كشف الوجوه والمواقف
بقلم
: فهمي هويدي
اذا جاز لي ان أمد البصر الى ما وراء السحب القاتمة التي
تكاد تسد علينا الأفق الآن، وأصف نوازل الساعة في منطقتنا، فلن أتردد في وصفها
بالكاشفة. ذلك ان هذا الذي يحز في نفوسنا، ويثقل قلوبنا بالهم والحزن حتى يكاد
يزلزل فينا اليقين، جاء كاشفا لكل شيء حولنا، مسقطا للأقنعة ومبددا للأوهام، ونازعا أوراق التوت عن الأوزان
والأحجام.
قبل اي كلام، فإنني أدعو بشدة الى الكف عن لطم
الخدود وشق الجيوب وندب الحظوظ. أهم من ذلك أدعو الى وقف توزيع الاتهامات، وتبادل
الشتائم والغمز واللمز الذي يمارسه البعض بلا مسؤولية في عدد من العواصم العربية،
فلا هذه ساعة القنوط، ولا هو أوان تصفية الحسابات وشق الصفوف. والقنوط يبخس النضال
الفلسطيني حقه، وشق الصفوف يضيف الى المشهد العربي ضعفا الى ضعفه، بل يكاد يدق
المسمار الاخير في نعش النظام العربي، الذي يظل قشة تتعلق بها برغم كل شيء.
إننا بحاجة الى إعادة قراءة المشهد الفلسطيني
ووضعه في إطاره الطبيعي الذي يستحقه. وفي هذا الصدد فإنني اتفق مع ما عبر عنه
الكاتب الاردني الاستاذ طارق مصاروة، حين قال ان الذي يحدث في فلسطين الآن في
حقيقته ليس عدوانا اسرائيليا على شعب فلسطين، وانما هو ثورة التحرير المتصاعدة في
مواجهة الاحتلال، والتحول الطبيعي لقوى النضال الفلسطيني من الاحتجاج، ومعارك
الحجارة، الى حرب التحرير.. تماما كحرب التحرير في الجزائر، وفيتنام، وكل افريقيا
وآسيا وأميركا الوسطى.
واذا كانت اقتحامات العدو لمدن رام الله والبيرة
وبيت لحم وقلقيلية قد تجاوزت ما نظنه نحن بأنه حدود العراك، فإن الفلسطينيين
اقتحموا هم ايضا تل ابيب، والقدس الغربية وحيفا وناتانيا، ودمروا كما دمرت
الدبابات الاسرائيلية، وهددوا الدولة اليهودية كتهديدها للسلطة الوطنية وقيادتها.
فهذه هي حرب التحرير، ويجب ان لا يخيفنا مشهد
الدبابات التي تدخل الشوارع الفلسطينية، فإسرائيل تخاف من كل فلسطيني يدخل مقهى او
يمر في الشارع او يشتري من محل تجاري... تخاف من كل فلسطيني او كل من يشبه
الفلسطينيين!! (القدس العربي 5/4)
ان هذا الذي يحدث في فلسطين الآن هو الثمن الذي
يدفعه الفلسطينيون لتحرير بلادهم من الاحتلال، وهو ثمن غال حقا، لكن لا ننسى ان
الهدف كبير ايضا وان الحلم يستحقه بامتياز. اما الخطيئة الكبرى فهى ان يُهدر كل ما
بذل، ويهون من شأنه، بحيث يكتفي في مقابله بمجرد الجلوس على طاولة المفاوضات.
وإذ أدعو الى فهم ما يجري في فلسطين على ذلك
النحو، فإن ذلك لا يعفي الأطراف العربية من مسؤولية التضامن مع النضال الفلسطيني،
ليس فقط لأنه <<شقيق>>، لكن ايضا لأن دعم النضال الفلسطيني هو في
الوقت ذاته دفاع عن الأمن القومي العربي، وصد للغزوة الصهيونية التي هي في نهاية المطاف جزء من
مشروع الهيمنة الغربية على المنطقة.
