لا يغرنَّك من الرجل طنطنته وما
تراه يفعل من صلاة وصوم وعزلة عن الخلق.
إنما الرجل هو الذي يراعي
شيئين: حفظ الحدود وإخلاص العمل.
فكم قد رأينا متعبداً يخرق
الحدود بالغيبة ، وفعل ما لا يجوز مما يوافق
هواه.
وكم قد اعتبرنا على صاحب دين
أنه يقصد بفعله غير الله تعالى.
وهذه الآفة تزيد وتنقص في
الخلق.
والذي يَحسُنُ : القصد ،
فيكون عمله وقوله خالصاً لله تعالى لا يريد به الخلق
ولا تعظيمهم له.
فَرُبَّ خاشع لِيُقَال : ناسك
، وصامتٍ ليُقَالَ : خائف ، وتَارِكٍ للدنيا ليُقَال : زاهد.
وعلامةُ المخلص أن يكون في
جلوته كخلوته ، وربما تَكلَّفَ بين الناس التبسم والانبساط
لينمحي عنه اسم زاهد.
فقد كان ابن سيرين يضحك
بالنهار ، فإذا جَنَّ الليل : فكأنه قتل أهل القرية.
واعلم أن المعمول معه لا يريد
الشركاء ، فالمخلص مفرد له بالقصد ، والمرائي قد أشرك ليحصل له مدح الناس.
وذلك ينقلب لأن قلوبهم بيد من
أشرك معه فهو يقلبها عليه لا إليه.
فالموفق من كانت معاملته
باطنة وأعماله خالصة.
وذاك الذي تحبه الناس وإن لم
يبالهم كما يمقتون المرائي وإن زاد تعبده.
ثم إن الرجل الموصوف بهذه
الخصال لا يتناهى عن كمال العلوم ولا يقصر عن
طلب الفضائل.
فهو يملأ الزمان بأكثر ما
يسعه من الخير وقلبه لا يفتر عن العمل القلبي.
أبى أن يصير شغله بالحق
سبحانه وتعالى.
رأيت خلقاً يفرطون في أديانهم
ثم يقولون احملونا إذا متنا إلى مقبرة أحمد.
أتراهم ما سمعوا أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على
من عليه دَين وعلى الغالِّ وقال: ما ينفعه صلاتي عليه !!
ولقد رأيت أقواماً من العلماء
حملهم حب الصيت على أن استخرجوا إذناً من
السلطان فدفنوا في دكة أحمد بن حنبل وهم يعلمون أن هناك خلقاً رفات بعضهم على بعض.
وما فيهم إلا من يعلم أنه ما
يستحق القرب من مثل ذلك.
فأين احتقار النفوس ؟؟!!
أما سمعوا أن عمر بن عبد
العزيز قيل له: تُدفَن في
الحجرة النبوية .
فقال: لأن ألقى الله بكل
ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن أرى نفسي أهلاً
لذلك.
لكن العادات وحب الرياسة غلبت
على هؤلاء فبقي العلم يجري على الألسن عادة
لا للعمل به.
ثم آل الأمر إلى جماعة خالطوا
السلاطين وباشروا الظلم يزاحمون على الدفن
بمقبرة أحمد ويوصون بذلك.
من كتاب : دراسة لسقوط ثلاثين دولة
إسلامية
للدكتور : عبد الحليم عويس
في عام (41 هـ - 661م )
ويسمى عام الجماعة - تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن حرب معاوية
بن أبي سفيان ، الذي كان واليا على الشام منذ عهد عمر بن الخطاب ، والذي رفض
مبايعة علي بن أبي طالب - رابع الخلفاء الراشدين - متذرعا بأن عليا قد فرط في
الثأر من قتلة عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين ... رضي الله عنهم جميعا
.
وبتنازل الحسن استقر الأمر
لمعاوية فأصبح خليفة المسلمين ، وقامت دولة بني أمية التي تنتسب إلى أمية بن عبد
شمس بن عبد مناف ، فحكمت نحو تسعين عاما ( 41 - 132هـ ) ( 661 - 750م )
ونقلت عاصمة الحكم من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجاز إلى دمشق بالشام
.
كان نظام الحكم في عهد بني
أمية عائليا ، وقد تداول الحكم أربع عشرة خليفة أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد
الذي قتله العباسيون في " أبو صير " من حلوان مصر ..
الخلفاء الأمويون
:
- كان معاوية أول الخلفاء
الأمويين ومؤسس دولتهم ، وكان مولده بالخيف من منى قبل الهجرة بخمس عشرة سنة وأمه
هند بنت عتبة، وأبوه أبو سفيان ، وقد أسلموا جميعا في فتح مكة .
