هاربون من الحقيقة

 

 

بقلم : الشيخ رائد صلاح *

 

إن أخشى ما أخشاه أن حكومة شارون تعمل على أكثر من محور تصب في نهاية الأمر في مشروع الترحيل ! فهي من جهة تمعن في المجازر والإعدامات !! وهي من جهة ثانية بدأت ترحل غير المرغوب بهم من شعبنا الفلسطيني من الضفة الغربية إلى قطاع غزة !! لذلك فأنا أتساءل : أليس هذا ترحيل ؟! ثم هل هذا يعني أن حكومة شارون تخطط لحصر السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ؟! ثم ضم الضفة الغربية إلى الأردن تحت شعار الكنفدرالية الأردنية الفلسطينية ؟!

هكذا أصبحنا في هذه الأيام هاربين من الحقيقة !! نحن كأمة إسلامية هاربون من الحقيقة !! بل ندع أنفسنا كحكام ثم نخدع غيرنا !! ونخدع كشعوب ثم نخدع غيرنا !! نحن باختصار .... المليار ونصف المليار الهاربون من الحقيقة !!لماذا ؟ هناك مجموعة أسباب :

1-  حاول حكام العالم العربي أن يظهروا لنا انهم ضغطوا لحفظ حياة الرئيس ياسر عرفات وهو تحت الحصار !! ولأنهم ضغطوا على ( شارون وبيرس وبين العيزر وموفاز ) فها هو الرئيس عرفات بألف خير !! والويل ثم الويل لو لم يضغطوا !! لو لم يضغطوا لأصبحت حياة الرئيس عرفات في خطر !! ومع حرص الجميع على حياة الرئيس عرفات إلا أن أمريكا استغلت هذا الموقف وبدأت تعلن أنها تضمن حياة الرئيس عرفات وعدم المس به !! وكذلك حكومة شارون استغلت هذا الموقف وراحت تؤكد أنها لن تمس الرئيس عرفات بأي سوء !! ولكن في المقابل ها هي المجازر والإعدامات الجماعية الميدانية تتواصل على شعبنا الفلسطيني !! نعم هكذا أرادت أمريكا وإسرائيل أن تستغل حديثها عن عدم المس بالرئيس عرفات للإمعان في قتل شعبنا الفلسطيني !! ولي أن أتساءل عن أولئك الحكام الهاربين من الحقيقة الذين أوهمونا أنهم بفضل ضغطهم على حكومة شارون ها هو ( أبو عمار ) بألف خير !! لي أن أسأل أولئك الحكام : لماذا لا تمارسون الضغط على حكومة شارون لحقن دماء الشعب الفلسطيني ؟! أم إنكم لا تملكون ذلك ولا تستطيعون ذلك ؟! حقيقة أنكم لا تقدرون على ذلك وواقع الحال يغني عن المقال !! إذا يا حبذا لو صارحتم أنفسكم ثم صارحتم شعوبكم بذلك !! كفاكم هروبا من الحقيقة !! إنكم لا تملكون أي دور جاد لحقن دماء شعبنا الفلسطيني ولو عقدتم ألف مؤتمر قمة عربي وألف مؤتمر صحفي !!

2-  ما زال بعض الحكام يوهموننا أنهم قد بادروا إلى إتخاذ خطوات جريئة وغير مسبوقة لردع حكومة شارون بهدف إيقاف المجازر التي ترتكبها بحق شعبنا الفلسطيني !! فها هو الوزير الأردني " مروان المعشر " قد أعلن عبر الفضائيات العربية انه قد استدعى السفير الإسرائيلي في عمان وسأله عما يدور في الأراضي الفلسطينية بل وحمله رسالة إلى حكومة شارون !! وها هو غير " الوزير المعشر " يصرح أنهم قد يضطرون إلى استدعاء سفير أو طرد سفير أو إغلاق مكاتب وما إلى ذلك !!! ولكني أقولها بصراحة أن كل ذلك لن يحقن قطرة دم فلسطينية !! لو طرد سفراء وأغلقت مكاتب سفراء ثم بقيت الأنظمة العربية والإسلامية على ما هي عليه من حال استرخاء بين النوم واليقظة وبين الصمت والهمس ، لو طرد ألف سفير وهم على هذا الحال معنى ذلك انهم يستغلون مشهد طرد السفراء لإسكات الغضب الإسلامي والعربي وايهام الشعوب انهم لا يرضون عن المجازر التي ترتكب بحق شعبنا الفلسطيني !! فمعنى ذلك أنهم يحاولون أن يخدعوا أنفسهم ثم يخدعوا شعوبهم !! معنى ذلك أنهم هاربون من الحقيقة !! وكفاهم هروبا من الحقيقة .