ما اردت بهذه الملاحظة ان أهون من شأن الدعم
العربي المطلوب، لكني فقط تمنيت ان نحسن قراءة ما يجري في فلسطين وان نضعه في
اطاره الذي يستحقه.
ليس المفجع ما يحدث في فلسطين، لكنه تلك الريح
المسمومة التي لاحت نذرها مؤخرا في الأفق العربي، متمثلة بمقدمات حملة تبادل
الشتائم والاتهامات بين بعض العواصم العربية، ولئن وصفتُ ما بدا من تلك الحملة
باعتبارها موقفا غير مسؤول، الا انه يستحق توصيفا اقسى وأكثر حدة، خصوصا اذا صدر
عن عواصم لها وزنها، وعبر بعض المنابر التي يفترض انها تتمتع ببعض الاحترام.
نعم هناك تفاوت في الحسابات والمواقف العربية
نفهمه، لكني أزعم ان الظرف الراهن يقتضي احتواء الخلافات وتذويبها.
أريد ان ألفت الانتباه ايضا الى ان قتامة
المشهد وغزارة الدم المراق، والقشعريرة التي تستبد بنا ونحن نسمع أنين الثكالى او
نرى الجثث الملقاة في الشوارع، ذلك كله ينبغي الا يحجب عنا رؤية شعاعات الفجر
الآتي من رحم ظلمة الليل الحالك. فتلك سنة الله في خلقه، وذلك درس التاريخ الذي
يعجز الطواغيت والجبابرة عن استيعابه.
نعم، العدو في المشهد الفلسطيني مدجج بكل سلاح،
ومدعوم ومؤيد بأعتى قوى الارض، لكننا لم نعرف ان مثل ذلك العدو نجح في تحدي السنن
والوقوف امام عجلة التاريخ. ذلك ان نضال الشعوب هو الذي ينتصر في نهاية المطاف،
مهما طال الزمن. ولئن كانت تلك سنة الحياة وقانونها الأبدي، فانها تكتسب وضعا خاصا
حين يتعلق الامر بالشعب الفلسطيني، الذي يتمتع بقدرة مذهلة على الثبات والمقاومة،
وفشلت، طيلة نصف القرن الاخير على الاقل، محاولات تركيعه وكسر ارادته. وبات غنيا
عن القول ان الذين لا يهابون الموت، ويتسابقون على الشهادة، هم الأجدر بالحياة
والمؤهلون اكثر من غيرهم لتلقي بشارات النصر وبلوغ الحلم.
وكما كشفت الاحداث عن حدود القدرة الفلسطينية
على الصمود والمقاومة، فإنها كشفت ايضا عن حدود القدرة العربية على الفعل
والتأثير، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، اذ بوسعنا ان نقول ان تلك الحدود من التواضع
بحيث انها عجزت حتى الآن عن ان تفعل شيئا يؤثر ايجابيا على مجرى الاحداث.
اننا نتحدث كثيرا عما يدبره الآخرون ويفعلونه،
في حين ان ذلك كله يندرج تحت عنوان قيامهم بواجبهم ازاء مصالحهم او تطلعاتهم، التي
نراها نحن شرورا وأطماعا. لكننا قليلا ما نتطلع الى المرآة لكي نرى وجوهنا جيدا،
ونسأل أنفسنا عما اذا كنا قد قمنا حقا بما علينا لرفع كفاءتنا في الدفاع عن حقوقنا
ومستقبلنا. والكفاءة التي أعنيها تشمل البنية السياسية والقوة الاقتصادية والقدرة
العسكرية.
لسنا نبالغ اذا قلنا ان ذلك لم يحدث، لا على
المستوى القطري، ولا الاقليمي، ناهيك عن المستوى القومي، ولا اريد ان استثني قطرا
عربيا، كما أنني لا أريد ان أدخل في الجدل حول من الذي تقع عليه مسؤولية التصدي في
الوقت الراهن، دول الطوق التي لها حدودها مع اسرائيل، ام دول النفط التي تملأ الجيوب الاميركية بالمال، ذلك ان
المسؤولية موزعة على الجميع ربما بالتساوي، وليس هذا أوان مزايدة كل طرف على الآخر
او اتهامه.
