التهديد الأمريكي لألمانيا
لا غرو أن
غضب الإدارة الأمريكية على موقف المستشار الألماني من الحرب الأمريكية على العراق
جامح وقاس ومتوقع. وإدراك كنه هذا الغضب فرع من فهم العقلية المتحكمة في الإدارة
الأمريكية عموما، ومن النزوة الجارفة المتحكمة في سلوكها لخوض غمار الحرب، أية
حرب. وهذه العقلية قد أبدعت التعبير عن نفسها في استراتيجية الأمن القومي التي
قدمها الرئيس الأمريكي إلى الكونغرس. فهي أعلنت بلا مواربة أن ليس لقوتها مثيل،
وأنها لن تدع أحدا يعمل حتى يكون نظيرا. ومثل هذا الاعتقاد لا يولد إلا استهانة
بالآخرين ولا يستسيغ منهم إلا الإذعان. لكن الحنق على ألمانيا له أسباب إضافية.
فأمريكا كما يقول ريتشارد بيرل المستشار اليهودي الصهيوني لوزير الدفاع كان لها
الفضل في ( تحرير ألمانيا من النازية)، وهي عبارة مهذبة لا أدري كيف فلتت منه تكني
عن هزيمة ألمانيا على يد أمريكا. فهو تذكير للألمان بأنهم دولة مهزومة لا صوت لها
إلا بمقدار ما يسمح السيد المنتصر. كما أن الموقف الألماني قد زعزع سياسة الإدارة
في شن الحرب على العراق، ليس من حيث اعتبار رأي ألمانيا ، أو من حيث اعتبار تأثيره
على الرأي العام الدولي فحسب، لكن وهو الأهم من حيث أن موقف ألمانيا كحليف أساسي
لأمريكا، كان وقودا مخصبا للنقاش
الدائر حول الحرب ضد العراق داخل الولايات المتحدة. فساهم في إضعاف موقف الإدارة
تجاه خصومها.
فالإدارة
الأمريكية لا زالت ترغي و تزبد غضبا على الموقف الألماني، وآخر مظاهره تصريحات
ريتشارد بيرل لجريدة هاندلز بلات التي قال فيها أنه كان ( من الأفضل لو استقال
المستشار الألماني )، لأنه في نظره أن المستشار الألماني شرويدر( رمى بالأفضال
الأمريكية على ألمانيا من النافذة)
بمعارضته القوية للحرب. وهذا التصريح قد يعبر عن الغضب الأمريكي، غير أنه
يشي أيضا بشيء أخر أكثر أهمية. إذ يرشح منه معيار واحد يجمع بين الرئيس العراقي
والمستشار الألماني. فكلاهما أغضبا الولايات المتحدة لأسباب مختلفة، فعقوبتهما
التواري من الحياة السياسية. فليس لدى رجال الإدارة الأمريكية فرق بين البلدان من
حيث الحجم والأهمية أو من حيث العداوة والصداقة، وإنما يكمن الفرق في مدى الانصياع
للطلبات الأمريكية، والإذعان لسياساتها. فهذه الإدارة ترى أن مسوغات إعطاء مساحة
من الحرية للبلدان كي تبتعد عن الرأي الأمريكي قد زالت بزوال الحرب الباردة، ولم
يعد من داع لأساليب تأليف القلوب التي كانت إحدى سمات ذلك العهد.
وتصريحات
بيرل ليست إلا امتدادا تفصيليا لتصرفات وزير الدفاع الأمريكي في اجتماع وزراء حلف
الناتو في وارسو في شهر أيلول ( سبتمبر) الأخير. فقد رفض الاجتماع بنظيره
الألماني، وانسحب قبل أن يلقي الأخير خطابه في حفل عشاء، ثم أعقب ذلك بتصريح خال
من اللباقة حينما سئل عن توقعاته من الألمان قائلا ( إذا كنت في حفرة فلا تمضي في
الحفر ). وقد تعجب البعض من الإسراف الأمريكي في غضبها من حليف كل ذنبه أنه مارس
مبدأ تزعم أمريكا أن حملاتها العسكرية والسياسية ضد البلدان من أجل أن تغرسه في
ترابها. غير أن العجب يزداد حينما نعلم أن السلوك الألماني ليس إلا تعبيرا عن
نتائج جهود عقود من التلقين الأمريكي للألمان كي يصبحوا أقل نزعة في إطلاق العنان
لطموحاتهم في الهيمنة واللجوء إلى الحرب من أجل إنجازها. وكما علق البعض بدل أن
يبتهج الأمريكان بنجاحهم في تحقيق هذا الميل الساحق لدى الألمان ضد الحروب يعاقبون
حكومتهم لأنها حاولت استغلال هذه المشاعر لمصالح انتخابية. إلا أن الإدارة ترى أن
هذه التوجه الألماني في الوقت الذي أحبط مساعيهم لبناء تحالف يدعم مسعاها، فإنه
يكشف عن توجهات ألمانية استقلالية. إذ لا يخفى أن ألمانيا سعت وبخاصة في عهد
شرويدر كي تنفلت من وضعها كدولة كبرى بدون أنياب إلى حال تقوي فيه وضعها وانتشارها
العسكري تدريجيا في العالم كما حصل في البلقان وفي الكويت وأفغانستان.
