من أقوال الصحف العالمية

12 أبريل 2002

 

ترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

الفضائيات الأمريكية البريطانية الصهيونية التي تتستر على كل ما يسيء من أفعال الصهاينة قد أصبحت مضحكة. كانت إحدى مذيعات فوكسنيوز FoxNews  تحكي عن تاريخ الانتفاضة فقالت بالحرف الواحد "لقد مات 1200 فلسطيني وقتل 400 إسرائيلي". هل لاحظت الفارق في تلك الحرب الصهيونية النفسية؟ اليهود يقتلون أما الفلسطينيين الذين يقتلون فإنهم فقط "يموتون". وسمعت ناتنياهو بالأمس على نفس القناة في خطبة ألقاها على أسماع بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي من اليهود طبعا وكان أبرز ما قاله هو أن " الإرهابيين الانتحاريين الفلسطينيين" يستهدفون المدنيين بينما الجيش الإسرائيلي يحاول جاهدا تجنب قتل المدنيين الذين يموت بعضهم بطريق الخطأ في ظروف لا يمكن تجنبها. اليهودي الماكر الكاذب لا يذكر الشبان الفلسطينيين الذين يجمعهم اليهود ويقتلونهم غدرا أو كما يقول بعض المترجمين العرب "بدم بارد in cold blood".

من أكبر الأخطاء التي يرتكبها إخواننا الفلسطينيين هو أنهم أحيانا لا يجيدون اختيار من يتحدث باسمهم . وعندما يتوفر فلسطيني جاهل لا يجيد الإنجليزية (أو العربية أحيانا) فإن القنوات التلفازية اليهودية تتنافس على دعوته للتحاور مع اليهود المتمرسين، لكي يتم إعطاء أسوأ صورة عن القضية الفلسطينية العادلة. أسوأ مثال لذلك شاهدته بالأمس على التلفاز الأسترالي في صورة محاورة شارك فيها المتحدث الرسمي باسم الفلسطينيين باستراليا السيد "علي قزق". حرام عليكم أيها الأخوة الفلسطينيين لأنني أعرف أن من بينكم في استراليا أساتذة ومتحدثين لبقين يمكنهم أن يخرسوا هذا التشويه الإعلامي اليهودي. على العكس من ذلك سمعت متحدثا فلسطينيا ماهرا في لندن اسمه "مروان بشارة" كان والله حجة حينما سأله مندوب قناة BBC عن رأيه في فكرة ترحيل ياسر عرفات إذ رد ببساطة وتلقائية ولغة راقية "الأجدر بالترحيل هو أريل شارون المطلوب للمحاكمة بالهيج The Hague عن جرائم الحرب التي ارتكبها ضد الفلسطينيين." والله لقد أسقط في يد المحاور الماكر الذي لم يجد ما يقول فانتقل بسرعة إلى نقطة أخرى، وانتهى اللقاء بعرض عادل واضح للقضية وتفنيد للمزاعم اليهودية يتناغم مع أسلوب تفكير المشاهد الغربي ويكسب تعاطفه. لقد سمعت عشرات المتحدثين الفلسطينيين المجيدين وليس لدي الفلسطينيين أي نقص في أعداد هؤلاء المثقفين الذين يمكنهم التصدي لأكاذيب اليهود في هذه الحرب الإعلامية، وعلى من لا يجيد الإنجليزية مثل ياسر عرفات أو حسني مبارك مثلا الحديث عن طريق مترجم متمرس. ليس هذا عيبا بل إن فيه احترام للذات وللغة العربية القومية إلى جانب توفير الوضوح وكفاءة التعبير في خدمة القضية محل النقاش.   

 

اعذرني يا سيدي القارئ لهذه الافتتاحية المطولة ولنبدأ جولتنا باليهودي المعتق وليام كوهين William Cohen  الذي عمل سابقا وزيرا للدفاع الأمريكي. لقد أنشأ باسمه شركة استشارية "للدراسات الاستراتيجية الدولية للأعمال"، وهذا على عادة اليهود في الإدارة الأمريكية يعني أنه يستمر في اغتراف المال العام عندما يستشيرونه في أمور تتطلب خبرته الوهمية وتدعوه الفضائيات الصهيونية لكي يبث سمومها كعليم ببواطن الأمور مثلما يدعون باراك وناتنياهو. كتب المذكور مقالا بالنيويورك تايمز The New York Times  معقل الصهيونية الأمريكية في 6/4/2002 بعنوان "مهمة الشرق الأوسط" يحكي فيها عن "المهمة الصعبة" التي يقوم بها كولن باول. لم يذكر طبعا أن الهدف الحقيقي من الرحلة هو تضييع بعض الوقت في مناقشات هزلية لإعطاء الفرصة لشارون لكي يذبح المزيد من الفلسطينيين، وإنما قال:

( قرر الرئيس بوش في حركة مفاجئة أن يبعث وزير الدولة كولن باول إلى الشرق الأوسط في مهمة للمساعدة في إنهاء القتل والذبح الذي أشعل المنطقة.