وأصبح معاوية من كتاب الوحي
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشترك في حروب الردة مع أخيه وأبيه ، ثم ولاه
عمر جزءا من بلاد الشام ، فلما جاء عثمان رضي الله عنه جمع الشام كلها تحت حكمه .
-
وبموت
معاوية سنة 60هـ بايع المسلمون ابنه يزيد ، ما عدا الحسين بن علي وعبد الله بن
الزبير وعبد الله بن عمر ، وقد وقف الأولان منه موقف العداء ، وقتل في عهده الحسين
، في كربلاء ، وحكم ثلاث سنوات ثم مات سنة 64هـ ، وعمره ثمانية وثلاثون عاما .
-
ثم
تولى معاوية بن يزيد ، بوصاية أبيه ، لكنه كان ورعا زاهدا فتنازل عن الخلافة بعد
ثلاثة أشهر .
-
وقد
وقعت حروب انتهت في ( مرج راهط ) بين الأمويين وعبد الله بن الزبير ، وأصبح
مروان بن الحكم خليفة على الشام وحدها ، وبقي ابن الزبير خليفة على سائر الأمصار ،
حتى ظهر عبد الملك بن مروان ، فتمكن من توحيد العالم الإسلامي الشرقي تحت إمرته ،
ولذا اعتبر المؤسس الثاني للدولة الأموية .
-
وكانت
لعبد الملك أياد عظيمة ، فقد عرب الدواوين وضرب العملة ، وبقي في الحكم اثنين
وعشرين عاما ، وتوفي سنة 86هـ ، فتولى بعده ابنه الوليد بن عبد الملك ، الذي حكم
عشرة أعوام ، وتمت في عهده إصلاحات داخلية عظيمة وفتوحات إسلامية كبرى على يد قادة
عظام مثل محمد بن القاسم الثقفي فاتح السند، وموسى بن نصير فاتح الأندلس .
-
ثم
جاء بعده أخوه سليمان بن عبد الملك فحكم ثلاثة أعوام لم تتقدم فيها الدولة شيئا ،
لا من الداخل ولا من الخارج ، ومات سنة 99هـ ، فوسد الأمر لأعظم شخصية في تاريخ
بني أمية ، على الرغم من أنه لم يحكم إلا عامين ، وهو عمر بن عبد العزيز ، الذي
اعتبره البعض (خامس الخلفاء الراشدين ) لكثرة ما عمل من إصلاحات خلال الفترة
الوجيزة التي حكم فيها .
لقد راقب عمر الولاة بحذر ،
وأخذ على أيديهم وطرد القساة منهم ، وانتشر الإسلام في عهده انتشارا كبيرا لأنه
وضع الجزية عمن يعتنق الإسلام ، وكان ولاة السوء لا يفعلون ذلك ، ويروي ابن عبد
الحكم ، ملخصا عهد عمر بن عبد العزيز ، في قوله الوجيز " إنما ولي عمر بن
عبد العزيز سنتين ونصفا فذلك ثلاثون شهرا ، فما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال
العظيم فيقول : اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء ، فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر
من يضعه فيهم فلا يجده ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس " .
-
ثم
ولي الأمر بعده يزيد بن عبد الملك ، بعهد من أخيه سليمان بعد ابن عمه عمر بن عبد
العزيز ، وهو ابن تسع وعشرين سنة . فدامت خلافته أربع سنوات وشهرا ، ثم مات
بعدها دون أن يترك أثرا ذا بال اللهم إلا إخماده لفتنة يزيد بن المهلب .
-
وولي
بعده هشام بن عبد الملك ، فمكث في الخلافة عشرين عاما حاول فيها تقليد عمر بن عبد
العزيز ، ولم ينجح في ذلك نجاحا كبيرا ، وإن كانت الدولة قد اتسعت في عهده ، ففتحت
قيسارية وبلاد الخزر ، وأرمينية ، وشمال آسيا الصغرى ، وجزءا كبيرا من بلاد الروم
.
لكن الأحوال الداخلية لم تكن
مستقرة على عهده وتوفي في عام 125هـ ، وترك الحكم للوليد بن يزيد بن عبد الملك
الذي يعتبر عهده - الذي لم يدم أكثر من عام إلا قليلا - من أسوأ عهود الدولة
الأموية ، ظلما وانتقاما من أبناء سلفه هشام فضلا عن عنصريته وخلاعته .
