العودة عن العنف في أدبيات حركات إسلامية مصرية

 

 

بقلم : عصام العريان

 

تم في مصر تدشين مبادرة وقف العنف التي أطلقها قبل حوالي اربعة اعوام من يطلق عليهم القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية .

وتبرز تساؤلات عدة عن المبادرة: توقيت إعلانها قبل سنوات ثم توقيت الحفاوة الرسمية بها الآن، وكذلك عن مضمون المبادرة وما صاحبها من إجراءات داخل السجون المصرية، ثم نظرة سريعة علي ما يمكن أن نسميه فقه العنف في مسيرة الجماعات الإسلامية المعاصرة.

بدأت مبادرة وقف العنف بإعلان أحد المتهمين في القضية 532 عسكرية في مصر، وهو محمد عبدالعليم، بياناً يدعو فيه الي وقف العمليات المسلحة كافة والتحريض عليها داخل وخارج مصر، باسم القادة المحبوسين في قضية اغتيال الرئيس السادات. ثم توالت الاحداث والتأييدات والمناقشات حتي يومنا هذا. كانت الشرارة التي اطلقت المبادرة هي حادث الأقصر المفجع التي فتح النار فيها عدد من الشباب علي جموع السياح في الدير البحري وازهقت ارواح زهاء ستين من الابرياء وأثارت استنكار الجميع، ودعت الي مزيد من الاهتمام بضرورة وقف نزيف الدماء الذي أدي الي إرهاق الجميع بل الي تشويه صورة الإسلام نفسه كدين وحضارة.

ولا شك في أن هناك مراجعات ومناقشات سبقت ذلك الحادث تمت داخل السجن نتيجة التأمل في مسيرة العمل الإسلامي من جهة والنتائج التي أتيحت للشباب القادة، ما جعل حادث الاقصر بمثابة اللحظة المناسبة لهذا الإعلان المفاجئ.

تلقت أجهزة الأمن هذا الإعلان بريبة وتوجس ثم سرعان ما تغلبت وجهة النظر التي تبارك هذا التوجه الجديد، مع ضرورة التأني في الاستجابة لأي طلبات وان كانت إنسانية وعادلة.

وكان من الضروري أن تؤيد هذا الإعلان فصائل الجماعة الإسلامية كافة، خصوصاً الذين هاجروا الي الخارج، فكان تأييد الشيخ عمر عبدالرحمن المحبوس في اميركا أهم ما حصلت عليه المبادرة، وتم احتواء الاصوات المعارضة لها في الخارج بصورة او بأخري.

وكانت الخطوة التالية المهمة هي بيان حيثيات المبادرة الشرعية، حتي لا يتصور البعض انها خطوة تكتيكية لالتقاط الانفاس. وهنا كتب القادة البحوث الفقهية التي صدرت اخيراً في اربعة كتيبات توضح الاسس الشرعية لوقف العنف وتبين الاخطاء التي وقعت اثناء مسيرة الجماعة الإسلامية خلال السنوات السابقة.

ويذكر أن زمناً طويلاً مر بين كتابة هذه البحوث وبين خروجها اخيراً الي النور في صورة كتيبات أربعة ظلت فيها حبيسة أدراج وزارة الداخلية المصرية، وهذه الكتب هي: مبادرة وقف العنف.. رؤية شرعية ونظرية واقعية ، حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين ، تسليط الأضواء علي ما وقع في الجهاد من اخطاء ، وأخيراً النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين .

فإذا اتينا الي ما يثيره التوقيت الحالي للحفاوة الإعلامية التي لا تخطئها عين مراقب في مصر ولا يشك احد أن وراءها تشجيعاً رسمياً، فإن هناك بعض المؤشرات التي لا يمكن إغفالها مثل: أحداث 11 ايلول (سبتمبر) في أميركا والحملة الأميركية علي النظم العربية التي تتهم في الإعلام الاميركي، بل التصريحات العلنية بأنها كانت بفشلها الذريع سبباً رئيسياً لتصدير العنف الي الخارج، وبذلك وصل الي أميركا نفسها، وانطلقت المدافع الإعلامية ضد بلدين كبيرين هما: مصر والسعودية. فهل هي رسالة تقول: نحن نقوم بواجبنا لاحتواء العنف، وها هو فصيل من أكبر فصائل العنف في مصر يتخلي عن العنف المسلح.

