رأس الأمة

 

 

بقلم : محمد الشريف

mmfareedb@hotmail.com

 

قال يحيى بن يمان : سمعت سفيان الثوري يقول : المال داء هذه الأمة ، والعالِم طبيب هذه الأمة ، فإذا جَرَّ العالمُ الداءَ إلى نفسِه ، فمتى يُبرِئُ الناس ؟

*********

وعن إبراهيم الفراء ، قال : كتب سفيان الثوري إلى الخليفة المهدي: طردتني . وشردتني وخَوَّفتَنِي ، والله بيني وبينك ، وأرجو أن يَخِيرَ الله لي قبل مرجوع الكتاب . فرجع الكتاب وقد مات .

*********

العالم .. والحاكم ..

هل يمكن أن يختزل تاريخ أمة في اثنين .. ثم يكون الاثنان شيئاً غير هذين ..

العالم والحاكم ..

أحدهما عينٌ نافِذةٌ ترى ما لا يراه سواها .. والآخر يدٌ باطشةٌ تملك ما لا يملك غيرها .. والأمة من ورائهما تسير ..

هل يمكن أن يكون تاريخ الأمة شيئاً غيرَ : تاريخ العلاقة بين علمائها وحكامها ..

بدأ هذا التاريخ حين كان العالم هو الحاكم في عصر الخلافة الراشدة .. ثم تفككت أجزاء الصورة شيئاً فشيئاً حتى أصبح الحاكم في طريق .. والعالم الحق في طريق ..

والأمة .. الأمة تبحث عن صوتِها .. عن نشيدها .. عن جوهرها مُجَسَّداً في رجل !!

*********

لما استُخلِف المَهدِيُّ ، بعث إلى سفيان الثوري ، فلما دخل عليه ، خلع خاتمه ، فرمى به إليه ، وقال : يا أبا عبد الله ! هذا خاتمي ، فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة .

فأخذ الخاتم بيده ، وقال : تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين ؟

قال : نعم .

قال : أتكلم على أنِّي آمن ؟

قال : نعم .

قال : لا تبعث إليَّ حتى آتيَكَ ، ولا تعطني حتى أسألك .

فغضب المهدي ، وهَمَّ به ، فقال له كاتبه : أليس قد آمنته ؟

قال : بلى .

فلما خرج ، حف به أصحابه ، فقالوا : ما منعك ، وقد أمرك ، أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة ؟

فاستصغر عقولهم ، وخرج هاربا إلى البصرة .

*********

الحاكم مفتقر إلى العالم .. ولا يكون الرجل عالماً حتى يستغني عن السلطان ، ويرى ما هو فيه من الجاه والرفاه أهون عند الله من جناح بعوضه .

وإذا أظهر السلطان حاجته إلى العالم ارتفع في عين الأمة ..

وإذا احتاج العالم إلى السلطان سقط من عين الله .. ومن أعين الناس .

*********

قال الخليفة المهدي : لو جاءنا أبو عبد الله ( يقصد سفيان الثوري ) ، لوضعنا أيدينا في يده ، وارتدينا بُردَاً ، واتَّزرنا بآخر ، وخرجنا إلى السوق ، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ، فإذا توارى عنا مثل أبي عبد الله ؟؟!!

 لقد جاءني قراؤكم الذين هم قُرَّاؤُكم ( يقصد العلماء ) ، فأمروني ونهوني ووعظوني ، وبكوا -والله- لي ، وتباكيت لهم ، ثم لم يفجأني من أحدهم إلا أن أخرج من كُمِّهِ رقعة : أن افعل بي كذا ، وافعل بي كذا ، ففعلت ، ومقَتُّهُم .

*********

يسعى السلطان إلى أن يستدرج العالم إليه ..

ويجتهد العالم في أن يرفع السلطان إلى سماء المنهج الإلهي ..

والأمة تنتظر النتيجة ..

فإذا سما السلطان كان في قلب الأمة قَبَساً من نور الله ..

وإذا سقط العالم .. كان أسقط في نظرها من أجهل رجل فيها ..

*********

قال سفيان الثوري : أُدخلت على المهدي بمنى ، فسلَّمت عليه بالإِمرَةِ ، فقال : أيها الرجل ! طلبناك ، فأعجزتنا ( الحاكم هو الذي يطلب العالم !!! )  ، فالحمد لله الذي جاء بك ، فارفع إلينا حاجتك . ( ارفع إلينا حاجتك .. هي طريقة الحاكم ، في استدراج العالم !! ) .

