طــارق عــزيز: لـن نقاتل المعتدين في
الأرض المكشوفة.. لدينا مدن ومدننا هي الغابات
هذا الحوار الخاص مع الأستاذ طارق عزيز، نائب
رئيس مجلس الوزراء العراقي، عضو مجلس قيادة الثورة، وسابقا وزير الخارجية لمدة
طويلة تم في مبنى رئاسة الوزراء في بغداد يوم 29 أيلول/ سبتمبر 2002 ، وغطى محاور
متنوعة: من المنطق العراقي في القبول بعودة المفتشين الدوليين دون قيد أو شرط، إلى
الاستراتيجية العسكرية العراقية في المواجهة المقبلة مع أمريكا، إلى ملف أبو نضال،
إلى الموقف من السلطة الفلسطينية وياسر عرفات.
} الأستاذ طارق عزيز، قرار إعادة المفتشين
كان قراراً لا ينسجم مع مصلحة العراق ومصلحة العرب، بمعنى أنّه كان من الواضح أنّ
المفتشين منهم من اعترف أنه عميل، وكان يتآمر مع الصهاينة والأمريكيين، وهناك
أرشيف صحفي في هذا المجال. كما أنّ العراق كان يطلب أن تُربط عودة المفتشين برفع
الحصار وبتسوية ما (لكل وضع) أسلحة الدمار الشامل في المنطقة. بالرغم من ذلك،
وجدناكم قد وافقتم على قرار عودة المفتشين.
طبعا هذا حدث بعد أيام معدودة من تغيير بعض
الدول العربيّة لموقفها وقولها أنها مستعدة أن تشارك بالعدوان لأن «ليس لديها خيار
آخر» أو ما شابه. هل تعتقدون أنّ قبولكم بالقرار سيؤدي إلى لجم العدوان أو أن هكذا
قرار سيؤدّي إلى عدم اعتداء الولايات المتحدة وبريطانيا والصهاينة على العراق؟ أم
أنه تأجيل للعدوان وكسب للوقت وكشف للأوراق أكثر، حتى بالنسبة للذين يدّعون أنّ
العراق كان لديه أسلحة دمار شامل؟
- نحن ليس لدينا أوهام حول نوايا الإمبريالية
الأمريكية والصهيونية، كحركة عالمية وككيان في الأرض المحتلة. ليس لدينا أوهام.
ولكن، في أيّة معركة تخوضها، لابدّ أن تتخذ الخطوات التي تقلل من عدد الأعداء
أولاً، وتساعدك على أن تكسب أصدقاء. نحن حلّلنا الموقف تحليلا عميقا.
التأييد للعدوان الأمريكي في العالم وفي
المنطقة محدود جداً. ليس هنالك طرف عربيّ أو أجنبيّ، عدا الكيان الصهيوني، وعدا
الحكومة البريطانية، مشخّصة في بلير ومجموعته، (عدا هؤلاء) لا أحد يريد هذا العمل
العدوانيّ العسكريّ على العراق. الكل يخشون النتائج التي ستترتب عليه.
} خاصة وأنهم يطرحون علنا مسألة إعادة رسم
خرائط المنطقة.
- نعم، بالضبط. لذلك، نحن قلنا إننا إذا
اتخذنا هذه الخطوة، فإننا سنقوّي موقف الذين لا يريدون العدوان، ويجعلنا في وضع
سياسيّ مريح...مريح. إننا نتخلص من الضغوط، لأنّ الضغوط بدأت تأتينا من كل حدب
وصوب: نحن نعرف أنّ هذا القرار قد لا يوقف الحرب أو يوقف العدوان. نعرف ذلك. ومع
ذلك أخذنا هذا القرار. ولكن الآن نستطيع أن نقول أنه في حالة حصول العدوان، سيكون
الموقف السياسي المعادي للعدوان أقوى مما لو حصل دون اتخاذنا قراراً كهذا.
هناك ضعفاء بسهولة يلقون اللوم على العراق.