لكن التجاوب الأمني والرسمي في مصر كان ضعيفاً جداً مع انطلاق المبادرة قبل سنوات وما زال الآلاف من المعتقلين في السجون من المنتمين الي الجماعة الإسلامية . صحيح أن هناك تحسناً في المعاملة طرأ داخل السجون لكنه دون المستوي اللائق حتي الآن، وكذلك تم إطلاق سراح دفعات من المعتقلين لكنها لا تشكل سوي نسبة ضئيلة جداً ممن قضوا حتي الآن ما يزيد علي عشر سنوات اعتقال.

وقامت أجهزة الامن بإتاحة فرصة للقيادة التاريخية بمعايشة الأعضاء المنتمين للجماعة الإسلامية داخل السجون لشرح المراجعة الفكرية الاخيرة وتلقي الاستفسارات والتساؤلات حولها حتي يكون هناك اقتناع كامل بعدم العودة الي العنف من جديد .

ولا يمكن تناسي أن القادة التاريخيين جميعاً انهوا مدة العقوبة في قضية السادات منذ شهور او سنين، وظن البعض ان هناك نية حكومية لاطلاق سراحهم في مناسبة عيد الاضحي الماضي، الا ان ذلك لم يتم لأن مثل ذلك القرار يعني في حقيقته اغلاق هذا الملف نهائياً، فلا يمكن تصور اطلاق سراح الزعماء وترك الآلاف من الاعضاء رهن السجون، ولا شك ان النظرة المرتابة المتوجسة والمتشككة ما زالت تسيطر علي العقلية الأمنية، كما أن استيعاب هؤلاء جميعاً في حركة المجتمع العادية يحتاج الي قرارات لاحقة تتعلق بعودتهم الي اعمالهم وتأمين حياتهم، وعن ذلك كان اهم ما بنيت عليه افكار الكتيبات الاربعة هو العودة الي اعتبار مآلات الاعمال ، أو المصلحة والمفسدة ، عند النظر في الاعمال بطريقة شرعية وهو ما لم يكن محل اعتبار سابقاً عند هؤلاء الشباب. لقد دفعت الحماسة هؤلاء يوماً ما الي اهدار التجارب التي سبقت نشاطهم، وعندما كانت النقاشات تدور معهم حول القضايا نفسها كانوا يرفضون هذا التبرير الشرعي للمصلحة والمفسدة. أما الآن فساهمت الحصيلة الفقهية والتجربة العملية المريرة في العودة الي المربع الصحيح في الفقه الإسلامي، حيث يقولون بوضوح في كتيب مبادرة وقف العنف : إن أي عمل ينبغي أن تحكمه المصلحة الشرعية سواء في انشائه ابتداء أو في توجيهه إذا انحرف. بمعني أنه ينبغي لمن يتخذ قراراً بعمل شيء أن ترجح لديه مصلحته علي مفسدته، فإن تبين له، سواء قبل انشائه او بعد الشروع فيه، ترجيح المفسدة بل غياب المصلحة بالكلية فينبغي ان يمتنع علي الفور. ولا شك أنه تحقق بعد هذه التجربة الطويلة أن هذه الدماء المهدرة، وهذه المعارك الطاحنة لم تجلب مصلحة تذكر، بل ترتبت عليها عشرات المفاسد التي ينبغي لها أن تدرأ.

إنها مصلحتنا الشرعية جميعاً كمسلمين يعيشون علي أرض واحدة وفي بلد واحدة، ومصالح هذا البلد تحتاج الي جهودنا جميعاً لتستعيد عافيتها وتقدمها ونهضتها، وقبل كل شيء مصلحة هذا الدين الذي يُلزمنا ان نتضافر لرفعة شأنه والدعوة اليه وإزالة ما شوّه منهجه القويم من شوائب الدعايات المنكرة .

ويردون علي ما يثار من تساؤل: وماذا عما نعانيه من ظلم واضطهاد؟ نقول الصبر، ونحسب ان ثواب الصبر هنا اثقل وارجي في الميزان .

ومن هنا انطلقت المراجعات الاخيرة التي تناولت كثيراً من الاحداث التي شارك فيها من ينتمون الي هذا الفصيل الإسلامي مثلما صاحب المواجهات العنيفة مع الدولة واصاب قطاع السياحة المصري بأضرار بالغة، وكذلك الاعتداءات التي تكررت ضد المواطنين النصاري لأجل الضغط علي الدولة، أو ما صاحب حملات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من شذوذ في التصرفات وخروج علي الاحكام الفقهية المستقرة والمعروفة، وهو ما اشاروا إليه في كتيب تسليط الاضواء علي ما وقع في الجهاد من اخطاء والكتيب الآخر التصحيح والتبين في تصتيح مفاهيم المحتسبين .

