حرب الوجود تستدعي الشمولية

 

 

 

 بقلم : الاستاذ إبراهيم أبو الهيجاء

 

(1)

 

السؤال المنطقي الأسبق لما يحدث ، لماذا تمهل شارون كل هذا الوقت حتى يصل إلى لحظة العداء السافرة و الإعدامات الحية التي تمارس الآن في مدن و قرى فلسطين و تحديدا في رام الله ؟ و كيف يمكن أن يصل الأميركان إلى مثل هذه الوقاحة في تبرير المجازر الصهيونية ؟ إذن ثمة معادلة جديدة يجب فهمها و الوقوف عندها ، و برأينا أن هناك ثلاثة أسباب تقف خلف تمهل شارون سابقا و محاولة الأميركان لجم شارون ظاهريا من قبل:

 

الأول : منح المجتمع الصهيوني فرصة لالتقاط أنفاسه و ترتيب أوراقه بعد ضربات المقاومة الموجعة التي سيطرت عمليا على زمام الموقف و لا زالت صاحبة مبادرة و فاعلية رغم إجراءات الحصار و القمع و المتلاحقة ، بل إن الأهم أن تلك المقاومة أصبحت متطورة بأساليبها و يشترك في تأديتها الجميع ، و لم يعد العمق الصهيوني يعني لهم شيئا ، و حتى الروح الاستشهادية أصبح الجميع يتمتع بها إسلاميون و وطنيون ، إذن الكيان الصهيوني في ورطة حقيقة و وصل مجتمعها إلى أزمة لم يعرفها فعلا في تاريخه ، فالانتفاضة وضعته أمام خيارات محدودة ، و لتوفير فرصة لالتقاط أنفاسه و منح شارون شيئا ليقوله ، استدعى زيني على عجل بل أعلن صهيونيا و فجأة  التخلي عن شروط  الهدوء السبعة .

 

الثاني : أما السبب الثاني للتمهل الصهيوني فهو تأمين التغطية اللازمة لجولة تشيني التي تستهدف بشكل رئيس  الحصول على الصمت  العربي الرسمي  لضرب العراق ، و مهمة زيني أيضا جاءت لتساعد تشيني في مهمته ، أو بالأحرى ليتمكن من الكذب و يرسل رسالتين (الأولى) للعرب بأن الأميركان   جادون في التحرك للجم شارون ، و حاولوا إتمام المشهد من خلال دغدغة عواطفنا  بقرار من مجلس الأمن التجميلي الذي لا يحمل سوى الجديد من  الكلمات الإبداعية و العموميات السياسية مثل (دولة فلسطينية قابلة للحياة) ، و الرسالة (الثانية) هي للعرب الرسميين تحمل مضمون الصفقة المعروضة   أميريكيا (و هي وافقوا على ضرب العراق ، نضمن لكم تهدئة الموقف فلسطينيا) .

 

الثالث : الهدف الثالث من تمهل شارون السابق ، هو مواجهة المبادرة السعودية سياسيا ، فرغم كوننا ندرك أن هذه المبادرة خطيرة و تمنح الكيان الصهيوني صيغة تستطيع استثمارها مستقبلا ،  كما أنها لا تليق برد عربي رسمي على الدم الفلسطيني النازف ، إلا أن شارون (برأينا) صاحب الأحلام التوراتية الكاذبة لا يستطيع الموافقة عليها ، و إنما هو اضطر في البداية فقط للتعاطي معها كعلاقات عامة ، أما التشجيع الأمريكي لها فهو نابع أيضا من سبب مصلحي آنيّ غير جدي كون الأميركان ليسوا على استعداد للخوض أو التورط بحلول على المسار الفلسطيني قبل ترتيب المنطقة و ضرب العراق ، لأن ما يهدفون إليه هو فرض اتفاق من واقع هزيمتنا و ليس من شعور القوة المحصلة عندنا بفعل ما جرى في لبنان أو ما يجري في ظل الانتفاضة الحالية ، ناهيك عن إدراكهم أن اليمين الحاكم الصهيوني لا يستطيع تمرير المبادرة ، فلماذا الدخول في لعبة خاسرة أصلا ؟ كما أن الأميركان فعلا لا يملكون بديلا مرضيا عنه من الطرفين ، و الدليل على ذلك أن مهمة زيني رغم ما قيل عنها من تفويض رئاسي إلا أنها لم تتعدى حتى اللحظة الدور الأمني ، و حتى تقرير ميتشيل الذي يحمل مضمونا سياسيا استبعد تماما من الحوار و بقي زيني متمسك بتطبيق وثيقة تبنيت ، بل حاول أن يعدل الشروط الأمنية بشروط إضافية – و أيضا هي أمنية - ..

 

(2)

 

جملة الأهداف الثلاثة (برأينا) لم تتحقق حتى قبل عملية (نتانيا) النوعية ، فزيني لم يستطع جر الفلسطينيين لنقاش أمني ، و الهدوء الذي حاول الحصول عليه دون ثمن لم يأخذه ، أما جولة تشيني فكانت بالفعل مخيبة للأميركان ، و حتى  موافقة الرسميين العرب المعطاة لتشيني من بعضهم كانت خجولة و مترددة و أتبعت بسيل من التحذيرات ، أما المبادرة السعودية فقد وضعت التحرك الأميركي على المحك السياسي ، و كذلك وضعت شارون في ذات  الوضعية للأسباب آنفة الذكر ، إذن باختصار مجمل الحسابات الأميركية و من خلفها دولة الكيان الصهيوني فشلت تماما ، مما يعني أن الأمور ستؤول إلى  أمرين عاجلين :

 

الأول : إمكانية سقوط شارون سياسيا بعد أن سقط أمنيا ، و لذا لابد من قيامه بخطوة تنقذه من السقوط .