-
ولم
يكن للخليفتين اللذين وليا بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، وإبراهيم ابن
الوليد أثر يذكر ، ولم يدم حكم كل منهما إلا ثلاثة أشهر ، ولم تستقم لهما الأمور ،
وكانت أيامهما ، وأيام سابقهما الوليد بن يزيد ، فرصة ذهبية نجح فيها العباسيون في
تعبئة النفوس وتنظيم الصفوف ، للانقضاض على الدولة .
-
فلما
آلت الخلافة لمروان بن محمد - آخر خلفاء بني أمية في المشرق لم يستطع أن يقر قواعد
الدولة ، على الرغم من أنه " كان أشجع بني أمية وأقدرهم على تحمل الأخطار
" .. فسقطت الدولة في عهده ، بعد فتنة واضطرابات دامت خمس سنوات ، وكان
سقوطها في سنة 132هـ .
وكانت دولة بني أمية دولة
عربية تتعصب للعرب وللتقاليد العربية ، وللغة العربية ، ولم يستطع معظم خلفائها أن
يرتفعوا على مستوى المساواة والعدل في الإسلام .
لكن مع ذلك كان لهذه الدولة
أياد طولى على المسلمين لعل من أهمها جهودها العظيمة في مجال الفتوحات الإسلامية
.
فتوحات الدولة
الأموية :
اتسعت فتوحات الدولة الأموية
اتساعا عظيما ، منذ عهد معاوية الذي لم تكد تستقر له الأوضاع حتى جهز الجيوش وأنشأ
الأساطيل ، وأرسل قواده إلى أطراف الدولة لتثبيت دعائمها ، بعد أن حاول الفرس
والروم استغلال فترة الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما .
*وقد
أخضعت هذه الجيوش ثورة فارسية هدفت إلى الامتناع عن دفع الجزية . ثم توغلت جيوشه
شرقا ، فعبرت نهر جيحون ، وفتحت بخارى وسمرقند وترمذ .
*ومن
الجهة الرومانية ، كان الرومان قد أكثروا من الغارات على حدود الدولة الإسلامية في
الناحية الشمالية الغربية ، فأعد معاوية لهم الجيوش ، وانتصر عليهم في مواقع كثيرة
.
وبأسطوله الذي بلغت عدته
(1700) سفينة ، استولى على قبرص ورودس وغيرهما من جزر الروم - كما قام
بالمحاولة الأولى لفتح القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية سنة 48هـ ،
فأرسل جيشا بإمرة ابنه يزيد ، وجعل تحت إمرته عددا من خيرة الصحابة كعبد الله بن
عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري ، لكن المحاولة لم
تنجح !!
ومن الشمال الإفريقي ( تونس
والجزائر والمغرب الأقصى ) امتد الفتح الإسلامي، فأرسل (معاوية ) عقبة بن
ابن نافع سنة (50هـ) في عشرة آلاف مقاتل ، لتثبيت فتحها، وقد عمل عقبة على نشر
الإسلام بين البربر ثم بنى مدينة القيروان ، وفي عهد ابنه الخليفة (يزيد) وصل
عقبة في اكتساحه للشمال الإفريقي حتى المحيط الأطلسي غربا ، وقال هناك كلمته
المأثورة " والله لولا هذا البحر لمضيت في سبيل الله مجاهدا " .
وفي الشرق اتجهت جيوش عبد
الملك بن مروان - الخليفة الأموي الخامس - إلى التوسع في بلاد ما وراء النهر ،
وكانت القيادة في هذا الركن للمهلب بن أبي صفرة وليزيد بن عبد الملك . وكان من
أبرز الفتوحات في عهد الوليد بن عبد الملك فتح بلخ ، والصفد ، ومرو ، وبخارى ،
وسمرقند ، وذلك كله على يدي قتيبة بن مسلم .
أما محمد بن القاسم الثقفي
فقد فتح السند ( باكستان ) . وفتح مسلمة بن عبد الملك فتوحات كثيرة في آسيا
الصغرى ، منها فتحه لحصن طوالة وحصن عمورية ، وهرقلة ، وسبيطة ، وقمونية ، وطرسوس
.. كما حاصر القسطنطينية أيام سليمان بن عبد الملك .
وفي أوربا فتح موسى بن نصير
الأندلس ، وبقيت في حوزة المسلمين ثمانية قرون ( 92-898 .. هـ ) وكان
جزاؤه من بني أمية جزاء سنمار !!
وقد حاول عنبسة بن سحيم
الكلبي غزو جنوب فرنسا وفتح سبتماية ، وبرغونية ، وليون - ونجح المسلمون في ذلك
نجاحا مؤقتا ، حتى انتهت هذه المحاولات بعيد موقعة بلاط الشهداء التي قادها عبد
الرحمن الغافقي - بقليل . ولم يكن لهذه الفتوحات صدى حقيقي ، لأنها كانت أشبه
بحملات جهادية فردية .
