(الخيار) الإستراتيجي و(البطيخ) العرب تيجي
مع
اجتياح جحافل التتار أرض العرب تساقط الحكام وعم الخراب ووصل حال الأمة أن كان
الجندي من التتار يقابل العربي الأعزل في الشارع فيقول له: قف يا عربي حتى أذهب
وأحضر سيفي وأقتلك, ويذهب الجندي ويحضر سيفه ويعود فيجد العربي واقفا منتظرا
عودته, فيقتله التتري.
هكذا
كان حال الأمة في مواجهة هولاكو وجنكيز خان... فكيف إذا حالها في مواجهة بوش
وشارون... وأي الحالين أسوء!؟
الأمر
لا يحتاج إلي عميق بحث فحالنا الآن أسوأ مئات المرات من حالنا في الهجمة الأولي!!!
ولنأخذ
من مصر نموذجا في الحالتين, في الحالة الأولي كان يحكم مصر المماليك ورغم كونهم
(عبيد) إلا أنهم استمدوا مشروعيتهم من كونهم حراسا وحماة علي الأمن الجماعي
للجماعة في مواجهة الخطر الخارجي... فكيف تصرفوا؟؟؟
انعقد
ما يمكن تسميته مجلس الأمن القومي لا ليناقش مبادرة المملوك (فلان) لرفع الراية
البيضاء أمام التتار علي وعد من التتار بالتصدق علينا بجزء من حقنا الذي
اغتصبوه... لكن اجتمعوا لتعبئة الأمة لمواجهة التتار حيث كانت الأمة رغم الهزيمة
ما زالت مجتمعة علي خيار الجهاد والصمود, وكانت مشكلة المجتمعين هي توفير ميزانية
الحرب واقترح المجتمعون فرض ضرائب جديدة لتمويل الحملة... وهذا شئ طبيعي لدولة
تتعرض للاجتياح الخارجي... وهذا هو اجتهاد السلاطين ومستشاريهم للأمن القومي, وتم
إصدار أوامر الجباية, وهنا هب الإمام الأكبر (الشيخ العز بن عبد السلام) لا
ليستقبل حاخامات هولاكو ولا ليشكك في مشروعية الاستشهاد في سبيل الله ولا لإباحة
الربا ولا لإباحة الخمور ولا لتخذيل الناس عن الجهاد بل هب ليقول للسلطان أنا في
مقدمة الصفوف لكن لا أوافق علي فرض ضرائب جديدة... وقدم الإمام الأكبر الحل السحري
لتوفير ميزانية للحرب وكانت ببساطة شديدة هي بيع الحكام في سوق الرقيق كونهم أصلا
رقيق اشتراه الشعب بأمواله, وقد قام الإمام الأكبر بنفسه بعرض المماليك للبيع ومن
عائد البيع قاد قطز الجيوش لمحاربة التتار... وكان النصر.
بمعني
آخر في الحالة الأولي انكسرت الجيوش لكن كانت الأمة ما زالت بخير, وكانت منظومة
(العز بن عبد السلام- قطز) هي التي أعادت الأمور إلي نصابها- وكان النصر.
أما
في حالتنا هذه الآن فالصورة مختلفة تماما, فقد تم تدمير الآلية التي كانت تفرز
أمثال قطز والعز بن عبد السلام (منظومة العلماء والأمراء) ففي جانب العلماء تم
تدمير المجامع العلمية في مصر وتونس والمغرب ولنأخذ مصر علي سبيل المثال ففي فترة
شهر العسل بين ثورة يوليو والأمريكان كانت الوصفات الأمريكية الجاهزة والتي تم
تنفيذها هي الاستيلاء علي الأوقاف كمنظومة فريدة لتحقيق استقلال العلماء والمؤسسة
الدينية عن السلطة, وتلاها إلغاء القضاء الشرعي كآخر حصن لسيادة الشريعة... ثم
كانت الطامة بقانون تدمير (تطوير) الأزهر الذي أجهز علي البقية الباقية من استقلال
العلماء بإلغاء هيئة كبار العلماء التي كانت تختار شيخ الجامع الأزهر... ومنذ هذا
التاريخ وأصبح شيخ الأزهر يتم اختياره بواسطة أجهزة الأمن (التي هي بحكم تشكيلها
ومهمتها معادية للإسلام) ولولا هذه الآلية لما وصل إلي مشيخة الأزهر من يحرّم
الاستشهاد ويبيح كافة الكبائر.