يقولون: «العراق متعصّب... العراق متشدد... لا يسمع النصيحة... الخ...». وهذا
الموقف يأتيهم ذريعة للتنصل من واجباتهم، سواء كانوا عرباً أم أجانب. نحن لدينا
أصدقاء أجانب من المفترض أن يتحملوا مسؤولياتهم، القانونية أولاً، وفق القانون
الدوليّ، ويتحملوا مسؤولياتهم إزاء بلد كان صديقاً لهم، مثل روسيا. فيأتي الضعيف
في روسيا ويقول: «نحن نصحنا العراقيين ولكنهم كانوا معاندين. لم يتصرفوا بالحكمة
المطلوبة، وبالتالي، نسكت عن العدوان». هذه خسارة، أما العدوان فمن المحتمل أن
يقع. وإذا لم يقع، فلصمود العراق أولاً، لشعور المعتدي بأنّ مغامرته ستكون باهظة
التكاليف. وأنا أقول لك، تحليلي الشخصي أنّ العدوان مقرّر منذ زمن، ولكنّهم يؤجلون
ساعة الصفر، إذا صحّ التعبير، لأنهم كلما تعمّقوا في دراسة الحالة العراقية، كلما
وجدوا مصاعب أكثر أمامهم، ويحاولون أن يعالجوا هذه المصاعب، ولكنّهم لا يحققون
نجاحاً.
سأعطيك مثالا جوهرياً: جورج بوش ربط العدوان
على العراق بتغيير النظام. ولكنهم، عندما يبحثون عن كيفية تغيير النظام، يكتشفون
أنّ هذا الهدف إما مستحيل، أو على أقل تقدير باهظ التكاليف، ومعقّد جداً وغير مقنع
لمن يشترك معهم. حتى البريطانيين، وأنا لا أقتنع بما يقولونه، ولكنهم يقولون إننا
استطعنا الآن أن نقنع بوش بأنّ العمل العسكريّ ضدّ العراق يجب أن لا يكون شعاره
تغيير النظام. وهذا يأتي، باعتقادي وتصوّري، لأنّ البريطانيين أكثر معرفة بالوقائع
والحقائق من هذه الإدارة الغبية في أمريكا. هي عدوانية، ولكنها في الوقت نفسه هي
إدارة غبية، ولا تعرف الحقائق، سواء في العراق أو في الوطن العربيّ.
هذه هي الأسباب التي جعلتنا نأخذ هذا القرار.
في الوقت نفسه، نحن سنسعى لأن نوضّح موقفنا يوميا للعالم. عندما سيأتي المفتشون،
سيقومون بأنشطة، ربما سيقومون بأنشطة سيئة...
} هذا أكيد...
- لكننا سنفضحها. ليس بمذكرات إلى مجلس
الأمن، كما كنا نفعل في السابق، وإنما سنكشفها أمام الرأي العام العربيّ والدوليّ.
وهناك الكثير الآن من المهتمين الذين سيراقبون الموقف بشكل دقيق جداً.
} هل تعتقد أنّ هذه الإجراءات (عودة
المفتشين) حتى لو أجّلت العدوان، في النهاية، ستنهي الصدام؟
- لا، أنا قلت لك، نحن ليس لدينا أوهام. ولكن
في أي معركة تخوضها يمكن أن تقدّم بعض التنازلات غير الجوهرية من أجل كسب موقف
سياسيّ. عودة المفتشين إلى العراق لن تزعزع نظامنا. لن تؤدي إلى تخلينا عن كل
الاستعدادات اللازمة لمواجهة العدوان عندما يقع. ولكنها ستعطينا فرصة سياسية أفضل
من الوضع الذي كنا عليه قبل اتخاذنا هذا القرار.
نحن ليس لدينا أوهام، وأنا تحدثت أنّ الهدف
(الأمريكي في المنطقة) هو سايكس-بيكو جديد، بدءاً في العراق، وانتهاء بدول أخرى،
ومنها الأردنّ، ومنها السعودية، ودول أخرى في المنطقة. والمعادلة، حتى مع سايكس-بيكو
(القديم)، التي اشتغلت لمصلحة الكيان الصهيونيّ والإمبريالية على مدى القرن
الماضي، لم تعد اليوم تشتغل لمصلحة الهدف الإمبرياليّ والوجود الصهيونيّ في
فلسطين. لقد أصبحت تشكل نوعا من الخطر، رغم ضعف الأنظمة المحيطة ب «إسرائيل»
والأنظمة التي عقدت اتفاقيات مع «إسرائيل». رغم حالة الضعف فيها، هذه الحالة أصبحت
تشكّل خطراً. فاليوم مثلاً، عدد العرب الذين يحملون شهادات عليا أكثر من عدد سكان
«إسرائيل»، ولا يحمل كل سكان «إسرائيل» شهادات عليا هذا تحوّل نوعيّ. صمود العراق
وصمود المقاومة الفلسطينية، الانتفاضة الفلسطينية، أوجد تحوّلاً نوعياً سياسياً
ونفسياً لم يكن موجوداً في السابق. الآن، المواطن العربيّ يثق ثقة عميقة بأنّ
مقاومة الإمبريالية والصهيونية ممكنة، وأنها لن تؤدي إلى فنائه نعم، هناك تضحيات
وشهداء، ولكنّ هذا لن يؤدي إلى فناء الأمة.
