ماذا حـدث للثقافة المصـرية فى نصـف قـرن 1952 ـ 2002
بقلم : جلال أمين
[ 1 ]
فى
سنة 1955، أى منذ أقل قليلاً من نصف قرن، صدر فى مصر كتاب مهم يحمل نفس عنوان هذا
المقال "فى الثقافة
المصرية"
للأستاذين عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم. وقد أحدث ظهور هذا الكتاب دوياً
واسع النطاق واهتم به المثقفون فى
مصر
والعالم العربى اهتمامًا شديدًا، إما بالتأييد أو بالمعارضة، وظل لفترة طويلة محل
تعليق ونقد، إيجابًا وسلبًا، وقد كان
يستحق
بالفعل هذا الاهتمام كما أنه بلاشك علاقة مهمة فى مسار الثقافة المصرية.
ذلك
أنه مهما كان ما يمكن أن يوجه إلى هذا الكتاب من نقد أو تحفظ على هذه الملاحظة أو
تلك، وما قد يعتبر فى أسلوب بعض
فصوله
من حدة أو قسوة زائدة على بعض الكتَّاب المصريين الكبار، فقد كان الموقف الذى
عبَّر عنه الكتاب موقفًا جريئًا
وضروريا،
ويعكس شعورًا قويا كان قد بدأ يتراكم لدى قطاع واسع ومتزايد الحجم من المثقفين
المصريين بالسخط على سمة
معينة
من سمات المناخ الثقافى السائد وقت ظهور الكتاب هى التى ركز عليها الكتاب وسلّط
عليها الضوء كله وأشبعها نقدًا
وتفنيدًا.
هذه السمة هى الانحياز الطبقى الغالب على الثقافة المصرية فى ذلك الوقت، بما تضمنه
من تجاهل وإغفال شبه تام
لحاجات
ومشاعر ومطامح الغالبية العظمى من الشعب المصري، وهى الغالبية الفقيرة والمظلومة
اجتماعياً واقتصادياً.
كانت
الملاحظة صحيحة، وإثارتها فى ذلك الوقت مطلوبة وواجبة، ولكن المناخ العام كان
أيضاً ملائمًا لاستقبال هذه الصيحة
وهذا
التنبيه. كانت ثورة يوليو 1952 قد قامت قبل ثلاث سنوات من ظهور الكتاب، وكان أحد
دواعى هذه الثورة، كما كان أحد
أهدافها
المعلنة، يتعلقان بهذه القضية بالضبط: الالتفات إلى حاجات الغالبية العظمى من
المصريين والنهوض بأحوالهم
الاقتصادية،
ووضع حد لما كانوا يتعرضون له من ظلم اجتماعي، أى إنهاء الانحياز الطبقى للنظام
السياسى والاجتماعى
المصري،
وها هما كاتبان شابان من ذوى الحمية والوطنية والحماسة، ينشران كتاباً يناديان فيه
بنفس الشيء فى ميدان الثقافة.
ثم
مرت الأعوام، وما أكثر ما شهدته مصر من أحداث وتقلبات فى السياسة والاقتصاد
والثقافة فى الخمسين سنة التالية، فإذا
بنا،
وقد شهدنا نهاية القرن وبدأنا الألفية الجديدة، نجد المنظر العام للثقافة المصرية
لا يكاد يشبه فى شيء ما كان عليه قبل
خمسين
عامًا، وكأن من عاش بمصر فى 1955 وعلم ما كان عليه حال الثقافة فى تلك الأيام،
يكاد يستحيل عليه أن يتعرف
على
ما يراه من حالها اليوم. المشاكل القديمة جرى حلها، أو على الأقل اتخذت صورة
مختلفة تمامًا بما كانت عليه فى 1955،
ولكن
مشاكل جديدة أخطر وأفدح ظهرت على السطح، مما قد يحتاج إلى أسلوب أشد حدة بكثير من
الأسلوب الذى اتخذه
عبدالعظيم
أنيس ومحمود العالم منذ نصف قرن.
ووصف
ما يحدث الآن فى الساحة الثقافية فى مصر ليس أبدًا بالأمر السهل، فالظواهر معقدة
ومتشابكة، وجذورها متداخلة لا
يعرف
أولها من آخرها، والأمراض كثيرة مضي، على نشوئها وقت طويل حتى لا يكاد أن يكون من
الممكن تحديد تاريخ
الإصابة
الأولي، ومضاعفاتها كثيرة يصعب رد كل منها إلى أصله وسببه. والمسئولية عن هذه
الأمراض موزعة على كثيرين
ينتمون
إلى عصور مختلفة، بعضهم رأسمالي، وبعضهم اشتراكي، ومنهم المصرى ومنهم الأجنبي، كما
أن منهم صانعى الثقافة
أنفسهم
ومنهم مستهلكوها الذين فرضوا أذواقهم ورغباتهم على صانعى الثقافة.
