مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية يوسف والى

 

الحلقة الثالثة

مقدمة:

الحلقة الأولي من المذكرات

 

الحلقة الثانية من المذكرات

 

 

هذه اليوميات .. ربما تدخل تحت باب المواد الخفيفة .. و ربما تدخل تحت عنوان الأدب و الخواطر .. و لكنها تكتسب أهميتها الآن فى ان صاحبها و زملاءه قد دخلوا السجن لأنهم نشروا ما تنشره الصحف الآن ضد يوسف والى و وزارة الزراعة !! و هذه المذكرات اضافة لما يكتب عن عالم السجون.. فالسجون اعتبرت هى السلاح الأمضى للقضاء على الرأى الآخر.. و المعارضة الشعبية .. و المجاهدون يحاولون أن يقنعوا الناس ألا يهابوا السجون .. و ألا تكون السجون - رغم كراهتها - عائقا دون ان نقول الحق أينما كنا لا نخشى لومة لائم ..

لكل هذه الأسباب وافقت على نشر هذه اليوميات ، التى لم أكتبها فى الأصل الا للتسرية عن نفسى فى زنزانة انفرادية ، و كوسيلة للتحدث مع نفسى ، بالاضافة الى ان الأجزاء السابقة التى نشرت لاقت استحسانا من جمهور عريض من قرائى .. و لذلك فاننى أنشرها أيضا حسب مايقال عادة - دون ان توجد وسيلة للتأكد من صدق ذلك - "بناء على طلب الجمهور" !!

و القسم الأول من هذه المذكرات تم كتابته بعد استقرارى فى زنزانة انفرادية أى بعد مرور قرابة أسبوعين على بداية الحبس .. أما القسم الثانى .. فسيكتب يوما بيوم ..

 

                                  ************

 

جحافل من قوات الأمن تحاصر البيت و تقبض علينا

الليلة الأولى فى تخشيبة الخليفة .. و أول معركة مع الصراصير التمساحى

عصام حنفى سعيد بالفيلا .. و بديوى يخطب فى جماهير المساجين

و السهرة الأولى مع القرآن الكريم و ابن سيرين و حسنين هيكل!

 

السبت أول ابريل 2000 : 