} ما دمنا متفقين على مبدأ أنّ الإمبريالية
والصهيونية لها مصالح استراتيجية تقتضي القيام بالعدوان، بغضّ النظر عن التوقيت،
فإنّ هذا يطرح مسألة استعداد العراق للضربة. ما أريد أن أقوله هو أنّ خوض مواجهة
تقليدية مع قوى متفوقة تكنولوجياً ونووياً وعسكرياً قد لا يمثل الطريقة الأنسب
لخوض مواجهة في هذه الحالة. يعني، هناك من يشير إلى تجربة جنوب لبنان ومخيم جنين
مؤخراً، وغيرها، للتأكيد على مبدأ أنّ خوض المعارك مع قوة متفوقة تقليدياً يكون
باستخدام وسائل غير تقليدية، مثل حرب العصابات والعمليات الاستشهادية. فما هو
تعليقك على ذلك؟
- نحن سنقاتل داخل بلادنا، ولن نقاتل
المعتدين في الأرض المكشوفة. أحدهم قال إنّ الفيتناميين كان لديهم غابات، فقلت نحن
لدينا مدن، ومدننا هي الغابات.
} غابات إسمنتية Jungles of Concrete؟!
- تماماً، ونحن أعلنا هذا، حتى السيد الرئيس
صدام حسين قال نحن سنقاتلهم في المدن، هم هدفهم تغيير النظام، لا يستطيعون أن
يغيّروا النظام بـ«الريموت كونترول»، ولا بالصواريخ والطائرات. نعم يستطيعون أن
يوقعوا خسائر في الأبنية والمنشآت، ولكن، لا يستطيعون أن يزعزعوا النظام بالطائرات
والصواريخ.
إذن، لا بدّ، إذا أرادوا فعلاً أن يحققوا
هدفهم، وهدفهم الكامل هو تقسيم المنطقة والسيطرة على النفط، لا بدّ أن يحتلّوا
الأرض. عند ذلك، ستبرز نقاط القوة عندنا، ونقاط الضعف عندهم.
} موضوع آخر يتعلّق بالوضع الفلسطينيّ.
يُروّج في بعض الأوساط بأنّ ما حدث لأبي نضال كان محاولة من العراق للتخلص من آثار
أو أشياء يمكن أن تدينه. ما هو ردك على الادعاءات هذه؟
ردّي أولاً أنه لم يكن هناك تركيز من قِبَل
القوى التي تهدد العراق على شخص أبي نضال، أنت تعرف، التركيز الآن هو على
المناضلين في فلسطين. أبو نضال كان في وقت من الأوقات اسمه يتردد كناشط في الحركة
الفلسطينية، ولكن انتهى أبو نضال، وفي عملية الصراع العربيّ-الصهيونيّ، لم يعد له
دور منذ أكثر من عشرين عام. إذاً، هو لم يكن قضية، ولم يكن هناك طلباً من أمريكا
يقول: إما أن تسلّموا أبا نضال أو أن نضربكم. كلا. لم يكن هذا هو الوضع. أبو نضال
أبعد من العراق عام 1983، بقرار من القيادة، لأنه بدأ يشتط، ونحن واجهناه. وأنا من
الذين واجهوه. قلت له: أنت الآن تقتل من تكرهه، حتى ولو كان وطنياً، وحتى لو كان
فلسطينيا.
} وكان ردّه على ذلك أنه اتهمك شخصياً ببعض
القضايا.
اتهمني أنا شخصيا، وأنا واجهته، بتوجيه من
القيادة، بالحقائق. نحن ساندنا كل القوى الفلسطينية، ولا نزال نساندها. ولكن كنا
دائما ننصحها ونصرّ على المحافظة على وحدة الشعب الفلسطينيّ وعلى وحدة المنظمات
الفلسطينية. لم نشجع انشقاقاً واحداً في أيّة حركة فلسطينية، أما أن تقتل أفراداً،
لمجرّد أنك غاضب منهم ومختلف شخصياً معهم، هذا ما لا نرضاه. الشيء الآخر هو أننا
كنا في حالة حرب مع إيران. أبو نضال قام بعمليات في بلدان كانت صديقة لنا في أثناء
الحرب، وهذا خرق لمنطق الأخوّة والعمل المشترك ودون مسوّغ. فعندما يقوم بعملية في
فرنسا، فرنسا ليست عدوة له حتى يقوم بعملية في فرنسا تصيب فرنسيين ولا تصيب
الموساد. لذلك قلنا له: «يكفي، أخرج». رجع بشكل متخفّ. نحن فوجئنا بوجوده.