فقلتُ : قد ملأتَ الأرض ظلماً وجوراً ، فاتق الله ، وليكن منك في ذلك عبره . فطأطأ رأسه ، ثم قال : أرأيت إن لم أستطع دفعه ؟

قال : تُخَلِّيه وغيرك . ( أي تترك الملك لمن يصلح له !! )

فطأطأ رأسه ، ثم قال : ارفع إلينا حاجتك .

قلت : أبناء المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالباب ، فاتق الله ، وأوصل إليهم حقوقهم . ( لا يطلب العالم حاجة نفسه .. وإنما حاجته حاجة أمته )

فطأطأ رأسه ، فقال أبو عبيد الله ( وزير المهدي ) : أيها الرجل ! ارفع إلينا حاجتك .

قلت : وما أرفع ؟ حدثني إسماعيل بن أبي خالد ، قال : حج عمر ، فقال لخازنه : كم أنفقت ؟ قال : بضعة عشر درهما .  وإني أرى هاهنا أمورا لا تطيقها الجبال .

*********

أول طريق عزة العالم أن يستغني عن عطايا السلطان .. وأن يمتهن لنفسه مهنة تكفيه ، وأن يقنع من رزق الله بما يصلب عوده .. ويدع لأهل الترف ترفهم .

قال سفيان الثوري : لأن أُخَلِّفَ عشرة آلاف درهم ، يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس .

وقال رواد بن الجراح : سمعت الثوري يقول : كان المال فيما مضى يُكرَه ، فأما اليوم ، فهو ترس المؤمن .

ونظر إليه رجل ، وفي يده دنانير ، فقال : يا أبا عبد الله ! تمسك هذه الدنانير! ؟ قال : اسكت ، فلولاها لتمندل بنا الملوك .

وقال : أحب أن يكون صاحب العلم في كفاية ، فإن الآفات إليه أسرع ، والألسنة إليه أسرع .

والناس عند العالم على مراتب : فأعلاهم عنده أقربهم إلى الله ، لا يضره أن يكون بعد قربه من الله أفقر الناس ..

وأدناهم عنده أبعدهم عن الله .. لا ينفعه بعد ذلك ملكه .. ولو كان ملك قارون

قال يحيى بن يمان : سمعت سفيان الثوري يقول لرجل : ادن مني ، لو كنت غنيا ما أدنيتك .

وقال محمد بن عبد الوهاب : ما رأيت الأميرَ والغنيَّ أذلَّ منه في مجلس سفيان .

وقال خلف بن تميم : سمعت سفيان الثوري يقول : وجدت قلبي يصلح بين مكة والمدينة ، مع قوم غرباء ، أصحاب صوف وعباء .

*********

العالم يشعر بِثِقَل مسئوليته .. يشعر أن كل حرف يتعلمه يضيف إليه هَمَّاً جديداً ، وأن كل حكمة يدركها تطلب التطبيق .. وأن عينه التي ترى ما لا يرى الناس  ، تحتاج إلى قلب لا يهاب من يهابون ..

العالم : يعمل بما يعلم .. فيورثه الله علم ما لم يعلم ..

قال عبد الرحمن بن مهدي : سمعت سفيان الثوري يقول : ما بلغني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث قط إلا عملت به ، ولو مرة .

وقال : من يزدد علما يزدد وجعا ، ولو لم أعلم كان أيسر لحزني .

*********

ورأس الأمر عند العالم " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ..

لم ينفق العالم ساعات عمره ليتكئ على كرسيه ، ويستعرض محفوظاته ، ويراكم أمواله ..

تعلم ليميز لنفسه الخبيث من الطيب .. ثم يصدع بذلك بين الناس .. فيتخذونه إماماً .

أشق شيء على نفسه أن يرى المنكر فلا ينهى عنه .. وأن يرى الحق مكسوراً فلا ينتصر له ..

قال سفيان الثوري : إني لأرى الشيء يجب علي أن أتكلم فيه ، فلا أفعل ، فأبول دما .

وقال شجاع بن الوليد : كنت أحج مع سفيان ، فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ذاهبا وراجعا .

*********

كان ما مضى لقطات متناثرة من حياة رجل قال عنه الإمام الذهبي :

هو شيخ الإسلام ، إمام الحفاظ ، سيد العلماء العاملين في زمانه ، أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد .

وقال عنه شعبة ، وابن عيينة ، وأبو عاصم ، ويحيى بن معين ، وغيرهم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث .

وقال بشر بن الحارث الحافي : كان الثوري عندنا إمام الناس ، وهو في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما.

عاش هذا الرجل ما عاش .. حتى إذا مات تحول في القلوب إلى فكرة .. فكرة سامية محلقةٍ : غايةُ الأمة أن تسمو إليها ..

هرب من السلطان حين طلبه ، فهربت القلوب إليه ، وسأله بعض تلاميذه : لأي شيء تهرب من الخليفة  وهو يقول : لو جاء ، لخرجت معه إلى السوق فأمرنا ونهينا ؟

فقال : يا ناعس ! حتى يعمل بما يعلم ، فإذا فعل ، لم يسعنا إلا أن نذهب ، فنعلمه ما لا يعلم .

كان يحفظ عن نبيه صلى الله عليه وسلم قوله " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " .

وكان يعلم أن العلم إذا استحال إلى ألفاظ تردد ، ومقولات يتزين بها العالم بين حاشية السلطان ، تحول إلى مسمار يدق في نعش الأمة .

كان يرى نفسه مسئولاً عن تربية الحاكم .. هو .. هو الذي لا يملك قوت يومه ..

قال مفضل مهلهل : حججت مع سفيان ، فوافينا بمكة الأوزاعي ، فاجتمعنا في دار ، وكان على الموسم عبد الصمد بن علي ( أي أنه كان أمير الحاج ، وهو عم الخليفة المنصور ) ، فدق داقٌ الباب ، قلنا : من ذا ؟

قال : الأمير . ( الأمير عبد الصمد !! )

فقام الثوري ، فدخل المخرج ، وقام الأوزاعي فتلقَّاه ، فقال له : من أنت أيها الشيخ ؟

قال : أنا الأوزاعي .

قال : حياك الله بالسلام ، أما إن كتبك كانت تأتينا فنقضي حوائجك ، ما فعل سفيان ؟

قال : فقلت : دخل المخرج .

قال : فدخل الأوزاعي في إثره ، فقال : إن هذا الرجل ما قصد إلا قصدك . فخرج سفيان مُقَطِّباً ، فقال : سلامٌ عليكم ، كيف أنتم ؟ ( يقول هذا للأمير !!)  فقال له عبد الصمد : أتيت أكتب عنك هذه المناسك . (تضاءل الأمير أمام العالم !!)

قال : أَوَلَا أدلك على ما هو أنفع لك منها ؟

قال : وما هو ؟

قال : تدع ما أنت فيه . ( أي : تدع الإمارة !! )

قال : وكيف أصنع بأمير المؤمنين ؟

قال : إن أردت كفاك الله أبا جعفر . ( أبو جعفر المنصور الخليفة المهيب !! )

فقال له الأوزاعي : يا أبا عبد الله ! إن هؤلاء ليس يرضون منك إلا بالإعظام لهم .

فقال : يا أبا عمرو ! إنا لسنا نقدر أن نضربهم ، وإنما نؤدبهم بمثل هذا الذي ترى .

*********

ودخل الأمير عبد الصمد مرة أخرى على سفيان الثوري يعوده في مرضه ، فحول سفيان وجهه إلى الحائط ، ولم يرد السلام ، فقال عبد الصمد لأحد تلاميذ سفيان : يا سيف ! أظن أبا عبد الله نائما .

قال التلميذ : أحسب ذاك -أصلحك الله- .

فقال سفيان : لا تكذب ، لست بنائم .

فقال عبد الصمد : يا أبا عبد الله ! لك حاجة ؟

قال : نعم ، ثلاث حوائج : لا تعود إليَّ ثانية ، ولا تشهد جنازتي ، ولا تترحم علي .

فخجل عبد الصمد ، وقام ، فلما خرج ، قال : والله لقد هممت أن لا أخرج إلا ورأسه معي .

*********

كان في الأمة أمثال هذا الإمام .. وكانت سيدة الدنيا ..

وقلَّ في الأمة نموذجه .. فدخل التتار بغداد ..

وكأني أراه واقفاً على أبواب بغدادنا الآن .. يحارب بألف سيف .. ويصرخ في علمائنا بألف لسان : 

إن هؤلاء الملوك قد تركوا لكم الآخرة ، فاتركوا لهم الدنيا !!