هل صحيح أن الدول
العربية المطبعة..لا تستطيع أن
تقطع علاقاتها
الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني؟
بقلم : م. علي حتر
الحكومات في الدول
العربية لا تصدق مع شعوبها، وهي كلها تعتبر شعوبها دون النضج الذي يسمح لهذه
الشعوب بالمشاركة في القرار..
وحول موضوع المعاهدات
مع العدو الصهيوني، تحاول الحكومات هذه الأيام، أن تدفع بعض الإعلاميين، ليبرروا
مواقفها التي لا ترتقي إلى المستوى المطلوب للتضامن مع الانتفاضة، ويوحون للشارع
العربي أن قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني غير ممكن لعدة أسباب منها
(كما يقولون):
> أن قطع
العلاقات الدبلوماسية هو بمثابة إعلان الحرب، مما سيدفع شارون ربما إلى دك العواصم
العربية.. ومن يدري ربما بالرؤوس النووية!! في محاولة من هذه الحكومات أن تبث
الخوف والذعر في قلب المواطن العربي الذي يطالب بدعم الأهل تحت الاحتلال والدفاع
عنهم.. عساه يرضى بموقفها المتخاذل.. (وحسب رأينا موقفها المتواطئ) وكان رد الشارع
العربي واضحا في رفض الخوف، وبقي موقف الحكام نفسه..
> وفي مجالات
أخرى، فإن بعض حكام الدول العربية (ولا أقول الحكام العرب حسب رأي أحد الأصدقاء،
لأن ما يحصل خلق شكوكا في عروبة معظمهم)، يدعون أن الهدف من إبقاء العلاقات مع
العدو هو إبقاء قنوات الاتصال للتخفيف عن أهلنا من عنف الضربة.
> أو يحاولون
القول إن الهدف من إبقاء العلاقات هو التمكن من توصيل الأغذية والأدوية والأكفان
لهؤلاء الأهل.. (لا يقولون السلاح طبعا مهما كان خفيفا).
وقد قرأنا خلال
الهجمة الشارونية حول هذا الموضوع لأكثر من كاتب (مدفوع للكتابة).. مقالات يبرر
فيها كاتبوها تمسك الأردن ومصر بمعاهدتي كامب ديفيد ووادي عربة، بشكل خاص، وتمسك
باقي المطبعين، بتطبيعهم مع العدو، مثل موريتانيا والمغرب وقطر، رغم كل ما يدور في
الساحة الفلسطينية التي يدعون البكاء عليها..
(1) هل المعاهدات
أصلا قانونية؟
قبل الإجابة على
السؤال، عنوان المقال، لا بد من الإجابة على السؤال التالي:
هل معاهدات وادي
عربة وكامب دافيد، كما هي عليه، معاهدات صالحة ومقبولة في مفاهيم وروح ونصوص ومواد
القانون الدولي واتفاقيات فيينا 1969؟
> إننا نؤكد، انه
اعتمادا على مرجعية القانون الدولي ومواثيق فيينا، تتوفر في المعاهدتين (ومعهما
اتفاق أوسلو) أسباب كثيرة تكفي لاعتبارها جميعا لاغية أصلا.. فمواثيق فيينا
والقوانين الدولية معا، فيها شروط للمعاهدات لا تقوم بدونها.. وبالرجوع إلى المادة
28 والمواد 51 و52 و53 و61 و62 من اتفاقية فيينا 1969 وغيرها من مواد القانون
الدولي، فإننا نرى مجموعة من هذه الشروط ومنها على سبيل المثال:
> أن هذه
القوانين تعتبر لاغية أية اتفاقيات او معاهدات فيها إذعان ورضوخ للقوة!! ونحن نعلم
أن معاهدتي وادي عربة وكامب دافيد، واتفاق اوسلو، هي أفضل أمثلة على معاهدات
الإذعان. والإذعان كما نعلم يعني التوقيع تحت أي نوع من أنواع الضغوط، مع التنازل
عن كثير من الحقوق..
> وأفضل برهان
على الخوف والخضوع، هو ما يبديه الآن الطرفان الضعيفان العربيان من خوف من التراجع
عن المعاهدتين والتخلي عن التزاماتهما واستحقاقاتهما!! ويلتزمان بكل كلمة وكل
تلميحة حتى ولو خفية بين السطور.. رغم أن الطرف الصهيوني لا يلتزم بأي شرط من شروط
المعاهدتين، إلا ما يفيده هو..