المخابرات الأردنية قالت لنا أنّ أبا نضال موجود في العراق، فقلنا لهم أنّ هذا غير
صحيح. ثمّ تبيّن أنه جاء إلى العراق بجواز سفر مزوّر واختفى. لم نقم بشيء. عرفنا
أنه موجود وقلنا له أهلاً وسهلاً كمواطن عربيّ أتيت للعيش هنا، فابق في بيتك ولا
تقم بأي نشاط يخلّ بأمن وسياسة البلد، ولكنه لا يستطيع، فقد أصبح لديه هوس obsession بالعمل الضار. يعني
وُجِدت في بيته كمية من المتفجرات وأجهزة وغيره، فلمن كل هذه المتفجرات؟ وضدّ من؟
إذا كنت تريد أن تقاتل الكيان الصهيونيّ، تفضل، هذه فلسطين مفتوحة، اذهب وقاتل
فيها. فإذن، صار سلوكه مهدداً للأمن الوطني والقومي دون أية غاية. الكفاح ليس
نظرية تشبه (نظرية) الفن للفن. الكفاح هو سياق لتحقيق هدف. إذا كان العمل المسلّح
والقتل والاغتيالات ليس لها هدف، فهذا عبث. لذلك، عندما لم يلتزم بتوجيهات
وتعليمات الأجهزة المختصّة، واستمرّ بتصرّفات هوجاء، قررنا إحالته إلى المحاكمة،
فانتحر. هذا هو ما حصل. والإمبريالية لم تشكرنا «لأننا خلصنا من أبي نضال»، لأنه
لم يكن يهددهم أصلاً.
} موقفكم واضح تجاه دولة العدو بالوجود،
بالرغم من ذلك، وعلى خلفية هذا الموقف السياسيّ، كيف يترجم هذا إلى دعم سياسيّ
للسلطة الفلسطينية؟ الجميع يقدّر موقف العراق في فلسطين على مستوى شعبي كما في
حالة مساعدة عائلات الاستشهاديين، ولكن على مستوى سياسيّ، كيف نوازن بين رفض
التسوية (وبين) التنسيق مع قوى تسووية؟ ألا يحتاج هذا إلى تفسير؟
- هنا، لا بدّ أن نكون دقيقين، وأن نتعامل مع
هذا الموضوع بالريشة الدقيقة، وليس بالقلم العريض. نحن لم نعترف بالسلطة
الفلسطينية رسمياً، ولم نتعامل معها كسلطة، ولكن نحن أبقينا صلاتنا مع ياسر عرفات
بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس دولة فلسطين المعلنة في الجزائر،
وكزعيم لحركة فتح فقط. أيّ وزير في السلطة الفلسطينية استقبلناه، اعتبرناه ممثلاً
لمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس للسلطة. هذا من ناحية الشكل. من ناحية الموضوع،
نحن لم نقدّم أيّ دعم للسلطة الفلسطينية، ولكنا استمرينا بدعم المؤسسات
الفلسطينية، وهي ليست رسمية تماماً. في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى المساعدات
التي قدّمناها إلى الشعب الفلسطينيّ مباشرة والمعروفة، صارت هناك حاجة ماسة
(للمساعدات) من قِبَل بعض أطراف السلطة. قالوا لنا: ليس لدينا رواتب، فأعطيناهم
بعض المبالغ. قالوا إنّ لديهم عجزاً كبيراً جداً في ميزانية التعليم، فقدّمنا لهم
مساعدة لميزانية التعليم، لحدّ الآن. في مناسبة أخرى، قال وزير الإسكان الفلسطينيّ
أننا (العراق) ندفع مبالغ للذين هدّمت بيوتهم، ولكنّ وزارة الإسكان الفلسطينية
ستقوم أيضا بإعادة بناء بعض مساكن عدد من الفلسطينيين، فتعاونّا معهم. وهذا هو
الأمر.