الصهيونية والصليبية والوكلاء

 

 

 بقلم : الدكتور إبراهيم المقادمة

 

 حدثني أبى - رحمه الله - عندما كنت صغيراَ أنه كان يملك كرماً صغيراً من كروم العنب و لم يكن متفرغاً له كل التفرغ حيث كان يعمل في مجال آخر و يذهب للكرم في أيام متباعدة وفقاً لما يتطلبه الكرم من مجهود بسيط ، و وجد أن الكرم يسرق منه العنب في كل يوم تقريباً فاضطر لأن يقوم بحراسته و لو يوماً واحداً على الأقل ، فكمن بنبوته تحت دالية كثيفة الأوراق بحيث لا يراه أحد . و بينما كان ينتظر بفارغ الصبر ظهور اللصوص إذا باثنين منهم قادمين ، قال أحدها للآخر : "إن قلبي يحدثني أن الأمر غير طبيعي" ، فرد عليه الآخر : "و لا يهمك ، كل يوم نأتي إلى هنا و ليس هناك أحد فنسرق ما نشاء" ، و كان هذا اعترافاً دامغاً بأنهما اللصان المطلوبان ، انتظر أبى حتى دخل أحدهما إلى الكرم بينما ظل الآخر يراقب الطريق و ما إن بدأ اللص بقطف قطوف العنب حتى هب له والدي بالنبوت فأشبعه ضرباً و فر تجاه الآخر و أبي يلاحقه فتدخل الآخر بحجة أنه مصلح أو كما يسميه الفلاحون حجاز أو ( حمَاش) و كأنه عابر سبيل ، كان الأول قد أفلت فانهال أبي ضرباً على الآخر بكل قوته حتى فر و لحق بصاحبه و لم  يعد الكرم يسرق بعد ذلك اليوم .

أسوق هذه القصة من تجربة الوالد - رحمه الله – و حكمته التي تعلمها من واقع الحياة بالممارسة لأنها تصلح للاستدلال بها في عالم السياسة و سوف نرى بعد قليل ترجمة هذه القصة سياسياً .

 

الكيان الصهيوني يمتلك قوة عسكرية هائلة دون شك أرهبت كل الأنظمة العربية المتهالكة التي لم تسع يوماً لمصلحة شعوبها و تمتين جيوشها بحيث تواجه الكيان ، و الكيان يحتل أرض فلسطين كاملة و الشعب الفلسطيني شعب حي تسري في عروقه الآن حالة جهادية نادرة استطاع أن يضرب الكيان في مقتل و أن يجعله يعيش في رعب مستمر ، و قد أعيت الحيل الكيان الصهيوني في اختيار الأسلوب الملائم لمواجهة جهاد شعب فلسطين ، استعملت كل الوسائل و لكنها لم تجد فتيلاً أمام إصرار هذا الشعب المتعطش للحرية ، فهي تقمع الشعب بعنف و بقسوة عجيبة و لكن الشعب يتحمل ذلك و يرد الصاع صاعين ، يقصف المدنيين بطائراته و دباباته و حتى سفنه الحربية فيرد الشعب الفلسطيني بعمليات استشهادية تعدل الميزان و تصدر الرعب إلى الأعداء فبينما ترتفع الروح المعنوية للفلسطينيين و أمام كل قمع صهيوني جديد يولد استشهاديون جدد و هكذا تدور عجلة  المقاومة .

فكرت الصهيونية و باتفاق كامل مع الصليبيين الأمريكان و الإنجليز في نفس الخطة التي فكر فيها اللصان تماماً . الكيان الصهيوني يعرف أنه يستطيع اجتياح الضفة و القطاع في أيام قلائل من خلال تفوقها العسكري و لكنه لا يخشى هذه الأيام و إنما يخشى ما بعدها من أن يتحول جنوده المحتلون إلى صيد سهل للمقاومين المجاهدين ، و هذا في الأصل هو السبب الرئيسي الذي جعل الكيان الصهيوني في الماضي يلجأ إلى خيار أوسلو ليفر من جحيم المقاومة التي كان يبديها الفلسطينيون و التي جعلت رابين ذات مرة يحلم أن يصحو من نومه فيجد قطاع غزة و قد ابتلعه البحر . جرب الكيان الصهيوني اجتياح بعض المناطق ليوم أو بعض يوم و أوقع العديد من الخسائر في المدنيين و لكنه لم يقض على المقاومة بل زادت المقاومة اشتعالاً ، و رأى الفلسطينيون أن انسحاب الاحتلال الصهيوني السريع هو علامة ضعف فزادوا من ضرباتهم ، أراد الاحتلال الصهيوني هذه المرة اجتياح الضفة و القطاع لعدة أسابيع كما يقول شارون و ابن أليعازر للقضاء على المقاومة التي يسمونها (إرهاباً) كعادتهم عبر التاريخ في تزييف الحقائق ، كيف لا و قد حرفوا كتاب الله من بعد ما عقلوه و هم يعلمون ، لكنهم يعرفون سلفاً أنهم سيكسبون الضربة الأولى و لكن جنودهم لن ينزلوا من دباباتهم لأنهم إذا نزلوا فإن الموت يربض لهم في كل زقاق من أزقة الضفة و القطاع ، و ستبدأ مقاومة عنيفة لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل و سيضطرون إلى الانسحاب صاغرين ، و هنا يأتي دور أمريكا و بريطانيا الصليبيتين ، تتدخل أمريكا و بريطانيا لتضغط على الكيان الصهيوني من أجل الانسحاب فينسحب الاحتلال في الوقت الذي يناسبه و كأنه استجاب للضغط الأمريكي و البريطاني و ليس أمام ضربات المجاهدين ، و طبعاً تسعى أمريكا إلى الوصول إلى حل سياسي من خلال تفوق صهيوني يفرض فيه على الطرف الفلسطيني قيوداً  قاسية  تكرس الاحتلال ، أليست هذه التمثيلية تشبه قصة والدي إلى حد بعيد ؟ الكيان الصهيوني هو اللص الذي دخل الكرم و أمريكا و بريطانيا  هما اللص الذي وقف يراقب الطريق و يتدخل في اللحظة المناسبة كحكم و راعٍ لعملية التسوية . و لكن تنقص القصة حكمة والدي و ربما أكثر تحديداً قدرته على مواجهة اللصين و عزمه في ضربهما و قد كان رجلاً شرساً ، رحمه الله .