 

الثاني : إمكانية فشل المشروع الأمريكي الجديد لضرب العراق تحت مسمى الإرهاب خاصة بعد الأجواء الإيجابية التي شهدتها القمة ما بين الكويت و العراق من جهة ، و ما بين العراق و السعودية من جهة أخرى ، إذن لابد من التحرك أميركيا لإنقاذ حربها من خلال إجبار العرب الرسميين على الصفقة و المفاضلة ما بين العراق أو فلسطين بواسطة الضغط عليهم بالقمع الصهيوني و وضعهم في معادلة الحرج .

تضافر مع هذين الأمرين إدراك الكيان الصهيوني و الأميركان ما يلي :

 

1 - ضعف المستوى الرسمي لدرجة المهزلة رغم حجم منسوب الدم الفلسطيني المتصاعد .

 

2 - فقدان أو عدم رغبة المستوى الرسمي الفلسطيني في السيطرة على الانتفاضة ، ناهيك أن المقاومة أصبحت خيار الإجماع فلسطيني ، كما أن حجم الدم الفلسطيني من الاستحالة تجاوزه أو التحايل عليه الآن .

 

3 - انكشاف اللعبة الأمريكية - الصهيونية أمام وعي الجماهير العربية و الإسلامية بعد وضوح معطيات الصفقة و إدراك ما يرمون إليه مستقبلا .

 

(3)

 

بعد جملة المعطيات آنفة الذكر لم يعد هناك خيار من التحرك الصهيوني العسكري مدعوما بكل هذه الوقاحة الأمريكية لفرض الهدوء (أولاً) و تفكيك بنى المقاومة (ثانيا) و التوهم (ثالثا) أنهم بذلك يستطيعون إركاع الشعب الفلسطيني و الحصول على اتفاق استسلامي من واقع الهزيمة، و التوهم (رابعا) أنهم بذلك يستطيعون تمرير ضرب العراق بعد تهدئة الموقف فلسطينيا .

أمام مخطط التحرك الأمريكي - الصهيوني للحصول على استسلام فلسطيني أو القبول بضرب العراق أو كليهما بصيغة لجم لشارون مع تمرير لضرب العراق ، يجب التحرك و بشكل عاجل على ثلاثة صعد :

 

1 - تكثيف عمليات العمق و الضرب بكل مكان و إعلان النفير الشمولي من الجميع ، و وضع كل الإمكانيات العسكرية بين أيدي من يستطيع المقاومة .

 

2 - تحرك شمولي شعبي في الدول العربية لا يهدأ - و تحديدا في دول الطوق - بهدف تغييري جذري أو إجبار العرب الرسميين على اتخاذ خطوات أكثر عملية .

 

3 - فتح ما أمكن من جبهات على الكيان الصهيوني من الخارج للتخفيف على الفلسطينيين ، و من أراد فعلا إسناد الشعب الفلسطيني في وقت شدته فهذا وقته .... و إن لم يكن الآن فمتى ؟!! .

 

(4)

 

بذلك يفشل المخطط الأميركي - الصهيوني الأخطر ليس فقط على انتفاضتنا ، لأن المستهدف أصلا هو المنطقة و كل القوى الحرة أو تلك المتمردة على الهيمنة الأميركية أو حتى تلك المحايدة عنها ، و الانتفاضة يعود لها الفضل بحماية كل أولئك من الاغتيال أو الاستهداف بسبب تأججها، مما أدى إلى إرباك المنطقة و تشويش التحرك الأمريكي ، و لذا كانت الحاجة لوقفها بالجزرة أو بالشدة،  ونحن على يقين من أنه إذا قدر للانتفاضة أن تصمد أمام أعتى هجمة صهيونية - أمريكية ، فنحن واثقون (أولا) من انسحاب صهيوني عاجل أو تراجع انهزامي بشكل أو بآخر، و(ثانيا) من تغير جلّي للمنطقة العربية و الإسلامية بحيث تتحقق إرادة الشعوب و كلمتها ، باختصار نحن على بعد ميل من النصر و لكن مقومات النصر تستدعي الآن المقاومة الشمولية – و نحن بتنا نملكها – و لكن اشتداد الأزمة و قوتها هو دليل على وصول القوة الصهيونية لنهايتها ، و من وصلت قوته إلى نهايتها فتأكد أنه  وصل إلى نهاية معركته ، و شعبنا الذي أثبت حتى اللحظة صلابته قادر على تجاوز المحنة و توجيه الضربات المؤلمة إلى الكيان الصهيوني ، يثبت كل يوم  أنه جدير بالنصر في هذه المعركة ، لأننا شعب وصل قمة إلى إدراكه و باتت تجاربه غنية و لن ينطلي عليه خداع أو أكاذيب أو أوهام جديدة ، و الأهم أنه شعب لن يستسلم مهما بلغ حجم الدموية الصهيونية ... و الأيام دول .