سيقول المتشككون أنها مهمة مستحيلة وسيقول النقاد أنها مهمة ضرورية. تولت إسرائيل التحكم في مناطق أيدت أو آوت الانتحاريين المتفجرين إلا أن زيادة العنف في البلاد العربية المجاورة قد يهدد رئاسات تلك البلاد الصديقة لإسرائيل والولايات المتحدة. ليس هذا هو نوع "تغيير النظام" الذي تضمره الإدارة <الأمريكية> للمنطقة. يبدو أن التحرك الإسرائيلي قد أخمد الهجمات الانتحارية الآن لكن البيت الأبيض قد وصل إلى الاستنتاج بأن غياب وقف إطلاق النار وغيره من الإجراءات الأمنية الأخرى لا يجب أن يمنع ابتداء حوار سياسي بين الأطراف المعنية. إن شروط وقف إطلاق النار واضحة لكن وضوح شروط وأهداف المحادثات السياسية يقل كثيرا.) يمضي الكاتب على طريقة حسنين هيكل واضعا نفسه في حوارات ولقاءات مع شخصيات رئيسية مثل الأمير عبد الله فيحكي كثيرا ولا يقول شيئا ذا قيمة يستحق أن أنقله عن "المبادرة" الصهيونية السعودية التي ما زال الإعلام الصهيوني يجري لها التنفس الصناعي وتدليك القلب، لكن الذي لفت نظري هو أن وليام كوهين كان يعطي في مقاله درسا في اللغة العربية فأورد أن المحللين الأمريكيين قد لاحظوا أن جامعة الدول العربية عرضت "علاقات طبيعية ilaqaat taba’iya مع إسرائيل وليس علاقات تطبيعية رمز إليها بكلمتين عربيتين شبكهما معا رأسا في ذيل وخرج بمصطلح "ilaqaattatbi’ya"، وهكذا لم نصبح وحدنا الذين نفتش عن المغزى والمقصود عند اللعب بالألفاظ كما يحدث في بيانات وقرارات الأمم المتحدة التي نادت يوما برحيل إسرائيل عن "مناطق محتلة" وليس عن كل "المناطق المحتلة". وكما طلب جورج بوش من شارون الجلاء عن الضفة الغربية "دون تأخير" وليس "فورا".

ربما لاحظت يا سيدي القارئ أن "تغيير النظام" قد أصبح المصطلح الصهيوني الجديد للحرب على شعب العراق. وهو اصطلاح مخفف يقلل من شأن الحرب والقصف والتدمير لبنية العراق التحتية التي يجاهد الرئيس العراقي لإعادة بنائها بعد التدمير الصهيوني الأمريكي البريطاني العربي الدولي في 1991. وهم يتكلمون عن الرئيس العراقي على أنه أسوأ أنواع القيادات الدكتاتورية وكأنما لا يعاني بقية العرب والمصريين مما هو أسوأ من ذلك من حكم دكتاتوري لعين يصعب الخلاص منه لأن أمريكا ترعاه وتحميه.

 

أما اليهودية إلن جودمان Ellen Goodman  فقد كتبت في ذات المعقل الصهيوني "النيويورك تايمز" في 6/4/2002 مقالا بعنوان "المتفجرين المخدوعين" تحاول فيه التقليل من شأن الأبطال الفلسطينيين الشهداء الذين اصطلحوا على تسميتهم "الانتحاريين المتفجرين" وأحيانا "الإرهابيين الانتحاريين". تقول اليهودية الخبيثة بدهاء دفين وسذاجة مصطنعة:

( متى دخل مصطلح "الانتحاري المتفجر" قاموس المفردات اليومية؟  متى أصبح السلاح البشري واحدا من بنود الترسانات الحربية؟ .. قنابل يدوية .. بنادق .. انتحاريين متفجرين؟

لم تعد تصدمنا أنباء الشباب من الفلسطينيين الذين يلفون المتفجرات حول أجسادهم فيحولون أنفسهم إلى آلات قتل رخيصة متحركة. لم يعد يدهشنا ذلك الاستعداد للموت عند القتل أو القتل عند الموت.) تمضي الكاتبة إلى سرد الأحداث وأعداد الموتى التي نعرفها وذكر الأعمار الغضة للفلسطينيين الذين نفذوا تلك العمليات. ثم تتعجب من الأمهات اللاتي يفرحن لموت أبنائهن والأخوة الذين يتفاخرون بهم، فتقول الكاتبة:

(من كل الأنباء المرعبة التي تأتي من ذلك الطريق المسدود المليء بالرعب والمعروف باسم الشرق الأوسط ليس هناك ما يلون دائرة العنف مثل ذلك العتاد من الأسلحة السيارة التي يسميها الإسرائيليون بالإرهابيين ويسميها الفلسطينيون بالشهداء.

