خطاب بوش جزء من الحملة الأمريكية الإسرائيلية
على إثر خطاب بوش الأخير الذي طالب فيه
إسرائيل بالانسحاب من المدن الفلسطينية، سألت مذيعة في إحدى القنوات الفضائية
مسؤولا فلسطينيا حول ما إذا لم يكن من الأفضل اغتنام نافذة الأمل الجديدة التي
شرعتها الولايات المتحدة. ورد المسؤول الفلسطيني، كبعض آخر من السلطة الفلسطينية،
بتشريح الخطاب مستأنسا ببعضه ومستوحشا من البعض الآخر. كما كتب أحد المعلقين
العرب، ككثير غيره، عن التناقض في المواقف الأمريكية، تجاه ما سماه بالعدوان غير
المنضبط. حتى العدوان أصبحنا نصنفه إلى منضبط، بماذا؟، وغير منضبط. وتبدو هذه
النزعة التحليلية في تفتيت السياسات الأمريكية إلى أجزاء أنها تقيم تماثلا بين
صناديق الطماطم وبناء السياسات. فكما يستطيع المرء أن يفصل حبات الطماطم الفاسدة
عن السليمة ويختار الأخيرة، فهو قادر أن ينزل سياسات البلدان منزلة الطماطم،
فيقتني الذي في عرفه الأحسن ويطرح الذي في رأيه الأقبح ثم يبني على الأول أراء ومواقف
وسياسات.
وهذا الضرب من رؤية الأمور يربك الفكر ويشوش
الذهن ويحبط الفعل. فكما لا يمكن أن تفهم السياسات معزولة عن مصالح الدولة
الحيوية، بل ينظر إليها كخادمة لها، لا تعدو السياسات أن تكون سلسلة من الأهداف
السابق منها يمد اللاحق بمعين القوة حتى تستقر أسباب النجاح للغاية من متابعتها.
فمن منطلق السياسات حتى غاياتها مسار يفيض بالآليات والأهداف على تناقضها الظاهر
وعلى اختلافها المحير تسويه وتمهده.
وقد قادت هذه النظرة التجزيئية إلى تكوين
الانطباع عن السياسات الأمريكية أنها متناقضة، وإلى تصوير الآراء المتنوعة داخل
الحكومة الأمريكية على أنها متوازية لا تلتقي. بل أن هذه المبالغة في تصوير
التوازي شملت حتى وقت قريب موقفي شارون وبيريس، حيث أصمت آذاننا دعاوى البعض عن
الافتراق بينهما. ولا غرو أنه لا يمكن لحصيف أن ينفي التنوع داخل الحكومات حول سبل
ومناهج تحقيق السياسات، بل وأحيانا الاختلاف في الرأي حول السياسات نفسها. لكن
الأخيرة تمتنع على الاستمرار وتستعصي على البقاء، لأن من يخالف جوهر السياسة
الحكومية لا يتخيل إمكان استمراره في أداء مهامه، فمصيره الإختفاء القسري في
البلدان المستبدة، أو الطوعي في البلدان الديمقراطية. وهناك شواهد كثيرة على
الأمرين من مختلف بلدان العالم. ففي بريطانيا هدد مؤخرا بعض المسؤولين في
الاستقالة إن سارت الحكومة قدما في مخططها للمشاركة مع أمريكا في عدوانها على
العراق.
وقد يلجأ البعض إلى مثل هذه التجزئة في
تصريحات المسؤولين من البلدان الأخرى لأسباب اللياقة الدبلوماسية، لكن ذلك وإن كان
يمنح فاعلها وسام الحصافة الدبلوماسية، غير أن أخطاره ما بعد ذلك كثيرة. فهو
مساهمة في تضليل الناس، وإرباك حركتهم أثناء الأزمات. بل وقد يؤدي، إدراكا أو غفلة،
إلى بناء السياسات على هذه التصورات التجزيئية يفاقمها وطأة الضغوط التي تطالب
بالتسلل إلى الجحور المفتوحة مداخلها اقتناصا للفرص كما فعلت المذيعة البريئة،
وكما يفعل أهل الحكم غير الأبرياء.
فخطاب بوش، ككل خطاباته، له سياق، وليس منبت
الصلة عن نهج أمريكي متواصل، ولا يمكن فصله عما تريده الحكومة الأمريكية الحالية.