هذا المنطلق يحتاج من هؤلاء القادة الي مزيد من التأصيل الفقهي حتي نصل معهم الي الجذور الفكرية والانحرافات الفقهية التي تؤدي الي إهدار المصالح والمفاسد عند النظر في الأعمال الدعوية، وهذا يقتضي تحرير مفاهيم مثل الجهاد والضوابط الشرعية له، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضوابط استخدام اليد في التغيير ولمن تكون؟ وهل يصح لآحاد الرعية هكذا بإطلاق التغيير باليد بغض النظر عن قضية المصلحة، و الخروج علي الحاكم وما يتعلق به ومدي اعتبار المعارضة السياسية المنضبطة بقواعد الدستور والقانون الوضعيين هي الصورة الشرعية القائمة حالياً.

وتأتي هنا اهمية مراجعة ادبيات الجماعة الإسلامية السابقة وإعادة صياغتها بما يحقق التوافق مع الافكار الجديدة الواردة في الكتيبات الاربعة، او اصدار بديل لها ذلك لانها صدرت عن الجماعة نفسها مثل ميثاق العمل الإسلامي و قتال الطائفة الممتنعة .

ويمكننا التفرقة بين نوعين من العنف مارستهما جموع الشباب المتحمس، الاول يهدف الي الاستحواذ علي السلطة علي أمل التغيير السريع من خلالها وبأدواتها، وذلك عنف اصيل في منهج تفكير تلك الجماعات، عنف إنقلابي يركز علي افراد القوات المسلحة أو استخدام اسلوب الاغتيالات السياسية أو حتي اللجوء الي حرب العصابات لاستنزاف النظام الحاكم، وابرز مثال له هو جماعة الجهاد المصرية.

أما النوع الثاني فهو عنف يرتبط بإحدي مسألتين، الاولي هي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر نشأت عن سوء الفهم أو تبني آراء فقهية تتيح لآحاد الافراد التغيير باليد من دون الالتزام بالضوابط الموضوعة او حتي المصالح والمفاسد المترتبة علي ذلك، والثانية هي الضغط علي السلطات لتحقيق بعض المكاسب او درء بعض المظالم مثل: الرد علي اغتيالات طاولت بعض القيادات من الجماعة الإسلامية او إطلاق سراح المعتقلين او غير ذلك، وهذا النوع مارسته الجماعة الإسلامية المصرية وهو عنف يمكن العودة عنه عند المراجعة والتأمل، لذلك نسمع من قادة الجماعة الآن تصريحات تبين العودة الي الأصل كجماعة دعوية سلمية، مما يدلل علي رغبتهم في إظهار ان تلك المرحلة كانت خلاف الاصل وأنها ارتبطت بظروف معينة وأدت الي عكس المطلوب منها. ولنستمع اليهم وهم يصرحون بذلك في كتيب مبادرة وقف العنف : هل توقف الاعتقال ام ان السجون امتلأت بالمعتقلين؟

هل توقف اقتحام البيوت والمساجد ام انه ازداد وتضاعف؟

هل نلتم حرية الدعوة وحق اعتلاء المنابر أم أن الدعوة ضربت في مقتل؟ ثم هل توقف الضرب في سويداء القلب أم أنه ازداد واتسع حتي صار هو القاعدة؟ هل أوقفتم القتل أم انه تضاعف أضعافاً مضاعفة؟... .

وهذا النوع من العنف مارسته الجماعة الإسلامية كلها او انقسمت الي جناحين احدهما عسكري اصبح هو المهيمن مما يتطلب تلك المراجعة الشجاعة.

ولنستمع الي رأي قادة الجماعة الإسلامية فما ردهم علي ما يتوقعونه من عتاب حيث يقولون في كتيب مبادرة وقف العنف : نعم سيعتب علينا بعض إخواننا قائلاً: والشرع الغائب والحاكم الذي لا يحكم بما انزل الله، وسنقول اولاً: لم يكن القتال الدائر لتحكيم الشرع ولا خروجاً علي حاكم لتغييره بل كان احتجاجاً علي مظالم واقعة وسعياً لاسترداد حقوق ضائعة .