نحن نشاهد موكبا من الصغار الذين قد توصلوا في النهاية إلى ما يريدون أن يكونوه حينما يكبرون. إنهم يودون أن يكونوا موتى. ونحن أيضا نشاهد ثقافة بيئية تهتف وتمجد هذا الموكب المرعب المقزز.) تمضي الكاتبة إلى سرد أحزان عائلات الشهداء وكأنها تتعاطف مع آلامهم وتتعجب من التصريحات التي تمجد مثل تلك "العمليات الانتحارية الشريرة" فتقول:

 ( لقد مجد آخرون الانتحاريين كأبطال في الحروب. فهناك الكاميكازي في اليابان ونمور التاميل في سريلانكا. كل قبيلة تقريبا أرسلت صغارها يجازفون بحياتهم. رغم ذلك فإن أي ثقافة بيئية تفقد المستقبل حينما تفخر بأنها تعد من الجيل القادم مخزونا من السلاح الرخيص. إن أي قائد يزرع أو يقبل من الانتحار خطة حربية له يكون فاقدا لوضعه الأخلاقي. ماذا نقول عن المجتمعات التي تمارس التضحيات البشرية؟

"الساعة الآن الثامنة صباحا وقد وقع هجوم انتحاري جديد." ليس الانتحار سلاحا دفاعيا وإنما هو وهم يضاف إلى العتاد المعتاد في هذا الصراع. إن هذا في حد ذاته يدعو إلى الأسى.)

ليس صعبا علينا اليوم أن نفهم سيكولوجية هؤلاء الكتاب الصهاينة. الكاتبة تعلم جيدا أن الاستشهاد بتفجير عشرات الصهاينة سلاح ماض يبث الرعب في قلب العدو وليس مجرد وهم كما تصفه. ليس أمام الصهاينة سوى واحد من حلين: إما الإبادة التامة للشعب الفلسطيني، وسوف يقابل العالم ذلك في حال حدوثه بنفس الصمت. لكن هذا الحل يعني خسارة مادية هائلة إذ سيضطر اليهود إلى وقف عمليات الابتزاز اليهودي الدولي باستخدام أسطورة الهولوهوكس إذا ما نفذوا عملية هولوكوست حقيقي ضد الفلسطينيين. أما الحل الثاني فهو قبول نموذج يشبه ما حدث بجنوب أفريقيا. لكن الاستمرار في محاولة إرهاب الشعب الفلسطيني الشجاع سوف يسير باليهود إلى النهاية المحتومة وهي الاستيقاظ من وهم الحلم الصهيوني الذي يتحول اليوم إلى كابوس حقيقي ليجدوا أنفسهم في الشتات من جديد بعد أن يلفظهم الفلسطينيون تماما.             

 

كتب ويليام هتون Will Hutton مقالا بالأوبزيرفر البريطانيةThe Observer  بتاريخ 7/4/2002 تحت عنوان "زن الأمور بقلبك يا سيد شارون" وضع أعلاه العبارة الرئيسية "إذا لم يبدأ رئيس وزراء إسرائيل في فهم الفلسطينيين وإلى أن يحدث ذلك فإن أعماله العسكرية سوف تحبط أغراضها بنفسها." يقول الكاتب:

إن الكراهية هي أشد سموم العواطف البشرية، فهي تحجب القدرة على الفهم والتعاطف الذي هو محور العلاقات الإنسانية. تحول الكراهية الشخص المكروه إلى مجرد شيء وتسرق من الكاره صفته الآدمية الأساسية وهي الآدمية ذاتها. وهي تفتح الباب خلال ذلك لأن يلحق إنسان بآخر أشد الأفعال قسوة وتعسفا.

إن الصراع بالشرق الأوسط مرعب إلى هذا الحد لأنه مفعم بالكراهية الشديدة. ربما يكون المتفجر الانتحاري أشد الظواهر التي رآها العالم الحديث يأسا وخبثا. انفذ داخل رأس ذلك الانتحاري. إنك يجب أن تكره لدرجة خارقة حتى تكون مستعدا للتضحية بنفسك لكي تفرض الموت على غيرك. إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تحتضن مثل ذلك الاستعداد يجب أيضا أن تكون على هذا القدر من اليأس. لاشك أن الوعد الديني بالحياة الأبدية بعد الموت يساعد، لكن كل ذلك لا يمكن له وحده أن يفسر مثل تلك الأفعال.