ولماذا سقط هؤلاء العظماء ؟
كان معاوية رضي الله عنه -
بلا ريب - أحد دهاة العرب القلائل ، وكان رجل دولة وخبير سياسة بمعنى الكلمة
.. بيد أنه كانت هناك حقيقة حضارية ينبغي عليه إدراكها وهي : أن الحضارة حين
ينفصل جسدها عن دماغها لا يمكن أن تكون قابلة للبقاء .. حين يحدث انشقاق بين
روح الأمة وجهاز عملها المادي تحدث الآلية القاتلة وتسير القافلة بلا روح ..
تماما كما يسير الذي قطع رأسه من جسده.. إنه لا بد من أن يسقط بعد خطوات
!!
ومنذ قامت الدولة الأموية ،
واعتمد فيها نظام وراثة الخلافة كرها عن الأمة ..
منذ هذا الحدث وثمة انفصال
بين جسد الأمة وروحها ذاقت منه الأمة الإسلامية مر الأهوال ..وكان أحد الأسباب
، بل أهم الأسباب في سقوط الدولة الأموية .
لقد تشكلت طبقة تعطي نفسها
امتيازا جنسيا غريب الشكل .. فهي لمجرد أنها من البيت الأموي ، حتى ولو افتقدت
كل صلاحيات الوجود والحكم بعد ذلك ، لا بد أن تقف في الصف الأول .. وأن تقود
وتحكم .. !! والأدهى من ذلك أن هذه الدولة اعتمدت العنصرية العربية
المستعلية حقا تتكئ عليه في سيادتها .. وظلمها !!
وهذه الظاهرة .. تلد
أمراضا حضارية خبيثة كلها شؤم وبلاء .. فإن هذه الطبقة سرعان ما يحاول كل واحد
منها الحصول على حق .. أكثر شرعية جنسية .. لكي يصل إلى الحكم ، وبالتالي
يلجأ إلى الدس والخديعة والقتل والاغتيال ويسود الطبقة الحاكمة جو من الصراع
الداخلي يمنعها عن أن تؤدي للأمة أي شيء ، ويكون كل هم الحاكمين أن يحافظوا على
الموقع الذي يقفون فيه .. هكذا كان الأمر بين الأمويين ولا سيما في الأيام
الأخيرة من عمرهم .. أيام الوليد بن يزيد، ومروان بن محمد .
ومن الأمراض الخطيرة التي
تلدها ظاهرة الانفصام المشئومة استعانة هؤلاء الحاكمين بطبقة تتولى هي في الحقيقة
الأمر ، وتستبد بالأمة ، وحين تستغيث الأمة لا تجد من يغيثها ، إذ يكون الحكام في
واد آخر بعيد عنها ، بل إن هؤلاء الحكام يعتقدون أنهم بوجودهم في مراكز السلطة
مدينون لهؤلاء العمال أو الولاة الغاشمين الظالمين .
وقد زخرت صفحات التاريخ بعديد
من هؤلاء الجبابرة الذين أساءوا إلى المسلمين والإسلام إساءات بالغة كالحجاج بن
يوسف الثقفي في المشرق ، والوالي عبد الله ابن الحبحاب في المغرب .
ولقد أساءت هذه الطبقة
المصطنعة العازلة إلى تاريخ الأمويين نفسه أيما إساءة ، وزينت للخلفاء الأمويين كل
جور ، وعملت في المسلمين عمل كسرى وقيصر في شعبيهما .. وكانت - يعلم الله -
بلاء على المسلمين أي بلاء !! وقد كانت سببا في نجاح الخوارج ، وفي إشعال
ثورات بربرية ، في ساحة الأندلس والمغرب .
وبتأثير الطغيان الذي ساس به
الولاة جماهير المسلمين ، انصرف الناس إلى أمورهم ، تاركين أمور الدولة في يد
الفئة الحاكمة بل انصرفوا إلى الاندماج في كل حركات الخروج على الدولة .. وقد
تمخض كل ذلك عن ميلاد تنظيم من أدق التنظيمات في تاريخ الانقلابات السياسية ، وهو
التنظيم العباسي الذي رفع الراية العلوية ( الرضا من آل البيت ) أيام سريته
.. إلى أن وصل إلى الحكم .
ولم يك هذا التنظيم لينجح
ويجد المناخ والعناصر الصالحة إلا نتيجة سياسة الولاة الغريبة عن روح الإسلام .