غاية ما قدمه العرب انهم أعلنوا مبادرة للسلام،
رد عليها رئيس الوزراء الاسرائيلي بعد 24 ساعة فقط بقرع طبول الحرب. وفي حين ظل
العرب يرددون مقولة ان السلام خيارهم الاستراتيجي، فان اسرائيل ما برحت تسلح نفسها
وتحشد قواها مبقية على خيار الحرب. واذ أفقد شعار العرب المرفوع قدرتهم على الردع، فان ذلك أفقدهم تلقائيا القدرة
على احلال السلام. بالمقابل، فان اسرائيل استقبلت ذلك كله بثقة متزايدة مكنتها من
توظيف السلام لصالح استمرار الاحتلال، كما شجعتها على السعي الحثيث الى تحويل
السلام الى استسلام كامل، مع الاستعداد لنسف وتدمير كل شيء بغير تحفظ عند أول
بادرة تمرد او عصيان.
وحده النظر الحصيف الى المرآة، الذي لا بد ان
يستصحب حوارا حرا مفتوحا، يمكننا من ان نضع ايدينا على مواضع الخلل في الموقف
العربي، وعما اذا كان الخلل في الارادة، ام في الهيكل والبنيان، وهو ما لم يتم حتى
الآن للأسف الشديد.
خذ جزئية بسيطة جسدت الانكشاف، مثل حالة نشطاء
السلام الذين قدموا من اقطار عدة في اوروبا وأميركا اللاتينية، وذهبوا الى الارض
المحتلة للتضامن مع الرئيس عرفات وسكان المخيمات هناك، وهم الذين تحدثت الصحف عن
تطوعهم ليكونوا دروعا بشرية رمزية تقف في مواجهة العدوان الاسرائيلي. لقد بحثت عن
اسم او وجه لواحد ممن رفعوا رايات السلام وطنطنوا باسمه في بلادنا، فلم أجد.
ايضا، انكشف الوجه الاسرائيلي القبيح الى أبعد
مدى. فقد اصبحت شعبية شارون تتزايد كلما أوغل في الدم الفلسطيني. ليس ذلك فحسب،
وانما اصبح 46% من الاسرائيليين يرون ان ترحيل الفلسطينيين وإلقاءهم وراء الحدود
هو الحل.
هذه المؤشرات تطرح علينا بقوة السؤال الآتي
وتشكك في اجابته: هل المجتمع الاسرائيلي راغب حقا في السلام ومستعد له؟!
انكشفت بذات القدر لعبة حركات السلام في
اسرائيل، وكما حدث في كل مواجهة سابقة، فانه حين تتعرض مثل هذه الحركات لاختبار
حقيقي، فانها تختفي من الوجود، وتجد مكان اصطفافها الحقيقي الى جانب مشروع
الإبادة، وتتحول الى فصيل مقاتل تحت رايته.
اما الذي انفضح على نحو يُخرس ألسنة المتصهينين
العرب ومن لف لفهم، فهو <<حزب العمل>> الذي هو شريك أساسي في حكومة شارون
الحالية، ليس ذلك فحسب وانما الذي يدير معركة الإبادة الحقيقية على الجبهتين
السياسية والعسكرية هم قيادات <<حزب العمل>>: بيريز وزير الخارجية،
وبن اليعازر وزير الدفاع، وموفاز رئيس الاركان. وهو ما يبطل الى الأبد ذريعة
المهزومين والمراوغين الذين ما برحوا يراهنون على <<حزب العمل>>،
زاعمين ان شارون وأمثاله من <<الصقور>> هم المشكلة. وهي حجة نسفها
شارون نفسه، حيث أشرك الجميع في الوزارة، لكي يؤكد ربما على غير رغبة منه ان
الفروق بين النخبة الاسرائيلية في الفروع وليس في الاصول، وأنهم على قلب رجل واحد
في المقاصد والاهداف العليا.