كنت قد تلقيت اتصالا هاتفيا أمس الجمعة من الزميل عصام حنفى و اتفقنا أن يأتى الى فى الصباح المبكر حتى نذهب الى السجن سويا من بيتى .. حتى لا تزعج بناته الصغيرات من لحظة القبض .. و هكذا جاء عصام فى الصباح المبكر حوالى الثامنة أو التاسعة صباحا و حرمنى من الاستمتاع بالنوم الطويل لآخر مرة فى بيتى .. و لكنها كانت حقا صحبة طيبة و قد جاء مع شقيقيه .. و منهما أحمد حسن رسام الكاريكاتير و خبير السجون فى قضايا الاخوان .. و كان عصام قد تعرض لمراقبة مكثفة منذ حوالى أسبوع لان له سابقة هروب من الحكم الماضى .. و قد جاء الى بموكب بوليسى مروع انضم الى القوات المتزايدة المعسكرة حول منزلى منذ ليلة أمس .. و أصبح شارع الروضة ثكنة عسكرية و لكن بملابس مدنية .. و أخذنا نتجاذب أطراف الحديث و أنا أقوم بمحاولة يائسة لانهاء ترتيب أوراقى .. بينما تخلت نجلاء (زوجتى) عن عنادها .. و بدأت فى تحضير الملابس الزرقاء .. و احتياجات السجن الأساسية .. بخبرتها المعهودة ..و أعدت لنا افطارا شهيا .. و صلينا الظهر جماعة .. و بدأت الهواتف تدق بجنون .. الهاتف العادى .. و الهواتف المحمولة .. نبأ الحكم (بالحبس سنتين و غرامة 20 ألف جنيه لكل منا و الإكتفاء بالغرامة لعادل حسين ) .. ثم مكالمات من ممثلى الصحف العربية و وكالات الأنباء العالمية .. و كانت تصريحاتى تتركز حول نقاط محددة : الرثاء لحال القضاء المصرى العظيم .. الذى اخترقته السلطة التنفيذية و أهانته .. و مهزلة حبسنا دون التحقيق فى الجرائم العظمى التى ارتكبها يوسف والى .. كذلك تلقيت مكالمات من أقارب و أصدقاء و زملاء صحفيين يرثون لحالى و حال الأمة .. و كان طلعت رميح فى حالة حزن دفين و غضب شديد .. و أخذت أرتجل معه بعض الاقتراحات السريعة بخصوص ما يتوجب عمله قانونيا و صحفيا وسياسيا .. و بينما كنت أتحدث مع الزميلة منى سالم مراسلة وكالة الأنباء الفرنسية وصل الباشوات و لكن لدهشتى وجدت البسطة و سلالم البيت قد امتلأت بالضباط و المخبرين و لم أعد أفرق بين الصنفين فى الملابس المدنية لأن المخبرين لا يقلون أناقة وشياكة عن الضباط (من أين لهم الموارد؟! ) و لم أستطع أن أحصيهم .. هم لا يقلون عن عشرين.. و ربما ارتفع عددهم الى ثلاثين أو أربعين .. و لكننى صرخت فيهم أننى لن أسمح لكل هذا العدد بدخول البيت .. إلا واحد أو اثنين .. دخل ثلاثة و أغلقت الباب و لم أسألهم عن الأوراق و لكن صحت فيهم : لماذا كل هذا التجمهر ؟! هل لديهم معلومات أننا أناس يقاومون السلطات ؟! و أدخلتهم غرفة الكتب مع عصام و شقيقيه و استكملت بعض المكالمات الهاتفية و ودعت زوجتى .. و أخذنا حقائب السجن و المرتبة القطن .. و هى أهم ما يعنينى بسبب آلام العمود الفقرى .. و عندما نزلت الى الشارع وجدت مظاهرة كبرى من عشرات الضباط و المخبرين تسد الأفق .. (دولة فاضية صحيح ) و ركبنا سيارة ملاكى .. ولاحظت أن أحد العاملين ببقالة الأخوان الثلاثة أسفل عمارتنا ينظر الى .. فابتسمت له و حييته .. و لكنه لم يقو على الابتسام و كان كمن يكتم عبراته .. و سار الركب الذى لم أعرف أوله من آخره الى مديرية أمن القاهرة ، و كان فتحى سائقى الخاص يتابعنا بالسيارة التى تحمل أهم شئ (المرتبة) .. و اتصلت بطلعت رميح بالمحمول و قلت له ان القضية الأساسية الآن .. هى عدم الحيلولة بينى و بين فتحى .. لان معه الحقائب و المرتبة .. و فى مديرية الأمن ذهبنا لمكتب ما فى الدور الثالث .. و تفضلوا علينا بكوبين شاى .. ثم سرعان ما تم نقلنا الى سجن ترحيلات الخليفة .. و هناك تخليت عن المحمول و أخذنا أمتعتنا كاملة من فتحى و لم يعد يشغلنى شئ بعد ذلك .. و أدخلونا فى البداية الى الحجز الرئيسى .. فاذا به مكتظ ب 100 أو 150 سجين فى غرفة واحدة .. معبأة بالدخان .. و كنت مرهقا و لا يشغلنى الا أن أسند رأسى على أى حائط .. و أغمض عينى .. إلا ان قلقى جاء من كثافة الدخان خاصة و ان عصام حنفى يعانى من حساسية فى الصدر .. و لم تمض دقائق حتى جاء الصول ليسأل عن راحتنا فقلت له ان هذا المكان غير آدمى و غير صحى .. و أعلم أن لديكم زنازين صغيرة .. و قال ان هذا غير ممكن الآن حتى يأتى المأمور .. و أوصى "أنبوبة" علينا و أنبوبة سجين قديم و يبدو انه مسير العنبر .. و قال له أحرص على أشيائهم من "التقليب" و هم أمانة فى عنقك يا أمبوبة .. و حمدت الله .. أن أنبوبة سيهتم بأمرنا فقد بدا بالفعل انه شخصية مهمة .. و بعد دقائق أخرى جاء الرائد .. و كانت الساعة الخامسة و النصف و قال انه يمكن أن تنتقلوا الى مكان آخر الساعة السابعة .. و قلت له : ان بامكانه وفقا للتعليمات أن يفعل ما يريد .. و لكن عليه أن يتحمل ردود فعلى التى سيرى أنها غير متوقعة ..

و بعد دقائق أخرى تم نقلنا الى زنزانة منفردة .. و بمجرد أن أغلقت وجدت عصام فى منتهى السعادة .. و يكاد يصفق بيده و يقول .. [ هذا مكان رائع .. لقد أمضيت من قبل ليلتين فى هذه الزنزانة فى الحبسة الماضية. و هذه الفيلا التى حدثتك عنها!] .. و أصابنى العجب و قلت : يا خبر أسود ياولاد هل يوجد شخص يحب السجن أكثر منى ؟!! و قلت له ماهذه السعادة الغامرة ياخويا .. طب يالا ننظم أمورنا و نفرش الفرشة .. و قام عصام بخبرته فى هذه الزنزانة .. بشن حملته الأولى على الصراصير الغليظة ذات الأحجام التمساحى!! كان معنا دواء ضد الصراصير .. و لدينا ماء و حمام خاص .. و حقائبنا بها أكل و كتب و ملابس و راديو .. فماذا ينقصنا ؟! عندها قلت عندك حق يا عصام المكان هنا رائع هيا بنا نمدد و نقرأ .. و بعد قليل جاءتنا ساندويتشات من الأسرة .. و أكلنا حتى الثمالة .. و بدأنا رحلة الاسترخاء .. بعد عدة ساعات .. كنا نسمع من بعيد صوتا ليس غريبا علينا .. و قلت له أن هذا صوت صلاح بديوى .. و لكن لماذا لا ينقلوه معنا ؟! قال : هل قبضوا عليه بهذه السرعة ؟! ألم نسمع انه لجأ الى سفارة ألمانيا .. قلت له لا أعتقد انه سيفعل ذلك ، بل لقد أكدت عليه ألا يفعل ..