وقد اختلف المؤرخون في سقوط
هذه الدولة العظيمة .. دولة الفتوحات .. وقد رأى بعضهم ، وهم محقون ، أنه
النزاع بين المضرية واليمانية ، الذي ابتدأ منذ أيام مؤسس الدولة الأموية معاوية ،
قد أدى إلى ضياع بني أمية .
ويرى بعضهم أن مصرع الحسين بن
علي في كربلاء كان الداء القاتل الذي تفاقم حتى قضى عليها .
ورأى آخرون أن العامل الهام
الذي أدى إلى سقوط بني أمية هو تعصب الأمويين للعرب، مما أدى إلى خروج الموالي على
الدولة الأموية وهم غير العرب الذين دخلوا في الإسلام عقب الفتح العربي في فارس
ومصر والمغرب .
وما لبث هؤلاء أن أصبحوا
أعداء للعرب من بني أمية ولا شك أن سلوك الوليد ابن يزيد الذي أدى إلى مصرعه كان
من أبرز الأسباب المباشرة في فساد الأحوال.
كما أن الاستبداد الفردي عامل
من عوامل سقوط الدولة قال به كثيرون .
وقد تكون كل هذه الأسباب
صحيحة ، بل قد تكون متداخلة ، لكننا نميل إلى سبب جوهري نراه أكبر الأسباب وأبرزها
، وهو العنصرية الأموية التي جعلتهم يرفعون العرب على حساب غيرهم، ويثيرون الأحقاد
في بقية الطوائف المسلمة!!
وتبقى عبرة التاريخ الأخيرة
في سقوط الدولة الأموية . فإن نصر بن سيار ( والي خراسان ) كان على عهد
مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين .. وكان نصر هذا .. كما كان مروان
.. كان كلاهما من خيرة من أنجبت الدولة الأموية.. هذا في الولاة ، وذلك في
الخلفاء .
لكنهما ظهرا بعد أن اتسعت
خروق الدولة على أي راقع ، وكان رصيد الدولة من الفساد والتحلل والظلم والضعف ، قد
أصبح أكبر وأضخم من طاقة أي إنسان .
لقد كانت حركة التاريخ التي
هي من سنة الله قد قالت في الدولة الأموية كلمتها .. وقد حاول " نصر
" أن يستعمل ذكاءه في إنقاذ الدولة ، إذ كان يستشف ببصيرته الوقادة أن ثمة
أمورا تبينت للدولة ، وأن دولة الأمويين على وشك الرحيل ، وكم كاتب الخليفة الأموي
الأخير " مروان " في ذلك .. ولكن دون جدوى .. لقد اتسع
الخرق ووجب أن ينهار البناء !!
وكان مروان .. مشغولا
بسداد " شيكات " سابقيه من الديون .. في بنك الضياع .. فلم
يمكنه أن يستجيب لا " لنصر " ولا لضميره الذي كان يحس بقرب الكارثة
.. هكذا تفعل الدول بنفسها .. نتيجة ظلمها . وتراكم هذا الظلم .
وعندما سقطت الدولة الأموية
سنة 132هـ ، ولقي مروان المسكين مصرعه في حلوان بمصر .. كان كتاب التاريخ يطوي
إحدى صفحاته .. يطويها بعنف لأن أبطالها أرادوا لأنفسهم هذا ... حين
راحوا ينفصلون عن ضمير الأمة ووجدانها ، ويعزلون أنفسهم عن شعوبهم - بطبقة من
العمال الظالمين الغاشمين وبعنصرية عربية قومية ظالمة .. لقد فتحوا كثيرا من
الأراضي ، لكنهم فشلوا في أن يفتحوا القلوب ... والعقول !!
من العقد الفريد لابن عبد ربه
مَرّ بِشرْ بن المُعتمر
بإبراهيم بن جِبلة بن مَخْرمة السَّكوني الخَطيب وهو يعَلِّم فِتْيانهم الخَطابة
فوقف بِشرٌ يستمع فظنّ إبراهيم أنه إنما وَقف ليَسْتفيد أو يكون رجلاً من
النظّارة.
فقال بشر: اضربوا عمّا قال
صفْحاً واطووا عنه كَشْحاً ، ثم دفع إليهم صَحيفة من تَنْميقه وتَحْبيره فيها:
خُذْ من نفسك ساعة نشاطك
وفراغ بالك وإجابتها إياك ، فإنّ قليل تلك الساعة أكرمُ جوهراً وأشرفُ حَسباً ،
وأحسن في الأسماع ، وأَحْلى في الصُّدور ، وأسلم من فاحش الخَطأ ، وأجلبُ لكُلّ
عين وغُرّة من لفظ شريف ومَعنى بديع .