إن المحرك الإضافي هو الكره. فالجالس في هدوء بمطعم مزدحم وحول وسطه حزام المفرقعات يقدم حياته ليأخذ حياة الآخرين. لابد له أن يكره هؤلاء الآخرين وألا يسمح لنفسه بأن تكون لديه ذرة من الاعتراف بآدميتهم أو بأن ما يفعله قد تخطي كل حدود العلاقات الإنسانية وقواعدها. ربما يكون المتفجر قد تلقى تلقينا ذهنيا يزين تلك الكراهية فيشعر بأن تضحيته تتم في سبيل قضية تستحق. لكن الثقافة البيئية التي تسمح بمثل ذلك التلقين الذهني لابد وأن تكون هي ذاتها مغروسة في الكراهية. هذا هو ما تواجهه إسرائيل وهذا هو السبب في أن أفعالها في الأسبوع الماضي تحبط الغرض منها. فهي حبيسة دوامة من الكراهية. إن غضبها من الفلسطينيين وحنقها عليهم يحرمها من آدميتها وقدرتها على استخدام آلتها العسكرية الجبارة لتحقيق الأمن الذي تنشده. إن الغزو المسلح للضفة الغربية مهما كانت درجة نجاحه في العثور على مخازن الأسلحة أو قتل بعض الفلسطينيين بعينهم لن يحقق أمن إسرائيل. إذا ما اعتقد رئيس الوزراء السيد شارون أنه يخلق حركة سياسية تطيح بجيل من الزعماء الفلسطينيين ليحل محلهم جيل آخر يسهل تعامل إسرائيل معه فإنه يكون قد أصابته الكراهية بالجنون فجعلته عاجزا عن تفهم أبسط مشاعر الآخرين. من الطبيعي أن يغتنم عرفات الفرصة ليصبح مرشحا للاستشهاد، ومن الطبيعي أن يضاعف الفلسطينيون جهودهم ليجدوا طريقا يحفظ عليهم شرفهم واحترامهم لذاتهم بعد أن طغى عليهم الشعور بالظلم وقلة الحيلة. سوف يزيد لديهم الكره، وقد تم الآن تفريخ كتائب الجيل التالي من الانتحاريين المتفجرين.

إن أي مخلوق يستطيع تبين ذلك إذا ما كان لديه نذر يسير من الخيال والقدرة على تفهم مشاعر الآخرين. إن استعراض القوة الذي قامت به إسرائيل قد أبدى تناقضا فقلل من أمنها، فالمزيد من الإسرائيليين قد أصبح قلقا يفكر في الهجرة حيث أصبحت الحياة غير سائغة في ظل التهديد الدائم بموت لا يمكن التنبؤ به. وربما أن ذلك سوف يهدد مستقبل الدولة على المدى البعيد. لقد أعمت الكراهية تفكير الإسرائيليين.) يمضي الكاتب إلى صب جام غضبه على أريل شارون وكيف أعمته الكراهية عن عمل حسابات صحيحة وتقدير سليم لمشاعر وطريقة تفكير الفلسطينيين بأن يضع نفسه مكانهم فيتمكن من تقييم أثر المعاناة على أجيال منفية فقدت أرضها. ثم يستمر الكاتب إلى القول:

 (إن الغرب شاملا ذلك إسرائيل لن ينال من الإرهاب إلا إذا كان مستعدا للتعاطف مع ما يجري داخل رؤوس الإرهابيين. لقد كانت خطبة بوش الأسبوع الماضي لحظة هامة وعلى قدر كبير من عدم التحفظ حينما أصر على أن تخفف إسرائيل من إذلالها اليومي للفلسطينيين. لقد بدأت الولايات المتحدة في الاعتراف بما ينكره معظم مؤيدي شارون من الإسرائيليين. وهو أن الكره يولد الكره وأن على الطرف الأقوى أن يبدأ كسر الحلقة المفرغة.

لكننا ما زلنا بعيدين تماما عن الوجهة الصحيحة، وخاصة في إسرائيل وفي المناخ السائد في الأوساط الثقافية والسياسية الغربية. العاطفة التي أصبحت نادرة هي الفهم والتعاطف وما تنميه تلك العاطفة من السياسات والمواقف. المحافظون مخدوعون باعتقادهم أن التحفظ أقرب ما يكون إلى الطبيعة البشرية. لكن الحقيقة تختلف كثيرا، فأهم شيء في العلاقات الإنسانية هو القدرة على الفهم والتعاطف وما تطلقه تلك القدرة من مشاعر غريزية تتسع للآخرين لدرجة تستعصي على خيال المحافظين. نحن في حاجة إلى الكثير من تلك العواطف في الشرق الأوسط، والقليل منها في البلاد هنا أيضا لن يضيع سدى.)

الكاتب هنا ليس متباكيا على الفلسطينيين، فهو يبحث الأمر برمته بهدف تأمين إسرائيل ومستقبل إسرائيل. تحركات الولايات المتحدة تأتي في إطار ذلك وكل الخطب والتصريحات والمقابلات والمبعوثين هنا وهناك جزء من سيناريو يهدف إلى إعطاء الوقت لشارون لكي يفتك بالفلسطينيين والتظاهر في نفس الوقت بأنهم يبذلون الجهود للضغط عليه. لو شاء بوش لأعطى أمرا صريحا لشارون بالانسحاب فورا تحت التهديد بوقف السلاح والمعونة، لكن رئيس أكبر دولة في العالم يخاف من إسرائيل ومن رئيس وزرائها لأن بإمكانهم إجلاؤه من البيت الأبيض إما بفضيحة كما فعلوا بكلنتون أو بإسقاطه كما فعلوا بأبيه أو باغتياله كما فعلوا بجون كينيدي الذي سيبقى لغز وفاته في غموض لغز ضربة 11 سبتمبر.