و بعد قليل سمعنا صوت تصفيق .. قلت لعصام : يبدو ان العنبر الرئيسى يسلى نفسه بحفلة رقص و غنى .

و بعد قليل دخل صلاح بديوى عريس الهنا ببدلة كاملة و كرافتة . بينما نحن نلبس ملابس زرقاء .. و كان فى معنويات مرتفعة .. ثم اكتشفنا ان التصفيق الذى سمعناه لم يكن حفلة رقص و غنى بل كانت جماهير العنبر الرئيسى تصفق لصلاح بديوى بعد أن ألقى فيهم خطبة عصماء .. شعرت بالندم على ترك العنبر الرئيسى .. فقد كانت فرصة للعمل الجماهيرى .. لم يضيع منها بديوى لحظة واحدة ..

و أخيرا اجتمعت صحبة الأنس بعد انقطاع أربعة شهور .. و روى لنا بديوى قصة القبض عليه فى بيت جمال عبد الرحيم .. و كيف غموا عينيه .. و كان عصام قد شاهد بالفعل شخصا معصوب العينين من خلال قضبان الزنزانة و لم يكن يتصور انه صلاح بديوى .. و قد اعتبرت هذه الحركة الوقحة نذير شؤم و أننا سنرى أياما مقبلة أسود من قرن الخروب .. و لكننى لم أضيع وقتا و بدأت فى تخشيبة الخليفة مشوار القراءة و الاطلاع ..

فى أجازة العيد الأخيرة كنا فى الأسكندرية بعد الفيوم .. و حيثما ذهبنا فى الأسواق تذهب زوجتى الى  شراء التحف .. و أذهب أنا لأقسام الكتب .. ولا شعوريا ( أو شعوريا) بدأت فى شراء كتب السجن القادم .. فاشتريت فى واحة عمر كتاب ابن سيرين فى تفسير الأحلام .. و هو أحد مستلزمات معتادى السجون .. و فى سوبر ماركت بالأسكندرية اشتريت كتاب هيكل الأخير الذى يجمع مقالاته فى مجلة وجهة نظر .. و كنت لم أقرأ منها أى مقال لضيق الوقت .. رغم أن هيكل ألح على فى آخر لقاء لنا أن أقرأ مقاله الأخير عن سوريا و كان موجودا بالكتاب .. و كان الكتابان معى ضمن مجموعة أخرى فى تخشيبة الخليفة .. و بدأت فيهما معا .. و لكنى وجدت أن كتاب ابن سيرين أشبه بالجدول أى يمكن الرجوع اليه بعد مشاهدة كل حلم على حدة !! للبحث عن تصنيفه .. و الحقيقة اننى لم أقرأ الكتاب كله حتى الآن و لا أستطيع أن أدلى فيه برأى .. و ركزت على كتاب هيكل .. ما الذى ينقصنى : أنا مرتاح على مرتبة و معى مخدة و بطانية .. و المصحف معى بطبيعة الحال .. و فى هذه الحالة أشعر اننى أمتلكت العالم .. و نسيت يوسف والى و تخشيبة الخليفة .. و سبحت مع هيكل و أحاديثه عن حسين و الحسن و القذافى و سوريا و كوسوفا و غيرها .. و كتب هيكل لابد أن تقرأ .. و هى نموذج فى كتابة الكاتب الصحفى .. و لكن الخلافات معه ثابتة لا تريم  .

فهو فى فصل القذافى يبدو متفقا معنا تماما فى علاقة مصر بالعروبة و الاسلام .. و لكنه فجعنى فى مقال (حروب البلقان : البوسنة و الهرسك و كوسوفا ) من الناحية الفكرية .. و اختلفت معه فى مقال سوريا من الناحية السياسية .. أما مذكراته الشخصية عن لندن فقد كشفت لى جانبا لم أكن مهتما به من قبل فى هيكل .. فقد لاحظت ان علاقته بلندن و الغرب علاقة حميمة للغاية .. من حيث الصداقات الشخصية العميقة.. و رغم أى ملاحظات فقد ظلت قراءة كتاب لهيكل فى تخشيبة الخليفة أشبه بطبق ألمظية فى وسط صحراء قاحلة !

و بعد قراءة أول جزء من القرآن الكريم ذهبت أنحط فى نوم عميق !

                               ***************

(البقية العدد القادم ان شاء الله )

 

الحلقة الأولي من المذكرات

 

الحلقة الثانية من المذكرات