واعلم أنّ ذلك أَجدى عليك مما
يُعطِيك يومُك الأطْول بالكدّ والمُطاولة والمُجاهدة بالتّكليف والمُعاودة .
ومهما أَخطأك لم يُخطئك أن
يكون مقبولاً قصداً وخَفيفاً على اللسان سَهْلاً كما خَرج من يَنبوعه ونَجم من
مَعدنه . وإياك والتوعّرَ فإن التوعّر يُسلمك إلى التَّعقيد والتّعقيد هو الذي
يَسْتهلك مَعانيك ويَشين ألفاظَك.
ومَن أراد معنًى كريماً
فَلْيَلْتمس له لفظاً كريماً ، فإن حق المعنى الشريف : اللفظ الشريف .
ومن حقهما أن تَصونهما عما
يُفسدهما ويهجِّنهما وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالاًَ منك قبل أن تَلتمس
إظهارهما وتَرتهن نفسك بمُلابستهما وقضاء حقهما.
وكن في ثلاث منازل: وإن
أَوْلَى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عَذْباً وفخَماً سهلاً ويكون معناك ظاهراً
مكشوفاً وقريباً معروفاً إمّا عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت وإمّا عند العامة إن
كنت للعامة أردت والمعنى ليس يشرف بأن يكون من مَعاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بأن
يكون من مَعاني العامة وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المَنفعة مع مُوافقة
الحال وما يَجب لكل مَقام من المقال وكذلك اللفظ العاميّ والخاصيّ فإن أمكنك أن تبلغ
من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولُطف مَداخلك واقتدارك على نفسك على أن تُفْهم العامة
معاني الخاصة وتَكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تَلطف عن الدهماء ولا تَجفو عن
الأكفاء فأنت البليغُ التام.
فقال له إبراهيم بن جبلة:
جُعلت فداك أنا أحوجُ إلى تعلّمي هذا الكلام من هؤلاء الغِلْمة.
الشهيد / عبد الله عزام
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي
بعده ، وبعد:
ففي ليلة
الخامس من ذي الحجة وفي تلك الخيمة المتواضعة على ضفاف نهر سرخاب من ولاية لوكر ،
حيث الماء كاللجين ، وعلى شاطيء الوادي بساتين التوت والمشمش تحيل المكان إلى قطعة
ساحرة من الجمال الأخاذ والروعة الباهرة التي تأخذ بالألباب.
في هذه الليلة وبعد يوم حافل بقصف الطائرات الذي
استمر من بعد صلاة الفجر حتى المساء جرى ذكر الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى-
فتنبهت أننا في شهر أغسطس ، الشهر الذي استشهد فيه وأنه قد مضى عشرون عاما على شهادته ، فكان لا بد من الكتابة عنه
ولو شذرات وأسطرا وذلك رمزا للوفاء وعنوانا للمودة والإخاء.
لقد بدأت أقارن بين تلك الأيام التي كان يكتب
فيها سيد من وراء القضبان للجيل ، حيث كتب الله لي أن أعيش تلك الأيام التي أرخى
الليل فيها سدوله على المنطقة وادلهم ظلامها ، وضاقت الأرض بما رحبت على الدعاة ،
وخلا الجو للشيطان الرجيم يذرع الأرض شرقا
وغربا .
أذكر تلك الأيام -لا أعادها الله علينا- ولا
أذكر أني رأيت فيها فتاة واحدة من المتعلمات محجبة في بلدي ، وعندما كنا نرى فتاة
تلبس جوارب تحت لباس المدرسة الذي يكاد يصل ركبتها نعجب بأخلاقها ونتحدث بآدابها.
كان في جامعة القاهرة التي تعد فيها الفتيات
حوالي خمسين ألفا ، فتاة واحدة
ملتزمة اللباس الشرعي وهي ابنة شقيقة سيد قطب -رحمه الله تعالىـ.