 

كتب نيك كوهن Nick Cohen في الأوبزرفر البريطانية أيضا بتاريخ 7/4/2002 مقالا ينتقد فيه علاقة بلير وبوش بعنوان "من لديه صديق كهذا .." والعنوان على نسق مثل إنجليزي يقول "من لديه صديق كهذا لا يكون في حاجة إلى أعداء". تقول العبارة الرئيسية البارزة تحت العنوان "تقوم أمريكا بالتفرقة لكي تسود، وهي سياسة قد تحول الأصدقاء إلى أعداء، بما فيهم بلير أفضل أصدقاء بوش." يقول الكاتب:

(لا أحتاج إلى فطنة شديدة لكي أتكهن بأن توني بلير لن ينفرد ببوش في مزرعته ثم يطلب منه أن يخبره فيما بينهما كرؤساء دول لماذا تتدخل أمريكا في الشرق الأوسط. لا ضرورة للسؤال لأن الإجابة واضحة تماما ولا تستحق الجهد. أمريكا تحافظ على الملوك الأصوليين لأنها تريد نفطهم. اليساريون يرون أن السياسة الأمريكية هي الاستعمار الجديد، ويرى المحافظون الواقعيون أن تلك السياسة هي ما يجب على أي قوة عظمى أن تتبعه للحفاظ على مورد هام.

هذا التفكير المنطقي البسيط يعكره تأييد إسرائيل التي لا تملك نفطا وهي عدوة للعرب المنتجين للنفط. لكن ذلك يمكن تفسيره وتنحيته جانبا كحالة شاذة خلقها النفوذ الهائل للوبي اليهودي في واشنطون. تبقى الصورة الكبيرة واضحة بعد ذلك. لماذا هوجمت أمريكا؟ لماذا ستسوق بريطانيا إلى حرب لا ضرورة لها مع العراق؟ إنه البترول أيها الغبي. أي إنسان يعلم ذلك حتى لو كان له من العقل نصفه.

كما يحدث كثيرا في السياسة الواقعية، تجد أن النقاشات العليمة من الشمال واليمين لا ترتكز على أساس من الواقع. أمريكا تحصل على معظم نفطها من الأمريكتين وكندا والمكسيك وفنزويلا والولايات المتحدة نفسها. لا يأتي من الخليج الفارسي سوى ربع هذا النفط. إذا ما وجدت أمريكا مصدرا آخر للنفط مثل روسيا أو إذا ما تم ترشيد حرقها للطاقة فإنها لا تكون في حاجة إلى الانشغال بالشرق الأوسط. لكن أمريكا لن تنسحب، فواشنطون تود "عدم تشجيع الدول الصناعية المتقدمة على تحدي زعامتنا، بينما نحافظ على سيادة عسكرية قادرة على منع المنافسين من مجرد التطلع إلى دور إقليمي أو عالمي أكبر." ليست هذه الكلمات ثرثرة لنظرية مؤامرة وإنما هي من " دليل تخطيط الدفاع" الذي خطط استراتيجية الدفاع الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لقد تم تسريب مسودته لجريدة النيويورك تايمز في 1992. فزع البيروقراطيون بوزارة الدفاع حينئذ لأن المسودة على حد تعبيرهم لم يتم "تنظيفها". ويقصدون بذلك أن اللغة الصريحة المكتوبة للاستهلاك الخاص لم يتم استبدالها بغطاء من التعبيرات الدالة التي يتم توليفها بحرص لتجنب أي عبارات تبقى في ذهن القارئ. أوضح هذا التسريب بجلاء شديد فكر البعض في مؤسسة واشنطون. إذا لم يسود الاستقرار أمريكا وهذا تعبير لا يبدو مناسبا في هذا الوقت فإن الشرق الأوسط وأوربا واليابان والصين الذين يعتمدون على نفط الخليج بدرجة أكبر قد يتحركون لحماية مصالحهم. ورغم أن تدخلهم قد لا يضايق أمريكا إلا أنهم قد ينمون ويتحولون في المدى البعيد إلى قوى قد تتحدى سلطتها.) يمضي الكاتب في مقاله المطول مضيفا المزيد عن عدم رغبة أمريكا في ظهور قوى عظمى سواها وكيف أنها يمكن أن تنقلب على أصدقائها إذا ما بدرت منهم نية المنافسة إلى أن يختتم مقاله بقوله:

(إن نفس المنطق الذي يستخدمه "دليل تخطيط الدفاع" - لكي يتخيل عالما تلعب فيه أمريكا دور الراشد الوحيد - يسمح بازدواجية المعايير، مما أدى إلى تدمير السلطة الأخلاقية التي اكتسبتها أمريكا بعد 11 سبتمبر. كيف يمكن لأمريكا وبريطانيا إعلان الحرب على العراق لامتلاكها أسلحة

الدمار الشامل بينما لا تقبل أمريكا أي تحكم في أسلحتها النووية والكيميائية والبيولوجية؟ كيف يمكن لأمريكا القول بأن صدام حسين مجرم حرب إذا ما كانت ترفض السلطة القضائية لمحكمة جنائية دولية؟