ومع أن
هاجس الانتخابات كان محركا أساسيا لموقف شرويدر في قضية الحرب ضد العراق، إلا أن
الألمان كان يدفعهم كنخبة هاجس آخر، ذلك هو المنحى الأمريكي نحو التفرد وتحويل
البلدان جميعا إلى أدوات وليس شركاء. وكانوا أيضا يدركون أن قدرتهم على القيادة في
أوروبا تفرض عليهم أن لا يبدو كأحد دولها الصغيرة لا حول لها ولا قوة. فقد اجتمعت
عوامل مختلفة لدى الألمان حثتهم إلى موقفهم المتميز. ولم يختلف موقف مرشح الحزب
الديمقراطي المسيحي كثيرا من حيث رفض مبدأ التفرد وإن جاءت صياغته مغلفة
بالاعتدال. فالحزبان لا يختلفان على قيادة أمريكا للعالم إلا في شكل عرضهما
لرؤيتهما وفي بعض الجزئيات وهما يتفقان على أن هذه القيادة مناطها العمل الجماعي
من خلال القانون الدولي الذي هو حصاد الجهد الأوروبي عبر عدة قرون، ومن خلال
المؤسسات الدولية التي هي ثمرة التعاون الأمريكي الأوروبي. هذا ما يقلقهما، أن
جهودا متواصلة لبناء مجتمع عالمي على قدر مصالحهما المشتركة تريد أن تطيح بها
الولايات المتحدة وتشيد بديلا لها على قدر مصالحها هي.
وقد أدركت
الحكومة الألمانية حجم الغضب الأمريكي، وبدأت بعد الانتخابات بذل الجهد للتخفيف من وقع ما صدر عن المستشار الألماني،
واسترضاء الإدارة الأمريكية. فقد زار شرويدر بلير في لندن ليكون وسيطا له لدى
الإدارة الأمريكية. كما أن وزير الدفاع الألماني أعلن في اجتماع حلف الناتو الأخير
في وارسو بأن ألمانيا ستكون مستعدة ابتداء من كانون الثاني المقبل للمشاركة مع
هولندا في حمل أعباء مسؤولية قوات الحماية الدولية في أفغانستان. وهذا من أجل
تخفيف العبء عن القوات الأمريكية حتى تتفرغ لحربها ضد العراق. ولا يرضي هذا التودد
الإدارة الأمريكية. فابتداء قال فلايشر الناطق الصحفي باسم البيت الأبيض ( لا يجوز
لأحد أن يتوهم أو يظن خطأ أنه الآن بعد أن انتهت الانتخابات( الألمانية)، فإن
الأمور ستعود إلى سيرتها السابقة). كما أن مسؤولا أمريكيا صرح لجريدة النيويورك
تايمز أن أمام الحكومة الألمانية ( الكثير من العمل كي تصلح ما أفسده ( شرويدر)
بتصريحاته المفرطة خلال الانتخابات). فما هو الكثير؟ أقصاه أن يعتذر شرويدر عن
موقفه بالقول أنه ضل الطريق وأن موقفه ضد الحرب كان خاطئا. وهذا ما لا يستطيعه، إذ
في هذه الحالة ليس له إلا أن يستقيل كما طلب بيرل. ودون ذلك لن يرضي الإدارة
الأمريكية، فقد أفسد الموقف الألماني خطتها. والمسؤولون الأمريكيون لا يهتمون في
العادة بالمبالغات والتشنيعات خلال الانتخابات، فهم يمارسونها. غير أن الموضوع
الألماني مختلف لأنه مس جوهر الاستراتيجية الأمريكية.
ويبقى
سؤالان كيف ستعاقب أمريكا ألمانيا؟ وماذا تريد أن تجني من معاقبتها؟ أما كيف
ستعاقب أمريكا ألمانيا فقد صرح به بيرل، وهمست بغيره أصوات أمريكية مختلفة.
والمسألة لا تتعلق بالشكليات مثل ما
حصل من وزير الدفاع الأمريكي من تصرفات صبيانية في اجتماع حلف الناتو،
وإنما تتصل بالمصالح الجوهرية لألمانيا. ففي رأي ريتشارد بيرل فإن نكران الجميل الأمريكي سيجهض
محاولاتها للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن لفترة من الوقت تعادل عمر( جيل
واحد). كما أن التلميح مستمر إلى
منع ألمانيا من أن تواصل سعيها كي تعظم دورها العسكري في أوروبا وفي
العالم. ولا يمكن استبعاد إثارة مشاكل مختلفة للحكومة الحالية، فحقد الصقور
الأمريكان ليست له شواطئ يرسي عندها. فأمريكا ترمي في نفس الوقت الذي تؤدب فيه
ألمانيا إلى تقديم عظة للدول الأخرى. فهي تدرك أن نجاحها في إذلال الحكومة
الألمانية سيجعل البلدان الأخرى أكثر حرصا على النجاة من النقمة الأمريكية، إما
بعدم معاداة وانتقاد سياساتها أو بالهرع لتأييدها ومجاراتها. ومع ذلك يكمن في
الهراوة الغليظة التي تتحلى بها الولايات المتحدة نقيضها الذي يولد المقاومة، وهو
ما أخذت إرهاصاته بالبروز.
* الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية
إلى واشنطن