أذكر أن مظاهرة خرجت في عام (1967 ) قبل
الإحتلال اليهودي بثلاثة أشهر في المدينة التي أنا منها -جنين/فلسطين- تعبر عن
سخطها على اليهود وتندد بالظالمين وتهتف بحب عبد الناصر ، فلم تجد تعبيرا صادقا عن سخطها أوضح ولا أقوى من أن تدخل دار الدعوة الإسلامية وتمزق
المصاحف والتفاسير وتلقيها في شوارع المدينة!! ولا زال منظر أوراق المصاحف يهز
الأوصال بتذكرها0
ولم يفسح الأجل للأستاذ سيد أن يرى الثمار
المباركة التى أثمرها الله عزوجل من غراس قلمه المبارك0
لم ير الصحوة الإسلامية ولا رجوع الجيل إلى الله
ولكنها الكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وددت يوم سمعت الحكم عليه بالإعدام أن أفتديه
بنفسي وأمي وأبي ، وأذكر أني كتبت برقية لعبد الناصر أقول فيها: (الدعوة لن تموت
والشهداء خالدون والتاريخ لا يرحم (
كنت أظن أن شهادته ستحدث فراغا في المنطقة ولكن ؛والله يعلم وأنتم لا
تعلمون« ما كنت أظن أنه سيحصل هذا الدوي الهائل بشهادته ، وأن أفكاره ستعم المنطقة
، بل العالم الإسلامي كله فتحيا بها الأجيال..
ميزات سيد قطب:
لقد تميزت كتابات سيد قطب بمميزات كثيرة أفردتها
من بين الكتابات المعاصرة وجعلتها فذ ة مشرقة ، وعلى رأس هذه المميزات التي: ميزته
وميزت كتاباته:
1- نفاذ البصيرة وعمق النظر:
وذلك راجع
أولا وقبل كل شئ إلى الإخلاص الذي
تلمحه من خلال عباراته -كما نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا - ،
والإخلاص يورث الفراسة اتقوا فراسة
المؤمن فإنه ينظر بنور الله (1). 1-
أخرجه البخاري في التاريخ و الترمذي عن أبي سعيد الخدري وهو في ضعيف الجامع الصغير
برقم (127 )
وأما عمق النظر فهذا يدركه كل من قرأ (المستقبل
لهذا الدين) الذي صدر في الوقت الذي خيم فيه الظلام على المنطقة ، ولم تعد ترى
فيها بصيصا من نور في هذا الليل البهيم
، وكثيرا ما كان يردد: (ستهب في
المرحلة القادمة على المنطقة رياح من الإسلام الأمريكي!?) وقد كان!.
ولقد رأيت هذه الملامح على تفكير أخيه الأستاذ
محمد قطب -حفظه الله- ، فكثيرا ما
كان يحدث بأمور يتوقعها كنت أحسبها أيامها ضربا من الخيال أو إغراقا
في الأوهام ، ثم رأيتها واضحة جلية في واقع الأرض..
2- سعة الأفق:
وهذا راجع إلى عاملين:
أولهما: الإطلاع على المخطط العالمي لضرب
الإسلام.
ثانيهما: سعة ثقافته واطلاعه على الثقافة
الإنسانية.
أما اطلاعه على المخطط العالمي لضرب الإسلام
ممثلا بالحركة الإسلامية ، فلقد كان
مبعوثا لوزارة المعارف المصرية إلى
أمريكا في الوقت الذي لم يكن يعرف فيه حقيقة الإسلام بعد ، ولم يلتزم بعد بتعاليمه
، فيقول عن نفسه وهو في طريقه إلى أمريكا: (كنت أحد ستة نفر من المنتسبين للإسلام
في باخرة تشق عباب الأطلسي ميممة شطر أمريكا) وفي أمريكا جرت له حادثتان كانتا
سببا لدخوله في الحركة الإسلامية
(كما حدثني بذلك أحد أرحامه):
أولهما: -كما يحدث هو- كنت في (31) شباط ( 1949
) مستلقيا على أحد أسرة مستشفى في
أمريكا فرأيت رقصا صاخبا وموسيقى وأنوارا ورأيت الإبتسامات تعلو الوجوه ، والفرح
يغمر المستشفى فقلت: أي عيد هذا الذي تحتفلون به قالوا: اليوم قتل عدو النصرانية
في الشرق ، اليوم قتل حسن البنا.
قال: فهزتني هذه الكلمة من أعماقي.
ثانيهما: إن السفارات العالمية كانت تتسابق على
اصطياد الشباب المسلم ، وسيد كصحفي معروف كان أحد هؤلاء الذين تدور حولهم العيون
ليكون صيدا سهلا وفريسة مستساغة لصائده ، فدعاه مدير
الإستخبارات في السفارة البريطانية في واشنطن إلى بيته.