إن التوتر الذي تخلقه فوضى التفرد الأمريكي يصل أقصاه بين الصفوة العالمية. لا توجد مشكلة لدى زعماء الدول الأوربية فيما يتعلق بالعولمة، لكنهم لا يستسيغون انفراد بوش بفرض تعريفة جمركية على الصلب، وهو أمر يجعل من "السوق الحرة" التي تأمر أمريكا وأوربا دول العالم الثالث بها كلاما فارغا. لقد سعوا جميعا ورجوا أمريكا دون جدوى أن تسمح لهم بدور صغير في "الحرب" على الإرهاب. إن رفض قبولهم يضعهم في نفس الكفة مؤقتا مع فقراء العالم، وهذا قد أدهش الجميع إلى حد ما. إن ما قد يثير القلق الشديد لدى أي صديق لأمريكا هو إصرارها على ألا تترك أي جزء من العالم وشأنه، وكيف أن ذلك قد خلق عداوة لأمريكا، ليس في البلاد الإسلامية فحسب وإنما في مناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية التي لا يعنيها في شيء فقه بن لادن. إذا كنت تحلم بأن الجميع أعداء لك فإن اليوم الذي يصبحون فيه أعداء لك قد يأتي بالفعل.)

 

كتب جورج مونبيوت George Monbiot مقالا في الجارديان بتاريخ 9/4/2002 بعنوان "من البنك الدولي إلى الضفة الغربية" عن جماعات السلام الموجودة بفلسطين ونشأتها وعلاقتها بجماعات الاحتجاج الدولية التي ذاع صيتها في احتجاجات سييتل. إليك ترجمة المقال كاملا:

(يوجد في الضفة الغربية نوعان من الدروع الآدمية، النوع الأول لاإرادي يتمثل في الرهائن التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي، مثله في ذلك مثل بعض المجموعات الإرهابية التي حاربها. يقوم الجنود بدفع الرهائن من الفلسطينيين المدنيين عبر أبواب المباني المشكوك بأمرها فإذا شاء المسلحون الذين قد تأويهم تلك البنايات القتال كان عليهم أولا أن يقتلوا الرهائن.

أما النوع الثاني من الدروع البشرية فهو نوع يضع نفسه في خط النار عامدا. فمنذ بدأت الحملة العسكرية على الضفة الغربية سعى المئات من دعاة السلام الإسرائيليين والنشطاء الأجانب إلى وضع أنفسهم في طريقها. لقد سعى أعضاء جماعة "حركة التضامن العالمية  International Solidarity Movement" إلى حماية المدنيين معرضين أنفسهم لخطر شديد فجعلوا من أنفسهم رهائن. إن في ذلك بيان لشجاعة فائقة وتضحية بالنفس. إنه إحياء جديد لحركة اعتبرت ميتة منذ أشهر قليلة.

إن الحركة التي ينتمي إليها الكثيرون من نشطاء السلام ويخاطرون بحياتهم من أجلها في رام الله وبيت لحم هي حركة بدون اسم. قال عنها البعض أنها حركة مضادة للعولمة أو حركة مضادة للشركات الضخمة أو حركة مضادة للرأسمالية. ولكن أعضاء تلك الحركة جعلوا وضعهم في فئة معينة مستحيلا لأنهم وضعوا الجانب العملي دائما في المقام الأول والجانب النظري في المقام الثاني. فكلما بدا أنهم قد اتخذوا لأنفسهم هوية - يعتقد الآخرون أن بإمكانهم تمييزها - تطوروا إلى شيء آخر. إن هذه الحركة يدفعها نوع جديد من سياسة الاستجابة ولا تحكم الأيديولوجية علمها ومعرفتها وإنما تحكمها الحاجة.

هذا الشيء الذي لا يحمل اسما بدا في أعقاب 11 سبتمبر كما لو كان قد اختفى بنفس السرعة التي ظهر بها. فالمظاهرات الضخمة التي تم التخطيط للقيام بها في واشنطون في نهاية شهر سبتمبر ضد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحولت إلى مسيرة خجولة صغيرة من أجل السلام. انحنى معظم النشطاء الأمريكيين وطأطئوا رؤوسهم أمام المكارثية الجديدة التي سادت الخطاب الأمريكي منذ الهجوم على نيويورك. وقال المعلقون عنهم أنهم ظاهرة مضت وانقضت بعد أن تخللت شباب العالم كموجات طفيفة متتالية مرت ثم عادت.