والحال
لا يختلف في تونس والمغرب, أما في السعودية فبعد ثورة الأمام ابن عبد الوهاب تم
اختزال الثورة التي كان هدفها المتفق علية بين الشيخ وبين آل سعود إعادة فتح
العالم الإسلامي تم اختزالها إلي استيلاء آل سعود علي كامل الجزيرة العربية مع
بداية القرن العشرين, ومنذ هذا التاريخ لم يعد هناك ما يمكن تسميته علماء وحتى
بداية السبعينيات حيث تغير كل شئ بسبب ثورة أسعار البترول وتم تسويق ما يمكن وصفه
بالإسلام الأمريكي متخذا من السعودية منطلقا وبدأنا نسمع عن الشيخ (فلان) أعلم
علماء الأرض... حتى جاءت حرب تدمير العراق وانكشف المستور, فإذا بأعلم علماء الأرض
يتصدر الداعين لاستقدام اليهود والنصارى لإعادة احتلال الجزيرة العربية ومن تمرد
من العلماء كان السجن في انتظاره والصورة ما زالت في انحدار فها هو شيخ الأزهر
ومفتي السعودية يتفقان علي محاربة ملائكة الشهادة في فلسطين.
أما
جانب الأمراء فلا يقل هوانا عما رأينا في العلماء:
فعقب
الحرب العالمية الثانية وخروج الولايات المتحدة المنتصر الوحيد بدأت ترتيب العالم
وكان للمنطقة العربية نصيب الأسد فأخذت في ترتيب خروج القوات الإنجليزية والفرنسية
المحتلة للبلدان العربية (بعد أن اتخذت فرنسا وإنجلترا قرارا بالانسحاب من
مستعمراتهما) وكانت معالم الترتيب الأمريكية كالآتي:
-
تأكيد التحالف بين أمريكا والأسرة السعودية.
- محاولة
احتواء الثورة المصرية حتى وصل رجلهم (السادات) إلي الحكم, ويعتبر هذا أكبر اختراق
للنظام العربي ليس لأن باقي الحكام أفضل من السادات لكن لكونه رئيسا لمصر العمود
الفقري للنظام العربي علي مر العصور ورغم موت السادات فمازال يحكم من القبر.
- في الأردن
بعد مقتل عبد الله الأول جيء بالشاب حسين ليتولى العرش بعد استبعاد أبيه طلال
واتهامه بالجنون لأنه لم يكن بالمواصفات الأمريكية.
- في الخليج
بعد قرار بريطانيا بترك مستعمراتها علي شاطئه الغربي تم إنشاء هذه الدويلات الكاريكاتورية
بدلا من انضمام الكويت إلي العراق وانضمام باقي الدويلات إلي السعودية وكان اختيار
الأسر الحاكمة حسب المواصفات الأمريكية.
- في المغرب
تم ترتيب وصول الحسن الثاني وإزاحة أبية محمد الخامس حسب المواصفات الأمريكية.
- في الجزائر
واليمن الجنوبي بدلا من تسليم السلطة للمجاهدين تم تخطيهم وتسليم السلطة
للعلمانيين حسب المواصفات الأمريكية.
- وأخيرا تم
اختراع الجمهوريات الوراثية لأن النظام الملكي بحكم المسئولية العائلية يضمن
للأمريكان عدم كشف خيانة الآباء بعد موتهم أو تنحيهم.
ولذلك جاءت الجمهوريات الوراثية لتؤدي نفس الغرض وتم التدشين في سوريا وجاري
الإعداد في مصر وليبيا واليمن والعراق.
وحيث
أن أمريكا هي قائدة المشروع الصليبي الصهيوني المعادي بطبعه للمشروع الحضاري
العربي الإسلامي فإن الرهان علي الحكام العرب الحاليين هو نوع من الجنون لأنهم
جميعا وبلا استثناء جاءوا بمواصفات أمريكية حيث تم ترتيب الأوضاع الداخلية في كل
بلد عربي ليصبح ولاء هؤلاء الحكام ومصلحتهم الشخصية مع المعسكر الأمريكي وضد مصالح
شعوبهم وأمتهم ولعل موقفهم الحالي مما يدور في فلسطين هو خير دليل علي ما نقول.
فيا
الله يا من حذرت المسلمين "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا
أمثالكم" يا الله إنّا نشهد ونشهدك أن الحكام العرب تولوا وانضموا إلي أعدائك
فاستبدلهم يا رب بقوم تحبهم ويحبونك أذلة علينا أعزة علي أعدائك.... إنك نعم
المولي ونعم النصير.