> وتنص القوانين
على عودة الأحوال إلى ما قبل حالة الحرب، دون احتلال المزيد من الأرض ودون خلق
ظروف جديدة أو مكاسب من الحرب، وحالة الحرب (الرسمية) عندنا بدأت عام 1948. فهل
عاد شيء إلى ما كانت عليه الأحوال عام 1948، بل حتى إلى ما كانت عليه عام 1967؟
ألم تكن غزة مع مصر فضاعت والضفة مع الأردن فاختفت؟ ألم ننس وللأبد أم الرشراش (ايلات)
وأجرنا تحت الضغط مزارعنا في الباقورة ووادي عربة؟ ألم تفقد سيناء السيادة المصرية
عليها؟ ألم نرضخ لشروط أمنية ومائية وعسكرية مختلفة؟
> كما تتكلم
معاهدة فيينا عن ديمومة المعاهدات، ولكن المواد المذكورة وغيرها، تعطي كثيرا من
المخارج التي تنقض أية معاهدة، في حالة تعارضها مع معاهدات دائمة سابقة لها مثل
معاهدات الدفاع العربي المشترك والتي هي دائمة أيضا.. غير قابلة للنقض مثلا
> كما أن هذه
المعاهدات تتعارض مع كل المواقف الشعبية، التي تطالب يوميا بإلغائها، ومررت في
المجالس النيابية بطرق المناورة وجهزت لها المجالس تجهيزا خاصا، لتمريرها، ثم
حوصرت هذه المجالس بكل الطرق بعد التوقيع على قوانين المعاهدة..
(2) هل يمكن إلغاء
المعاهدات حتى لو كانت صالحة؟
والنقطة الثانية
التي سنعالجها هنا، هي أننا إذا افترضنا صلاحية المعاهدتين المشؤومتين (واوسلو
معهما)، فهل يمكن إلغاؤها وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني؟
تنص القوانين
الدولية بوضوح على عدة حالات يمكن فيها إلغاء المعاهدات الدولية، ومنها الحالات
التالية:
> أن يكون هناك
في المعاهدة نفسها نص يجيز ذلك
> أن تكون معاهدة
محدودة المدة..
> أن تسمح طبيعة
المعاهدة بإلغائها..
> أن تتعارض مع
معاهدة أخرى سابقة لها..
> أن تتكون ظروف
لا تسمح بالاستمرار فيها..
> إخلال الطرف
المقابل بالتزاماته وإنتاجه ظروفا لا تسمح بالاستمرار
ويستند الضعفاء
العرب على اول نقطتين فقط من هذه النقاط عندما يدعون أنهم لا يستطيعون إلغاء
المعاهدات وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني!! ويضيفون أن قطع هذه
العلاقات يعني إعلان الحرب التي هم غير مستعدين لها ولا قادرين على خوضها مع هذا
الكيان..ويتناسون حقيقة ان بقية النقاط تعطيهم كل مبرر لنسف المعاهدات من طرف
واحد.
(3) الواقع يبرهن عكس
ما يقولون!!
ونحن نقول هنا أن ما
يقولونه هو محض ادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأنه ذو هدف واحد فقط، هو تغطية
التواطؤ وتبرير التخلي عن الأهل في الجبهة الفلسطينية المشتعلة!! أي إنها محاولة
مكشوفة، الغرض منها إخفاء حقيقة التخلي العربي الرسمي عن الانتفاضة.
وهناك كثير من
الأسباب لدحض ما تقول الحكومات العربية:
> بالنسبة لموضوع
الخوف والقوة والضعف، مثلا: إذا افترضنا أن الطرف الأردني الرسمي ضعيف، فإن الطرف
المصري ليس ضعيفا إلى هذه الدرجة الكبيرة، وعلينا هنا أن نقول للحكومة المصرية، إن
هذه المعاهدات (كامب دافيد ووادي عربة واوسلو) تلغي معاهدات عربية بينية سبقتها
مثل اتفاقيات الدفاع المشترك العربية، ومواثيق الجامعة العربية، والتي لا تحوي
نصوصا تجعلها مؤقتة ولا قابلة للإلغاء!! وبالتالي تعتبر ذات اولوية على المعاهدتين
المشؤومتين (في الكامب والوادي)!! فلماذا يحسب حساب معاهدتي وادي عربة وكامب ديفيد
ولا يحسب أي حساب لمعاهدات الجامعة العربية ومواثيقها؟
> ولماذا لا
تطالب الدول العربية المطبعة في مثل هذه الحالة بحل الجامعة العربية ما دامت
ملتزمة بمعاهدة تتعارض مع مواثيقها..
> وبالنسبة لنفس
الموضوع، لماذا لم تخف حكومة مصر عندما أصرت على عودة فندق صغير على البحر الأحمر
لأنه أرض مصرية، (فندق طابا)، ولم تقبل التنازل عن حبة تراب واحدة منه، ولم تخف
يومها من أن ينسف كل شيء، هل هو الموقف الإقليمي؟ ألم تظهر قوة مصر في ذلك الموقف؟
نعم ظهرت.. وصفقنا لها.. وإذا كانت مصر قوية، فلماذا يخاف الآخرون الذين يقولون
إنها القائد، ما دامت هناك اتفاقات دفاع مشترك؟
> وفي مسألة
الخوف ذاتها، أليس معيبا لبعض الدول العربية، الاستمرار بالحديث عن الخوف بعد
بطولات جنين نابلس؟ وبعد تدخل لبنان الصغير وابطال المقاومة اللبنانية لتخفيف
الضغط عن الأهل؟
> وفي ظل انشغال
الدبابات الصهيونية في الداخل، هل هناك مبرر واحد لعدم التدخل، غير مبرر التواطؤ؟
(4) الأسباب الأخرى
أما بالنسبة للأسباب
الأخرى التي يدعون أنهم من أجلها يريدون للمعاهدات أن تستمر، مثل إبقاء قنوات
الاتصال، أو التمكن من إرسال المساعدات فإننا نعرف تماما، أنه ما من حكومة عربية
تقدم، كما تزعم، أي ضغط من الضغوط التي تتناسب مع قنوات الاتصال المزعومة، حتى
الأن، للتأثير على موقف الكيان الصهيوني الهمجي، أو على الموقف الأمريكي الداعم
له!!