من الذي أوجد دولة الكيان الصهيوني غير بريطانيا أولاً ثم أمريكا ثانياً ؟ و من الذي يزود الكيان بالسلاح المتطور حتى يضمن تفوقه على كل الأنظمة العربية غير بريطانيا أولاً ثم أمريكا ثانياً ؟ من الذي يرعى الكيان الصهيوني سياسياً فيستخدم الفيتو باستمرار في كل مرة تفتضح فيها السياسة ؟ إنها نفس اللعبة تماماً ، فأمريكا و بريطانيا شريكتان رئيسيتان في جريمة اغتصاب فلسطين و تدخلهما دوماً فيه ، الخسارة كل الخسارة للشعب الفلسطيني و القضية الفلسطينية و أسوأ ما في تاريخنا الحديث أن أمتنا ركنت بعجزها إلى بريطانيا أولاً ثم إلى أمريكا ثانياً لحل قضاياها .. و كيف تحل هاتان المجرمتان مشاكل أمتنا و هما سبب وجود هذه المشاكل . أضفت في العنوان الصهيونية و الصليبية و الوكلاء فما دور هؤلاء الوكلاء ؟ إن الأنظمة القمعية القائمة في الوطن العربي و الإسلامي شريكة كاملة في ضياع فلسطين ، فهي التي منعت شعوبها الإسلامية من المشاركة بكل قوة في الدفاع عن فلسطين قبل ضياعها و منعتها من المشاركة في التحرير من بعد الضياع و اكتفت بعبارات الشجب و الاستنكار و قمعت كل محاولة لتحريك الشارع العربي و الإسلامي بقسوة لا مثيل لها … و ليس أدل على ذلك من قمع هذه الأنظمة لمظاهرات التضامن التي تقوم بها الشعوب العربية و الإسلامية مع الشعب الفلسطيني . فقد أسقط في أيدي هذه الأنظمة و انكشفت سوأتها في الآونة الأخيرة كما لم تكشف من قبل ، و هنا يأتي التدخل الأمريكي في الوقت المناسب ليضرب عصفورين بحجر ليخرج الكيان الصهيوني بكرامته من الضفة و القطاع و بحلول في صالحه و لينقذ هذه الأنظمة المتهالكة من غضبة الجماهير فطالبت أمريكا بالانسحاب الصهيوني و لوحت باسم الدولة الفلسطينية و هو أمر مبهم لا حدود له و لا شكل و يحتاج إلى عشرات السنوات من المفاوضات تكون دولة الاحتلال الصهيوني خلالها قد استولت على كل شئ في الضفة و غزة و لذلك سارع العديد من الوكلاء (الأنظمة) إلى الترحيب بكلام بوش و كلام باول حول الانسحاب الصهيوني الفوري .

و لكن في الحقيقة إذا أفلحت هذه الخطة الخبيثة الآن فإنها لن تفلح إلى الأبد ، فقد اختزنت الشعوب العربية و الإسلامية مرارةً و غيظاً سينفجر يوماً ليكون ناراً تحرق الصهاينة و الصليبيين و الوكلاء معاً . أمريكا سارعت إلى طلب الانسحاب الفوري و لكن دولة الاحتلال الصهيوني كما هي عادتها ستستغل كل دقيقة لفرض حقائق جديدة على الأرض ، استغلت ذلك في عام 48 حين استغلت الهدنة الأولى لترتيب وضعها و الاستعداد لاحتلال أراضٍ جديدة . و استخدمت ذلك أيضا في حرب أكتوبر ، استمرت في القتال بعد أن وافقت على وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر و استمرت بعد التوقيع و احتلت مناطق شاسعة غرب قناة السويس لتستغلها في المساومات السياسية فيما بعد ، سيحاول الكيان الصهيوني الضغط في هذه الأيام بأقصى قوة حتى يفاوض في المستقبل من أجل الحصول على تنازلات أكبر .

هذه هي الصورة على حقيقتها و حلها واضح لكل ذي عينين ، علينا الاستمرار في المقاومة و ألا نستجيب للضغط مهما كان قوياً ، فإن المستقبل لنا و لن يستطيع الكيان الصهيوني أن يسير جنوده في دوريات كما كانت في السابق ، و الشجاعة صبر ساعة كما يقولون . لا بد أن نصبر و نصبر و نصبر حتى نحوّل توازن الرعب في صالحنا بإذن الله . نحن في أمس الحاجة الآن إلى رفض كل المبادرات و الاستمرار في المقاومة ، و يوم تفوّقنا قادم بإذن الله "يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا  و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون" .