وهذا تقرير واضح منهم بأسباب اندلاع العنف المسلح من جانبهم ضد اجهزة الشرطة ثم طاول المدنيين، ثم استخدم الاعتداء علي النصاري للضغط اكثر علي الدولة، ثم كانت الخاتمة والطامة في استهداف السياحة والسياح. وقد صرحوا في مراجعاتهم الاخيرة بحرمة ذلك كله وحرمة المواجهات المسلحة مع كل هؤلاء بدءاً بالشرطة وانتهاء بالسياح المستأمنين.

وعندما نسترجع ما حدث في الجزائر سنجد أن بداية الاعمال المسلحة كانت احتجاجاً علي وقف المسار الانتخابي بواسطة جناح من اجنحة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، ثم سرعان ما تحول الي عنف أصيل إنقلابي بل عدمي علي يد الجماعة الإسلامية المسلحة ، وهؤلاء هاجموا بشدة قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، وأعلنوا رفضهم للمسار الانتخابي وللعملية الديموقراطية كلها واسسوا لعنفهم العبثي المدمر ضد الدولة وأجهزتها والمواطنين الابرياء، بل النساء والاطفال علي قاعدة تكفيرية تذكرنا بما كانت عليه ما سميت جماعة التكفير والهجرة في مصر في بداية السبعينات ومنتصفها، وهي المجموعة التي لم تحظ مراجعات افرادها في السجون بمثل الاهتمام الإعلامي الحالي فقد التقيتهم بداية محبسي وقصوا علي قصة مراجعاتهم وعودتهم الي مربع الفكر الوسطي المعتدل والإقلاع عن الافكار التكفيرية تماماً، وبالتالي التوقف عن العنف. فهل تصل هذه المراجعة الاخيرة الي أسماع الشباب المسلم في غير مصر ليكون لها اثر فاعل، وهذا يتوقف علي عوامل كثيرة منها موقف الدولة وأجهزتها في مصر.

وهنا يحق لنا ان نتساءل مع المراقبين: لماذا لا تتجاوب الدولة مع تلك المبادرة الشجاعة والتي نجحت فعلاً في نزع فتيل العنف المدمر، حيث إن اكثر من 09 في المئة من العمليات المسلحة ضد الشرطة والسياح والنصاري كانت من تدبير الجماعة الإسلامية ، والتي تجاوب مع مبادرتها كل المنتمين اليها تقريباً في الداخل والخارج، وهذا التجاوب سيعني اغلاق هذا الملف نهائياً، لكنه سيفتح ملفاً آخر لا بد من الاشارة اليه وهو: سبيل العمل السلمي الدعوي للتيار الإسلامي عموماً وللجماعة الإسلامية خصوصاً التي سيظل محلقاً فوق رؤوس اعضائها سيف اللوم علي الدماء التي اريقت والارواح التي ازهقت والبيوت التي دمرت.

وهنا، اذا كانت الجماعة الإسلامية انتقلت الي مربع العمل الدعوي السلمي، فما هي الآفاق المفتوحة امام مثل هذا الاسلوب، في ضوء ما نراه من محاكمات عسكرية للإخوان المسلمين من دون عنف ارتكبوه بل كانت التهم الموجهة اليهم رسمياً تتمثل في الاعداد للانتخابات البرلمانية او التغلغل في النقابات المهنية او محاولة تأسيس حزب سياسي او اخيراً وليس آخراً إثارة الطلاب والجماهير ضد السياسات العامة.

لا شك في ان الطريق شائك وصعب وعسير، ويثير بعض المتخوفين شكوكاً حول نيات اجهزة الامن التي تعودت اللعب علي التناقضات بحيث يثيرون المتاعب بين الفصائل الإسلامية ويستخدمون بعضها ضد البعض الآخر، ويستدلون علي ذلك بأسئلة خبيثة وجهت الي بعض قادة الجماعة الإسلامية في حوارات صحافية عن العلاقة مع الإخوان ، الا ان هؤلاء رحبوا بخطوة المراجعة التصحيحية ورفضوا الدخول في اي مساجلات جانبية، فهم يحترمون التعددية الحركية في الحقل الإسلامي، ولا يرحب الاخوان ابداً بانضمام جماعات كبيرة الي مسيرتهم بل يدققون كثيراً في اختيار الافراد، ولديهم خبرة في ذلك السبيل. أضم صوتي الي صوت ياسر الزعاترة في الحياة (72/2) بضرورة الاهتمام بهذه الخطوة والترحيب بها ودعوة الجميع وفي مقدمهم الدولة الي التعامل معها بإيجابية.