لكن هؤلاء الذين أهملوا شأنها قد فشلوا في تفهم جدية نواياها ومدى تأييدها. كانت كاميرات التلفاز تركز دائما على بضع مئات من الشباب الثائر في فوضى بملابسهم السوداء، يمتزجون أحيانا مع كرنفال الاحتجاج الأوسع. لكنهم نادرا ما سمحوا لهؤلاء المشتركين بشرح الدافع الذي يحركهم. لذلك فإن معظم من كان خارج تلك الحركة قد فشل في تقدير مدى تفاني وإصرار الكثيرين من المشاركين في تلك الاحتجاجات. إن قدرة تلك الحركة على البقاء تعادل قدرة الحكومات والشركات الكبرى التي تواجهها. وبقاء هذه الحركة يؤكده قدرتها على أن تشكل نفسها بما تمليه الحاجة إليها، ففي الشهر الماضي سافر 250 ألف محتج إلى برشلونه لتحدي الهجوم على قوانين العمل والقطاع العام الذي قاده توني بلير وسيلفيو برلسكوني وجوسي ماريا أزنار. وتحرك جزء منهم هذا الشهر إلى فلسطين ومن بينهم مجموعة بريطانية كان بعض أفرادها قد ساعد في إجراء الحملة ضد نفوذ الشركات الكبرى والهندسة الوراثية وتغير المناخ، وقد لحق بهم هذا الأسبوع أعضاء من المنظمة الإيطالية "يا باستا Ya Basta" التي ساعدت في تنظيم الاحتجاجات في جنوا. إن المنظمة التي بلغت عنفوانها في سييتل وكذلك المشاركون في احتجاجات البنك الدولي والضفة الغربية ينتمون جميعا إلى نفس الأرضية السياسية.

لو كان المحتجون يتحركون كجمع من الدهماء من مكان لآخر لكانت جهودهم عديمة الجدوى، لكن هذه الجماعة التي تزداد خبرتها سريعا قد تلقنت درسا أساسيا هو أن الاحتجاج يكون فعالا عندما يستمر بناؤه فوق خبرة المتخصصين. أصبح الأجانب في الضفة الغربية مرئيين عندما بدءوا ينزفون مثل باقي سكان الأرض ، فقد جرح خمسة بريطانيين من أفراد الحملة برصاص الجيش الإسرائيلي الذي استخدم القذائف الانشطارية المحرمة دوليا. كان بعض هؤلاء الغرباء يعملون هناك منذ عشرات السنين. لذلك فإن من وصلوا حديثا قد وجدوا شبكات مؤسسة انضموا إليها وأطاعوا تعليماتها. وبين الرصاص والجرافات تبينت في تلك الحركة شجاعة كانت متوقعة منذ وقت طويل ولم توضع في محك الاختبار إلا نادرا.

تحرك هؤلاء المحتجين إلى البيوت المهددة من الجيش الإسرائيلي بالتدمير لكي لا يتمكن الجنود من مهاجمة الفلسطينيين دون مهاجمة الأجانب. وجلسوا في سيارات الإسعاف ليأخذوا المرضى والجرحى إلى المستشفى، على أمل الإسراع بتمريرهم من نقاط التفتيش الإسرائيلية ولمنع الجنود من ضربهم. وحاولوا نقل قوافل الطعام والأدوية إلى المناطق المحرومة من الإمدادات. وحاولوا تشجيع الجانبين على وضع السلاح جانبا ومحاولة استخدام الحلول البعيدة عن العنف. لقد أصبحوا نوعا من الأمم المتحدة الأولية يحاولون بإمكانياتهم الضئيلة المحافظة على الوعود التي نكصت عنها حكوماتهم.

ربما كان أهم شيء هو أن دعاة السلام هم الشهود الأجانب الوحيدون في بعض الأماكن التي ارتكبت فيها مجازر. كان لهم الفضل في لفت الأنظار إلى أحداث فاتت معظم الصحفيين وذلك عن طريق شبكات الإعلام البديل مثل إنديميديا Indymedia   وأولسورتس Allsorts  < مواقع على الإنترنيت الموقع الأول منها عنوانه هو http://urbana,indymedia.org/active/news > .

لقد رأوا بأعينهم كيف يعلن الجيش الإسرائيلي عن رفع حظر التجول فإذا ما خرج الفلسطينيون من بيوتهم أطلقوا عليهم النار أو اعتقلوهم لاستخدامهم كدروع بشرية. لقد رأوا التدمير المتعمد لمخزون الناس من الغذاء. لقد رأوا سيارات الإسعاف والإغاثة توقف ثم تداس. لقد شاهد أحد دعاة السلام الجنود الإسرائيليين يوم 28 مارس في سيارات الجيب يصيدون النساء والأطفال الفارين عبر الحقول المتاخمة لرام الله محاولين قتلهم غدرا بالرصاص. وحينما يصبح دعاة السلام الأجانب أنفسهم هدفا للإسرائيليين فيضربون وتطلق عليهم النار فإنهم يجلبون الأخبار إلى بلادهم لمن كان متشككا في صحة ما يحدث للسكان المدنيين المحليين من قتل وإصابات بالعجز.

إن وصول الحركة إلى الضفة الغربية هو تطوير عملي لنشاطاتها في أماكن أخرى. لقد تحدت الحركة السياسات الخارجية المدمرة لأقوى حكومات العالم والفشل الناجم عن قيام المؤسسات متعددة الأطراف بمحاولة احتوائها. يقوم المحتجون بتوجيه خطابهم إلى هؤلاء الذين يمتلكون القوة الحقيقية وهم إسرائيل والحكومات التي تمولها بالمال والسلاح وتسمح لها باحتلال الضفة الغربية، بدلا من ترديد مطالب المعلقين الهادرة العقيمة على جانبي الأطلنطي بضرورة قيام ياسر عرفات بالقضاء على العنف في الشرق الأوسط وهو الرجل الذي لا يستطيع الآن استخدام مرحاض لقضاء الحاجة.

