جامعة الدول العربية من السيطرة البريطانية إلى الهيمنة الأمريكية

 

 

 

  تظل فكرة القومية و ما أتبعها من مؤسسات قامت على أساس هذه الفكرة إحدى الأدوات التي حاول بها أعداء الإسلام تذويب العقيدة في نفوس المسلمين ، و من أعجب العجب أن بريطانيا التي سعت إلى تمزيق العرب إلى كيانات صغيرة و رسمت الحدود بين هذه الكيانات و أطلقت عليها لفظ الدول تجئ بعد ذلك و تحاول جمعهم في كيان واحد و يتسائل المرء و يحتار لماذا هذا ؟ ما الذي دفع بريطانيا و جعلها حريصة على هذه الوحدة أو التجمع و هو ماجاء على لسان و زير خارجيتها كما سبق و ما الذي حمس أحد أعضاء البرلمان البريطاني ليناقش و يطالب بهذا التجمع العربي ؟

 

للإجابة على هذه الأسئلة يجب إلقاء الضوء في البداية على أهداف بريطانيا - و التي كان تقود العالم الغربي في ذلك الوقت -  عندما جاءت للمنطقة العربية و استراتيجيتها للوصول إلى هذه الأهداف

 

يقول اللورد كرومر أول حاكم بريطاني في مصر : إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية على رأس هذه البلاد هو تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح هي الأساس في العلاقات بين الناس و إن كان من الواجب منعا من إثارة الشكوك ألا يعمل على تنصيرالمسلمين و أن يرعى من منصبه الرسمي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي كالإحتفالات الدينية و ما شابه ذلك .

 

هكذا تحدد الهدف الإنجليزي بكل وضوح و هو اجتثاث الإسلام من نفوس الناس من قلوبهم وعقولهم و احلال قيم المسيحية بدلا منها و بالطبع يقصد قيم المسيحية المحرفة و كانت  الاستراتيجية البريطانية في ذلك الوقت slow but sure  كما يقول الأستاذ محمد قطب و تحددت مسارات الحرب هذه في المسار الفكري و الإعلامي و الإقتصادي و السياسي.

 

و تجلىالمسار السياسي البريطاني _ و تبعه بقية الدول الأوروبية كفرنسا و ايطاليا _ في تجزئة الدول الإسلامية و ايجاد الكيانات المصطنعة ثم تفتيت هذه الكيانات إلى جيوب أصغر وفي النهاية ايجاد بديل للهوية الإسلامية عبر احياء النزعات و الهويات الإقليمية والمحلية و التي كانت العقيدة الإسلامية قد صهرتها في قرون عديدة و ردت للناس فطرتهم التي فطرهم الله عليها .

 

فمنذ أربعة عشر قرنا لم تكن  ثمة حاجة لتعريف الحدود و تخطيطها بين الأقاليم و الأمصار في الدولة العربية الإسلامية إلا في تحديد مناطق الثغور التي كانت تفصل دار الإسلام عن دار الحرب و لم يكن لأي من الأقطار المجزئة الحالية أي تاريخ منفصل عن بعضها بل كانت مشتركة في الإعتقاد و التاريخ و العادات و كل شئ من مقومات الأمة .

 

كانت السلطة السياسية في بلاد الإسلام ممثلة في دولة الخلافة و بالرغم أن معظم خلفاء المسلمين كانوا عربا و من قريش كما حدد الشرع فإنه حين تولى العثمانيون الخلافة لم ينظر إليهم العرب نظرة التعصب و لم يتحزبوا و يتكتلوا ضدهم بدعوى القومية أو غيرها من العصبيات فقد تركوها لأنها منتنة كما أمرهم نبيهم صلى الله عليه و سلم .

