت. لن نقول القدس في خطر. لقد تجاوزنا القول. غدا الواقع
اكثر خطورة من كل نداء ومن كل استغاثة، وأبلغ من أي مناشدة!.
كم قال العقلاء: ان ضريبة السكوت اغلى من
ضريبة الكلام، وأغلى من ضريبة المواجهة. وضريبة الذل أفدح مراراً من ضريبة العزة.
فمتى يستيقظ اولو الامر من مفكرين وقيادات وجماهير؟!
أين اصدقاء امريكا وحلفاؤها؟ ألم تشبعونا
شعارات وكلاماً: أن الصداقة مع «اسرائيل» والعلاقة والتحالف مع امريكا انما هو
لصالح القضايا العربية، ولاستخدام العلاقة والصداقة في خدمة قضايا الامة؟
فها هو يوم الحاجة الاشد الى صداقتكم فأرونا
وزنكم في نظر حليفكم وصديقكم؟ هل تساوون عنده شعرة في مفرق شارون او نتنياهو؟
هل ستتغير تحالفاتكم المشبوهة مع أمريكا؟ هل
توافقون حس الجماهير، وروح الامة ونبض الشارع الذي يذوب ألماً للمس بالقدس؟ ان
آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى قدمهم شعب فلسطين لمجرد تفكير شارون بزيارة
الاقصى فكم سيقدم الآن لاعتبار كل القدس الحق الطبيعي لـ«اسرائيل»؟
قولوا لنا أنتم: أين نصنفكم اذا لم تزحزحكم
مأساة القدس عن مواقع الهوان التي رهنتم انفسكم فيها، وعن الذيلية والتبعية التي
ارتضيتموها؟
كاتب عربي نجس
نشرت «النيوزويك» -الاكثر صهيونية- مقالة
افتتاحية لكاتب عربي، يكتبها في الاصل كاتب عربي آخر. وبينهما سباق على الاشد
انحطاطاً.
عنوان مقال الكاتب العتيد: «اغلاق آخر مخازن
الشعارات العربية» يقصد بطبيعة الحال: ضرب العراق. يقول في المقال: لن يكون بوسع
كل وسائل الدعاية الامريكية اقناع العرب بعدالة الاطاحة بصدام، وكلما اجتهدت
الادارة الامريكية في اثبات امتلاك صدام لاسلحة الدمار الشمال جاءت النتائج معاكسة
تماماً لما تريد. ويعزو الكاتب ذلك لان العرب يسرفون في الخيال السياسي.
ثم يعطف على امريكا القادة العرب بأنهم هم
أيضاً لا يستطيعون اقناع الجمهور العربي ولذلك فانه ليس امامهم سوى استخدام الخطاب
المزدوج، خطاب يرفض ضرب العراق علناً، وفي السر يحث على ان تكون الضربة موجعة
ونهائية (!!) (هل فهمتم؟!)
(وهذا يذكرنا، أقول تعليقاً بمذكرات كيسنجر
التي يقول فيها: انه زار بلداً عربياً بعد قصف ليبيا، فقال له وزير خارجية ذلك
البلد: اننا عاتبون، لان الضربة لم تكن أشد!)
نعود الى الكاتب التعس، يقول: ان العرب بحاجة
الى صدمة تنهي الاسراف في الخيال السياسي. ان صدمة صدم قد تهيئ الفرصة لانتشار
منهج الواقعية، صحيح ان الشعار الاسلامي لم يسقط بعد (!)، لكنه تعرض لاختبار في
حرب افغانستان ولم يفلح سوى في تحريك بعض المظاهرات التي سرعان ما اختفت.
ان سقوط صدام «يصر المجرم على تصوير المسألة
على انها ليست ضربة بلد وشعب، وإنما مسألة زعيم!»
يقول: ان سقوط صدام سوف يتسبب في تبعثر
الجماهير العربية نفسياً وانتشار الاحباط السياسي. وسوف تجد الانظمة نفسها وجهاً
لوجه مع الجماهير، بعد ان تنجح الولايات المتحدة في اغلاق آخر مخازن الشعارات
العربية - ان صدمة صدام سوف تنهي مرحلة عربية امتدت لاكثر من 50 سنة - لقد روج
القوميون حلم الوحدة العربية، والاسلاميون حلم الدولة الاسلامية، ولست ارى حلماً
جديداً يجري الترويج له الآن. لكن بعد سقوط صدام وتفكيك التيارات الاسلامية وتحجيم
القضية الفلسطينية سوف يفقد اغلب الحكام العرب غطاء طالماً استخدموه في مواجهة
شعوبهم وهو غطاء الخطر الخارجي، ومنطق الازمة.. الخ».
وينصح امريكا في نهاية مقاله/ السم، فيقول:
ما على الولايات المتحدة الا ان تبحث عن طرائق للصداقة مع الشعوب العربية لا
الانظمة!
هذه عينة على العربي اذا انحط، وللمداد اذا
غمس في النجاسة والرجس والتبعية.