فهذه الحكومة، كما يعرف القاصي والداني لكثرة ما رددت وشدة ما أكدت وهول ما فعلت،
أعدت خططا لمرحلة حربها الثانية، وهي ضرب العراق. وقد أبانت زيارة تشيني الأخيرة
لها عن مدى رعب النظام العربي من مثل هذه الضربة في أجواء الانتفاضة الفلسطينية،
وبدا للأمريكان أن لا سبيل إلى ما يريدون دون إسكات هذا الصوت الذي تتردد أصدائه
في كل الوديان والصحارى العربية. ولأن هناك عجلة على القيام بالمرحلة الثانية من
الحرب، وخوفا من آثار الانتفاضة على المنطقة، كان من غير المقبول لدى الأمريكان
اتخاذ نهج المفاوضات يعزز ذلك عوامل ثلاث. أولها، أن هذا النهج يحتاج وقتا حتى
يعطي أكله في التهدئة المطلوبة حيث أن الشارع الفلسطيني انطلق من عقاله ولم يعد
أسيرا لمقولات أوسلو. ثانيها، أن في إسرائيل حكومة صعب قيادتها نحو اتباع هذا
السبيل، لأنها تؤمن إيمانا راسخا بعدم جدواه، وعقلانية نقيضه. وثالثها، أن الحكومة
الأمريكية نفسها تقف على يمين شارون في قناعتها بأن الحرب هي الطريق الأقوم
والمنهج الأمثل لحل المشاكل. وحينما أذنت لشارون ببدء حربه، فهي كانت تعلم جيدا أنه سيفعل ما فعلته في
أفغانستان من تخريب وتدمير، وكانت تأمل في أن يحقق ما أنجزته حملتها من فرض هدوء
ينصرف فيه الناس إلى مداواة جروحهم، وينطوون على خيبتهم من إخوانهم وإحباطهم من
صمت العالم على مأساتهم، وإقناع القيادة الحالية أن تسرع إلى إمضاء ما يرون، أو
إلى خلق قيادة جديدة، إن أبت الحالية، تلبس لبوس كرزاي.
وخطاب بوش كان الجزرة الصغيرة في الوقت الذي
تنزل فيه الهراوة الكبيرة على الجسد الفلسطيني، كمخرج للقيادة الفلسطينية الحالية
أو الجديدة كي تمضي ما يريدون، مهما كان موقتا، فهم يحتاجون إلى الوقت للمضي فيما
أعدوه. بل هذا يفسر السماح الأمريكي الإسرائيلي لزيني لزيارة القيادة الفلسطينية، ومنع الوفد الأوروبي من مثل تلك الزيارة.
لأن زيني يتحرك في نطاق الحملة الأمريكية الإسرائيلية، والوفد الأوروبي لا يتحرك
تماما داخلها وإن كان لا يفعل شيئا حقيقيا في مواجهتها. بل أن منع الوفد الأوروبي
والسماح لزيني هو رسالة في غاية الوضوح للقيادة الفلسطينية أن ليس هناك بدائل غير
ما يريد الأمريكان والإسرائيليون. كما تندرج زيارة باول في إطار الحملة الأمريكية
الإسرائيلية. فهو يقدم للتعرف مباشرة على آثارها المباشرة ولاستكمال ما قام به
تشيني وما يقوم به شارون.
ولذلك، فمن العبث ومن الخطر أن تخلق الحدود
الزائفة، وأن يصطنع الاختلاف بين ما تسعى إليه الولايات المتحدة وما تحث الخطى
إليه إسرائيل. فمآل مثل هذا التفريق أن يخفي الترابط العضوي بين الجانبين، وأن
يعمي على التواصل بين ما تقوم به إسرائيل وما تعد له أمريكا. فهل يعقل أحد أن يقال
أن أمريكا أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل لتبدأ مجازرها، ثم يردف ذلك بالقول أن
أمريكا تعجز بشكل معيب ومشين أن تفرض عليها إيقافها والانسحاب إلى خارج المدن
الفلسطينية. فالمعيب حقا أن لا يرى ذلك في إطار الحملة الأمريكية، والمشين حقا أن
يصور البعض أن أمريكا يمكن أن تجعل حربها للهيمنة على العالم رهينة بأفعال شارون
أو إسرائيل أو اللوبي اليهودي. صحيح أن ما يقوم به شارون قد يقود إلى ما ليس من
مصلحة أمريكا، ولكن ذلك قرار أمريكي بقضه وقضيضه، نتائجه يعكس رؤيتها للأوضاع
ويعبر عن إدراكها لكيفية مقاربة الأوضاع. فإن أخطأت إسرائيل لا يبرئ ذلك الولايات
المتحدة، ولن تهون حماقة إسرائيل جنون الإدارة الأمريكية. ولا يظنن أحد أن تلك
المسؤولية تحددها الأسلحة الأمريكية التي تستخدمها إسرائيل في جرائمها، أو الدعم
المالي أو السياسي أو الدبلوماسي، فكل هذه وإن كانت تجرم الحكومة الأمريكية بحد
ذاتها، ولكن المسؤولية تتعين من المشاركة المباشرة في قرار ما يرتكب من جرائم في
المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.
لكن ما يزيد من بشاعة هذه الجرائم أنها تمهد
لجرائم أفظع سترتكب بحق شعب عربي آخر.
-----------------------------------------------