بل إن التباطؤ في
تصرف الحكومات العربية وصمتها الفعلي، يبدو وكأنه إيحاء لشارون ليسرع بالقضاء
ميدانيا على أكبر قدر ممكن من العناصر الفاعلة في الانتفاضة.. بتصفيتها جسديا..
أضف إلى ذلك، أن الحكومات المتعاهدة والمطبعة، تقوم هي وأجهزتها الأمنية وقوى قمع
الشغب فيها (البديلة لجيوشها
بعد التصالح)،
بالإضافة إلى صمتها عما يجري، بتحجيم ولجم القوى المؤيدة للانتفاضة، وتقوم بمنع
هذه القوى من إعلان مواقفها في الشارع العربي، بطريقة أكثر عنفا نسبيا حتى من طرق
شارون في بعض الأحيان.. وما نراه في الشارع العربي فعليا يؤكد ذلك.
وفي الحقيقة اننا
نرى أن أفراد قوى قمع الشغب في الشوارع العربية يمارسون عمليات القمع وتفريق
المظاهرات بلذة وسادية تجعلنا نعتقد أن حقدهم على أبناء شعبهم ناتج عن تربية
وتعبئة خاصة لا يمكن أن تكون وليدة الساعة، حتى كأنهم يرون كل ضربة يسقطونها على
ظهر إحدى المتظاهرات في الجامعات وقرب الجوامع، وكأنها حلم العمر وانتصارا على
الأعداء..
وفي حين يقصف شارون
كنيسة المهد، ومقر عرفات، أعلنت الحكومات العربية من السفارات الصهيونية أماكن
أكثر حرمة من الكنائس والجوامع في فلسطين.. ومن مقر عرفات.. فحظرت على شعوبها مجرد
التجول في مناطق السفارات..
(5) وضوح التواطؤ
الرسمي للحكومات العربية
الأمور تتفاقم..
والدماء تسيل.. والأصوات الرسمية العربية موزعة كما يلي:
> حكومات صامتة
وكأنها غير معنية بما يحدث.. وهي كثيرة.
> حكومات تعلن
وبوضوح تام أنه لا أعداء لها.. رغم أن مسؤوليها يعلنون يوميا أنهم مشغولون بالهم
الفلسطيني وأنهم يجرون كل الاتصالات اللازمة لدعم الأشقاء، (ونحن نرجو الفشل لمثل
هذا النوع من الاتصالات التي يجريها مثل هذا النوع من المسؤولين لأنها حتما لن تصب
في مصلحة المقاوم الفلسطيني أو الانتفاضة)، وبعد الإعلان عن التضامن، يقومون
بالبحث عن أي احتمال لتهريب الأسلحة للانتفاضة، ويقدمون الأوسمة للشرطة الذين
يكتشفون سيارة تحمل بعض الأسلحة للانتفاضة، مع أن كل ذي عقل يدرك أن نجاح بعض
المهربين بمهمتهم لا يلقي تبعة على الدولة التي مروا من خلالها سرا، كما يصدرون
الأوامر لأدوات قمع الشغب أن تقمع كل من يعلن تأييده للانتفاضة
> حكومات يعلن
رئيسها من حين لآخر أنه يرجو من كل الأطراف ضبط النفس، ويعد بالقيام بالاتصالات،
ولكنه يعلن سلفا أنه لن يحارب يوما ما.. ويرسل أجهزة القمع إلى طلاب الجامعات
لمجرد تظاهرهم لتأييد الشعب الواقع تحت الهجمة الشارونية.. ولا يوقف الوقود الذي
يبيعه للكيان الصهيوني والذي تمتلئ منه دبابات الجيش الذي ينفذ حملات الإبادة
لشعبنا..
> حكومات تقرر
ويعلن وزير خارجيتها أن الأمة العربية عاجزة، وأنها لا تستطيع إلا التوسل من
أمريكا أن تتدخل لحماية الفلسطينيين، ولا يغلق حتى مجرد مكتب تجاري للعدو الصهيوني
في بلده الغني الذي ليس بحاجة أبدا لمثل هذا المكتب..
> حكومات يعلن
مسؤولوها أن مبادرة التطبيع التي أطلقوها ما زالت بخير رغم كل ما يحصل، وأنها الحل
الوحيد..
> حكومات تدعو
لقبول «إسرائيل» عضوا في الجامعة العربية
ماذا يعني كل هذا؟
إنه التواطؤ وإتاحة
الفرص لشارون ليجهز على ما تبقى من قدرة لدى هذا الشعب المناضل تحت الاحتلال..
ولكن معارك جنين كانت هي الرد.