قال سيد: فعندما دخلت بيته كم أذهلني مفاجأة أني
رأيت عنده كتاب (العدالة الاجتماعية) ، ولم يكن قد وصل أمريكا إلا نسخة واحدة
أرسلها لي أخي محمد ، إذ أنه قد أشرف على طباعة الكتاب في غيابي ، وبدأ الحديث عن
الشرق ومصر وتوقعات المراقبين بأن الوريث للحكم الملكي القائم هو أحد اثنين: إما
الشيوعيون وإما الإخوان المسلمون ، والمرجح أنهم الإخوان ، ثم بدأ يفتح لي
ملفا خاصا بالإخوان فيه من التفصيلات والجزئيات مما
يدق على أبناء مصر أنفسهم حتى المختصين ، ثم قال: إذا وصلت جماعة الإخوان إلى
الحكم فإنها ستحرم مصر من ثمار الحضارة الغربية ، ثم قال أخيرا : نحن نهيب بأمثالك
من المثقفين أن يحولوا بين الإخوان وبين الوصول إلى الحكم ، لأن وصولهم هو نهاية
مصر المؤسفة الأليمة!? قال سيد: وفي بيت مدير الإستخبارات البريطاني في واشنطن
قررت أن أدخل جماعة الإخوان فور عودتي ، لأنه لا يمكن لجماعة تكيد لها الدوائر
العالمية هذا الكيد أو تخطط ضدها هذا التخطيط إلا أن تكون الجماعة على الحق.
لقد دخل سيد جماعة الإخوان ، وقد عرف بنفسه
الكيد الهائل ضد الإسلام والكراهية العميقة التي لايمكن للغرب أن يخفيها.
- وأما سعة ثقافته: فيقول عن نفسه (1): 1- معالم
في الطريق للشهيد ص( 143 ) : إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة ، كان عمله الأول فيها
هو القراءة والإطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية... ما هو من تخصصه وما هو من
هواياته.. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره: فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ضئيلا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم -وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك-
وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره ، فإنما عرف الجاهلية على
حقيقتها.. وعلى انحرافها وضآلتها وقزامتها وعلى جعجعتها وانتفاشها وع ل م غرورها
وادعاءها وع ل م علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في
التلقي).
3- الجــديـــة:
لقد كان سيد
جادا في جاهليته وإسلامه فلم يكن
يهادن ولا يداهن ، لقد كان واضحا
كالشمس في رابعة النهار مستقيما
كحد السيف ، ومن هنا أخرج مجلة كان صاحب الإمتياز فيها الميناوي ، فخرج
منها ثلاثة أعداد كلها صودرت ثم أغلقت ، ولقد أرسل الملك من يغتاله ولكن الله نجاه
من اليد الأثيمة..
لقد كان دائما يردد: (أنا لا أستطيع أن أعيش
بنصف قلب نصفه لله ونصفه للدنيا) (1). 1- نقلا عن الثقات.
وكان يقول: إن اصبع السبابة التي تشهد لله
بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفا
واحدا تقر به حكم طاغية ،
حدثت شقيقته حميدة أثر خروجها من السجن -وأنا أسمع- قالت: جاءني مدير السجن الحربي
حمزة البسيوني يوم (82) أغسطس (6691م) وأطلعني على قرار الإعدام الموقع من عبد
الناصر بإعدام سيد قطب ثم قال: إن إعدام الأستاذ سيد خسارة للعالم الإسلامي
والعالم أجمع وأمامنا فرصة أخيرة لإنقاذ الأستاذ من حبل المشنقة ، وهي أن يعتذر
على التلفاز فيخفف عنه حكم الإعدام ثم يخرج بعد ستة أشهر من السجن بعفو صحي ، هيا
فاذهبي إليه لعلنا ننقذه.
قالت حميدة: فتوجهت إليه لأبلغه الخبر فقلت له:
إنهم يقولون إن اعتذرت فسيعفون عنك.
فربت سيد على كتفي قائلا : عن أي شئ أعتذر يا
حميدة!! عن العمل مع الله?! والله لو عملت مع أي جهة غير الله لاعتذرت ، ولكني لن أعتذر عن العمل
مع الله.
ثم قال: اطمئني يا حميدة إن كان العمر قد انتهى
فسينفذ حكم الإعدام ، وإن لم يكن العمر قد انتهى فلن ينفذ حكم الإعدام ولن يغني
الإعتذار شيئا في تقديم الأجل أو
تأخيره.
أية طمأنينة ، وأية ثقة هذه التي يتمتع بها هذا
القلب الكبير.. أية راحة وأية سكينة هذه التي يسكبها الله على الفؤاد وعلى النفس
المؤمنة. ، ومن علامة جد يته: أنه استقال من وزارة المعارف في اللحظة التي قرر
فيها دخول الحركة الإسلامية.
4- الإحتياط والورع والهيبة أمام النصوص القرآنية:
ويبد