أياً
كان الأمر، فإن من المؤكد أن المشكلة الأساسية لم تعد هى "طبقية
الثقافة" بل هى شيء مختلف تماماً. صحيح أن المشاكل
الثقافية
كلها لها بُعد اجتماعى واقتصادى واضح، ووثيقة الصلة بالتطورات الطبقية التى شهدها
المجتمع المصرى خلال
الخمسين
عاماً الماضية، ولكن من المؤكد مع ذلك أن المشكلة الثقافية الأولى لم تعد الآن،
كما كانت أيام ظهور كتاب أنيس
والعالم،
مشكلة كتَّاب وأدباء يعبرون عن انحيازات طبقية تتجاهل أو تتعارض مع مصالح غالبية
الشعب المصرى من الفقراء،
بل
إن تصوير المناخ الثقافى المصرى الحالى على أنه فى الأساس نتيجة لمجرد انحيازات
ومصالح طبقية يبعد بنا عن الحقيقة
أكثر
مما يقرِّبنا منها. فما هى السمات الأساسية إذن للمناخ الثقافى السائد الآن فى
مصر؟ وما هى أوجه الفساد الحقيقية فيه؟
أظن
أن القصة جديرة بأن تُروى من أوَّلها، بل حتى من قبل 1955 بكثير، إذ إن من الممكن
أن نلاحظ نمطًا معينًا، يكاد أن
يكون
قانونًا، خضع له تطور الثقافة المصرية خلال المائة عام الأخيرة كلها، بل ومنذ ظهور
الروَّاد الأوائل للنهضة الثقافية
المصرية
فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. هذا النمط الذى اتخذه مسار الثقافة المصرية
وتقلباته، وثيق الصلة ـ فيما يبدو
لى
ـ بمسار الطبقة الوسطى المصرية وما طرأ على حجمها وخصائصها من تطورات.
[ 2 ]
دعنا
نتفق من البداية على أن من أهم ما يحدد سمات المناخ الثقافى لمجتمع ما فى وقت معين
هو سمات الطبقة الوسطى منه، وأن
هذه
المقولة ممكن القول بانطباقها بشكل عام على المجتمع المصرى مثلما تنطبق على غيره.
إذ إنها مقولة تبدو منطقية تمامًا
حتى
لتكاد أن تكون بديهية.
ذلك
أن الطبقة الوسطى هى فى الأساس الطبقة المنتجة للثقافة (بالمعنى الضيق للثقافة
الذى أتبناه فى هذا المقال، أى بمعنى
الإنتاج
الفكرى والفنى وليس بالمعنى الواسع الذى يشمل أيضًا أنماط السلوك والقيم
والعادات)، كما أنها فى الأساس الطبقة
المستهلكة
للثقافة. فالطبقة الدنيا فى أى مجتمع، يحول مستوى تعليمها ومستوى دخلها على السواء
دون أن تلعب دورًا مهمّا فى
إنتاج
الثقافة أو استهلاكها. أما الطبقات العليا فمشكلتها كمنتجة أو كمستهلكة للثقافة
ليست فى مستوى التعليم أو الدخل بل تتمثل
فى
أمرين: الأول هو انخفاض حجمها كنسبة من إجمالى السكان، مما يقلل من دورها كمنتج
ومستهلك للثقافة، والثانى
هوافتقادها
لدافع نفسى قوى لإثبات الذات، فأفرادها من حيث كونهم محظوظين اقتصادياً واجتماعياً
لا يجدون فى أنفسهم الحافز
القوى
لإثبات تفوقهم لا فى ميدان تحصيل الثقافة (الاستهلاك) ولا فى ميدان القدرة على
المساهمة فيها (الإنتاج). فإن قاموا
بإنتاج
الثقافة أو استهلاكها فالأغلب أن يكون ذلك على نحو عابر، ومن باب التسلية أو
الترفيه، بينما تتوفر حوافز أخرى أكثر
قوة
لدى أفراد الطبقة الوسطى الحريصين دومًا على الترقى والصعود، إما للحاق بمن فوقهم
أو لتمييز أنفسهم عمن هم دونهم، أو
لحرصهم
أكثر من غيرهم على تغيير المجتمع إلى الأفضل.