كانت الحركة دائما عملية وواقعية مستعدة للاحتجاج على معاملة بورما Burma   لقبائلها أو سلب الصين لأهل التبت مثلما تحتج على أسلوب صندوق النقد الدولي في التعامل مع الأرجنتين. وفي فلسطين أو في أي مكان آخر تسعى الحركة إلى الوقوف بين القوة الغاشمة والمضارين منها. وبينما تكثر من الجميع الأقوال عن ضرورة قيام جهة ما بعمل ما بخصوص الصراع في الشرق الأوسط، فإن دعاة السلام يقومون بالأفعال.)

 

في تعليق نشرته لوس أنجيليس تايمز Los Angeles Times في 11/4/2002 تحت عنوان  "ربما يصدمنا الانتحاريون المتفجرون لكن الموت في سبيل القضية ليس جديدا"  حاول الكاتب جيمس بنكرتون James Pinkerton فهم ظاهرة الاستشهادي المتفجر فيصف انطباعات الأمريكيين ومحاولة إقحام العامل الديني ثم يتطرق إلى الجانب العملي فيقول:

(بينما يتأمل الأمريكيون جذور الاستشهاد القاتل محاولين البحث عن تفسير يلائم ملاحظاتهم عن الدين وسيكولوجية العالم الثالث يبدو أن الفلسطينيين أقل انشغالا بالإلهام الروحي وأكثر اهتماما بالجانب العملي والابتكار والتجديد العسكري. ويبدو أنهم قد نجحوا.) ويقول الكاتب في موضع آخر:

(إن الحرب منافسة داروينية <نسبة إلى نظرية شارلس دارون عن التطور> في أعتى درجاتها، إما أن تتطور أو أن تخسر. وبينما يحتفظ الفلسطينيون بالانتحاريين المتفجرين في ترسانتهم فإنهم يطورون وسائل تكتيكية جديدة. نسفوا في شهر فبراير الماضي دبابتين إسرائيليتين مستخدمين الألغام وأطلقوا صواريخا شديدة الانفجار على أهداف إسرائيلية. <تجنب الكاتب اليهودي ذكر المستوطنات> وفي الثالث من شهر مارس قام قناص منفرد بقتل 10 إسرائيليين بينهم 7 جنود عند نقطة تفتيش بالضفة الغربية وتمكن من الهرب. وفي يوم الثلاثاء الماضي قتل الفلسطينيون 13 إسرائيلي بالضفة الغربية في كمين للمتفجرات.

ألحق الإسرائيليون بالفلسطينيين خسائر أكبر كثيرا بطبيعة الحال، لكن الفلسطينيين مستعدين على ما يبدو لتحمل أي ثمن بينما يرفعون من الثمن الذي يدفعه عدوهم. إنهم يعتقدون أن الإسرائيليين سوف تجهدهم خسائرهم فيتركون الضفة الغربية عن قريب، ويبدو أن احتمال أنهم على صواب يفوق احتمال الخطأ.)

 

نشرت جريدة إندبندنت The Independent البريطانية في 12/4/2002 مقالا لمراسلها جستن هجلر Justin Huggler  من جنين تحت عنوان " وأخيرا أمكن للعالم أن يلقي نظرة سريعة على دمار معسكر اللاجئين". أقتطف الآتي من تقرير المراسل:

(هنا بين هذا الحطام كان المئات من المدنيين الفلسطينيين المذعورين محبوسين داخل بيوتهم بينما تصب المروحيات الإسرائيلية صواريخها من حولهم. كان الجرحى ينزفون وسيارات الإسعاف ممنوعة من معالجتهم. كان من قبض الإسرائيليون عليهم يجبرون على خلع ملابسهم أمام عائلاتهم. هنا حارب الفلسطينيون لتسعة أيام وليس معهم سوى البنادق. هنا اعترف الجيش الإسرائيلي بقتل مائة فلسطيني. ومن بين البؤس والإذلال والموت في مخيم جنين يقوم الفلسطينيون بصنع معجزة، فقد خرج بالأمس صبي في الثالثة عشر مترنحا من تحت الركام. من المذهل أنه كان واحدا من آخر مجموعة من المحاربين الذين صمدوا ضد المروحيات والدبابات. لقد انتشرت قصته من فلسطيني إلى فلسطيني وكيف أن الصبي ابن الثلاثة عشر كان يحارب لأن أباه قتل وهو يحارب القوات الإسرائيلية عندما دخلت المخيم في شهر مارس وكيف أن الفلسطينيين أخذوا يقذفون الجنود الإسرائيليين بالحجارة عندما نفذت منهم الذخيرة.)

 

بهذا أصل إلى ختام حلقة هذا الأسبوع وأعتذر عن الإطالة. أتوجه بالشكر والعرفان لكل من أرسل رسائل إلكترونية وأعتذر عن الردود الخاصة ، وإلى اللقاء .