هل نضيف الى ما سبق ان مشروع السلام كله انكشفت
حقيقته، وان شارون جاء لينفذ بالقوة ما سعى اسلافه الى تنفذه بالحيلة والسياسة؟
<<أم العورات>>
التي انكشفت كانت الادارة الاميركية، ذلك اننا نعرف كم هي منحازة لإسرائيل منذ
تأسيسها في العام 48، لكننا كنا نلاحظ ان ذلك التحيز كان يتم ببعض الحياء احيانا،
والاحتشام في احيان اخرى، وقدرنا مواقف قيادات اميركية حظيت بدرجات متفاوتة من
الاحترام، مثل ودرو ويلسون وفرانكلين روزفلت ودوايت ايزنهاور وجون كنيدي، لكن ما
فعله الرئيس الحالي جودج بوش وفريقه فاق كل ما كان متوقعا، سواء في انفضاح
الازدراء بالعرب او الاستخذاء أمام الاسرائيليين.
لم يعد سرا ان الاجتياح الاسرائيلي للمدن
الفلسطينية وحصار عرفات ما كان له ان يتم ما لم يكن هناك ضوء اخضر من واشنطن. ودخل
السر حيز العلن رسميا في 29 و30/3 مع بداية الاجتياح حين تحدث، اولا، وزير
الخارجية كولن باول وبعده جاءت تصريحات الرئيس بوش في اليوم التالي مباشرة، وبدا كلامه
معبرا عن استهتار واضح، حتى بقرار مجلس الامن الاخير (رقم 1402) الذي صدقت عليه
الولايات المتحدة. قدمت تصريحات الرجلين دعما واضحا للغزو الاسرائيلي. حيث ألقت
مسؤوليته على كاهل الرئيس عرفات، وأعربت عن التعاطف مع الدوافع الاسرائيلية وراء
الغزو، وتجاهلت الآلام الفلسطينية والرأي العام العربي كله. كانت تصريحات بوش
وباول مذهلة في وقعها، مذهلة للعرب جميعا ولأصدقاء الولايات المتحدة بينهم بشكل
خاص.
وفي التعليق على تلك التصريحات قال احد الكتاب
الدكتور بشير نافع ان من تابعها من العرب على خلفية الدمار والدماء التي اجتاحت
شوارع رام الله لا بد وان يتساءل بدوره: لماذا يكرهوننا الى ذلك الحد، اولئك
المسؤولون الاميركيون؟! اما الشاعر محمود درويش فقد وصف موقف البيت الابيض بأنه
ألغى <<واو>> العطف النسبية التي كانت تقع بين اسرائيل وأميركا!
في هذه الأجواء ما كان يتصور احد ان يوفد
الرئيس الاميركي مبعوثا الى المنطقة لمناقشة <<التفاهمات>> التي قبلها
الطرفان، ثم يحدد شارون اقامته في أحد فنادق تل أبيب، ويمنعه من الاتصال بالرئيس
عرفات، وحين يسمح له بالالتقاء مرة يتيمة، ويحاول الجنرال زيني معاودة الاجتماع
بعرفات مرة ثانية، فانه يمنع من ذلك بأمر من شارون. حدث ذلك كله بينما البيت
الابيض ملتزم الصمت. بل ان الرئيس بوش نفسه حين دعا مرتين الى انسحاب اسرائيل من
المدن التي احتلتها، بعدما حمل ابو عمار المسؤولية عن العنف فإن شارون ضرب بالكلام
عرض الحائط واستمر في اجتياح المزيد من المدن. كل ذلك والرئيس الاميركي معتصم
بسكوت عالمثالثي مدهش، الامر الذي يحير المرء بحيث لا يعرف سر السكوت، وهل هو عن
استقواء واستكبار من شارون، ام انكسار واستخذاء من بوش، ام انه
<<تفويت>> من الاخير حتى يضمن أصوات اليهود في انتخابات التجديد
النصفي للكونغرس في الخريف المقبل.
أيا كان الامر فمجمل الموقف الاميركي من هذه
الزاوية يرشح بجدارة لأن يأخذ مكانه في اي جريدة تحت عنوان: صدق او لا تصدق!