 

و لكن منذ منتصف القرن التاسع عشر و حين تهاوت جيوش المسلمين أمام الهجمات و الحملات الصليبية الأخيرة نتيجة عوامل كثيرة أهمها اضمحلال العقيدة و مفاهيمها الصحيحة في النفوس و العقول بدأت الأفكار الأوروبية تتغلغل داخل المجتمعات الإسلامية على يد حفنة من المتغربين الذين تربوا و رضعوا من حثالة و وثنية أطروحاته ،كذلك حمل لواء الفكرة بعض النصارى في الشام و الذين وجدوا من الإحتلال البريطاني و الفرنسي فرصة لهم لكي ينقضوا على بنيان الخلافة و بذلك بدأ فكر القومية و الوطنية يتسلل تدريجيا إلى الشعوب الإسلامية و كان طرحه في البداية بأنه مكمل للفكرة الإسلامية و ليس مناوئا لها و لكن عندما بدأ يجد صدى لدى الكثير من المفكرين تغير الطرح و عاد حملته ليشنوا حربا لا هوادة على الإسلام كعقيدة وفكرة و أصبح الإسلام يقف كحجر عثرة في سبيل تحقيق الفكرة  القومية و احياء أمجاد العروبة !!!!!

 

 

وفي عام 1916 قامت ما يعرف باسم الثورة العربية و سارعت بريطانيا إلى الإتفاق مع العرب الذين كان يمثلهم أمير مكة الشريف حسين للثورة عل الترك مقابل الوعد بإنشاء دولة عربية موحدة تمتد بين البحر المتوسط غربا و الخليج العربي شرقا و بين جبال طوروس شمالا و اقليم عدن جنوبا و اتجهت جيوش حسين إلى الشمال إلى جانب الجيش البريطاني و أخرجت القوات العثمانية من الشام و بينما كان الحسين غارقا في الأحلام على أمل أن تفي بريطانيا بوعوده معه كانت بريطانيا في  الوقت نفسه تفاوض فرنسا على اتفاقية سايكس بيكو لتجزئة الشرق العربي و احتلاله و قضت المساومة الدولية في سان ريمو عام 1920 على آمال العرب في الإستقلال و الوحدة فقسمت بلاد الشام إلى أربعة أقسام : سوريا و لبنان و وضعت تحت الوصاية الفرنسية و شرق الأردن و فلسطين والعراق تحت الإنتداب البريطاني و هكذا لم تكتف هذه القوى بتحطيم الوحدة السياسية التي نعم بها العرب أثناء الحكم العثماني و ما قبله و إنما جزأته إلى دويلات حتى تم تقسيمه إلى 25 وحدة سياسية ترزخ تحت حكم بريطانيا و فرنسا و أسبانيا و إيطاليا و من بعدهم عملائهم من بني جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا ،  و كانت هذه أول ثمار محاولات الوحدة على أساس القومية العربية و توالت بعد ذلك المحاولات و تعددت المآسي و النكبات وصدق تعالى ( إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين ) .

 

و كانت الطامة بسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في تركيا على يد أتاتورك و انهار الإطار الذي كان  يجمع المسلمين و يزود عنهم وقت المحن و البلايا و اشتد الخطب و تعالى الصخب و التهبت نار حملات الغزو الفكري على ديار الإسلام و كان لبها في ذلك الوقت احياء شعارات الوطنية و التحزب لكل قطر و كل كيان مصطنع فهناك في مصر حزب مصر الفتاة و حزب الوفد و في تركيا حزب تركيا الفتاة و انتشرت الدعاوى الوطنية في الشام فظهر لأول مرة تعبير سوريا الكبرى و الهلال الخصيب و لبنان و شرق الأردن و غيرها من الأسماء التي كانت غريبة على الأسماع العربية و لكن كثرة تردادها بالأساليب المختلفة هيأت و وجدت لها مكانة في نفوس الناس  .

 

وانبرى دعاة الإسلام يزودون عنه و تشكلت جمعيات و جماعات و نادت في الناس أن أنيبوا إلى ربكم و ارجعوا إلى حبله المتين و رباطه الذي لا ينفك ألا وهو رباط العقيدة و استجاب لها خلق عظيم خاصة في الشام و مصر و العراق و كانت هي مراكز التأثير في قلب العالم العربي في ذلك الوقت و كان حتما على الغرب أن يتدخل لإنقاذ هيمنته و تحكمه في رقاب المسلمين فكانت فكرة الجامعة العربية بديلا عن الجامعة و الرابطة الإسلامية التي كانت بدأت في الإنتعاش فالأزهر بشيوخه و علمائه و طلابه أخذ ينادي بملك مصر خليفة للمسلمين و كذلك ظهرت دعوات مماثلة في الجزيرة و العراق و الشام و بصعوبة استطاع الغرب أن يكبت هذه الدعوات بفضل جهود عملائه من المفكرين و السياسيين العلمانيين و لكن من يضمن الظروف مستقبلا و خاصة أن فكرة الخلافة لم تنته بل أخذت بعدا كبيرا و طريقا آخر في شكل تنظيمات في مصر كالإخوان المسلمين أو بشكل انقلابات و ثورات كمثل ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق .

 

و ثمة سبب آخر كان وراء وقوف الغرب و على رأسه بريطانيا في الحث على تأسيس الجامعة و هو تنامي الدعوة الصهيونية إلى اقامة دولة يهودية في فلسطين فأرادت بريطانيا و حلفاءها تحديد اطار المعركة المقبلة و أساسها العقيدي القائم على الفكر القومي و ليس العقيدة الإسلامية فالغرب يعرف جيدا أثر هذه العقيدة الجهادية في دحر و هزيمة المشروع الصهيوني القائم على إيجاد دولة لليهود تقوم ببناء هيكل سليمان تمهيدا لنزول المسيح و ذلك كما تقول النبوءات التوراتية و أحياها المذهب البروتستانتي و الذي تدين به بريطانيا .

 

فعندما استطاعت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى الإستيلاء على فلسطين في عام 1917 أصدر اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني وعده المشئوم و الذي ينص على إعطاء اليهود وطنا قوميا في فلسطين و يصف السير رونالد ستوز في كتابه ( استشراقات ) الصدى الذي لقيه صدور الوعد بقوله : لقى الوعد صدى رائعا و استحسانا في الصحافة يضاف إلى ذلك ما حظى به من التأييد العام و الكبير لدى آلاف الكهنة الإنجليكانيين و القساوسة البروتستانت و غيرهم من الرجال المتدينين في سائر أنحاء الكرة الغربي .

 

و بعد ذلك قامت بريطانيا بفتح أبواب فلسطين على مصراعيها أما الهجرة اليهودية و مكنتهم من شراء الأراضي و إقامة المستعمرات و تأسيس نواة الجيش الإسرائيلي ، و تقول دائرة المعارف البريطانية : إن الإهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقى حيا في الأذهان بفعل النصارى المتدينين و على الأخص بريطانيا التي كان اهتمامها أكثر من اليهود أنفسهم ، و يقول حاييم وايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل في كتابه ( التجربة والخطأ ) : للقارئ أن يسأل ؛ ما هي أسباب حماسة الإنجليز لمساعدة اليهود و شدة عطفهم على أماني اليهود في فلسطين ؟ و الجواب على ذلك أن الإنجليز هم أشد الناس تأثرا بالتوراة و تدين الإنجليز هو الذي يساعدنا في تحقيق آمالنا لأن الإنجليزي المتدين يؤمن بما جاء بالتوراة من وجوب عودة اليهود إلى فلسطين و قد قدمت الكنيسة الإنجليزية في هذه الناحية أكبر المساعدات .

 

و نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية : لماذا سعت بريطانيا لفكرة الجامعة و تجميع الدول العربية عليها ؟ و لماذا فكرة الجامعة العربية بالذات ؟ إن الأسلوب الإنجليزي في التغيير لا يقوم على اجتثاث الفكرة بطريقة مباشرة و لكن يعمل على ايجاد الوسيلة البديلة فحينما أراد الإنجليز القضاء على الأزهر لم يعمدوا إلى ضربه بالمدافع كما فعل الفرنسيون مما أجج مشاعر الناس و لكن عملوا على انشاء المدارس العلمانية و  حفز الناس على الإنضمام إليها بزيادة رواتب خريجيها و بذلك سقط الأزهر بالتدريج في أعين الناس .

 

و بمثل هذا المخطط أراد الإنجليز ضرب فكرة الخلافة الإسلامية التي بدأت في الإنتعاش و اندفع  كثير من العرب إلى احيائها  فكان الأسلوب الإنجليزي المعروف ايجاد المؤسسة البديلة فكانت فكرة الجامعة العربية.

 

 

نقلا عن مفكرة الإسلام