3-  وأخيرا سمحت بعض الأنظمة العربية لشعوبها أن تنظم المسيرات والمظاهرات !! فها هي مظاهرات مئات الآلاف في أكثر من قطر عربي !! لا بل إن بعض الرؤساء العرب تبرع من نفسه أن يقود هذه المظاهرات !! ولكن ثم ماذا ؟! إذا كان الجواب ثم لا شيء فمعنى ذلك أن الحكام قد سمحوا بتنظيم هذه المسيرات والمظاهرات لإسكات الغضب الإسلامي والعربي ليس إلا !! معنى ذلك أن ألف مسيرة وألف مظاهرة ولو كانت بالملايين لن تحقن قطرة دم فلسطينية !! بمعنى أن المظاهرات والمسيرات وان سارت في شوارع كل العواصم العربية والإسلامية  وظلت الأنظمة على ما هي عليه من حال استرخاء وهزل ولا مبالاة فان الأنظمة تعمل من خلال ذلك على خداع نفسها ثم خداعنا ثم الهروب من الحقيقة .

4-  قد يقول قائل : ما المطلوب ؟! أنا بدوري أقول أن طرد سفراء وإغلاق مكاتب وتنظيم مسيرات ومظاهرات ستكون لها قيمة بشرط أن تدعو الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي إلى بناء قوة حفظ سلام إسلامية عربية لحقن دماء شعبنا الفلسطيني !!!! وان تتحول هذه المسيرات والمظاهرات إلى أداة ضغط لا تتوقف على الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي حتى تبادر فعلا وعملا إلى بناء قوة السلام الإسلامية العربية !! وإلا ستبقى المجازر مستمرة وسنبقى هاربين من الحقيقة !!وعندها ستخدع الشعوب نفسها وستصبح هي كحكامها هاربة من الحقيقة كذلك .

5-  لقد بادرت بعض الأنظمة العربية إلى إجراءات جديدة أو تصريحات شديدة !! فها هي الأردن تعلن عن إغلاق كل الجسور التي تربطها مع السلطة الفلسطينية !! بمعنى أنها ترفض استقبال أي فلسطيني إذا ما بادرت حكومة شارون إلى ترحيل شعبنا الفلسطيني !! وها هي الحكومة المصرية تهدد أنها لن تلتزم الصمت إذا ما وقعت محاولات ترحيل لشعبنا الفلسطيني !! وهنا أؤكد وأقول : أن أخشى ما أخشاه أن حكومة شارون تعمل على أكثر من محور تصب في نهاية الأمر في مشروع الترحيل !! فهي من جهة تمعن في المجازر والإعدامات !! وهي من جهة ثانية بدأت ترحل غير المرغوب بهم من شعبنا الفلسطيني من الضفة الغربية إلى قطاع غزة !! لذلك فأنا أتساءل : أليس هذا ترحيل ؟! ثم هل هذا يعني أن حكومة شارون تخطط لحصر السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ؟! ثم ضم الضفة الغربية إلى الأردن تحت شعار الكنفدرالية الأردنية الفلسطينية ؟!

6-  ثم إنني أتساءل بصراحة : أين هم الذين نظروا فيما مضى لإتفاقيات مدريد وأوسلو وواي – ريفر وكامب – ديفد الأخير ؟! أين هم الذين منوا الشعب الفلسطيني أنه يسير في طريق تحقيق المشروع الفلسطيني ؟! أليس الأجدر بنا كأي أمة تحترم نفسها وكأي شعب يحترم نفسه أن تجري تقييما لكل ما مضى ؟! أليس الأجدر أن يتم الإعتراف صراحة بأن البعض أخطأ في هذا الموقف وذاك الموقف وعليه أن يعترف بخطئه ؟! أليس الأجدر أن يبادر كل من أخطأ – بشجاعة – أن يعترف بخطئه ثم يتحمل مسؤولية خطئه ؟! أم أن مسيرة الشعب الفلسطيني ستبقى مسيرة نكبات بدون تقييم ولا توقف ، وستبقى تحمل في طياتها الأخطاء المقدسة التي لا يجوز الحديث عنها ، وكذلك الشخصيات المقدسة التي يحرم نقدها .

7-  أخيرا أنني ما زلت أتساءل : إلى متى سنبقى هاربين من الحقيقة ؟! إلى متى ستبقى الأمة الإسلامية والعالم العربي هاربين من مسؤوليتهم الجادة تجاه القضية الفلسطينية ؟! هذه القضية ثلاثية الأبعاد تحمل البعد الإسلامي والبعد العربي بالإضافة إلى البعد الفلسطيني !! هذه القضية التي تعني قضية القدس الشريف والأقصى المبارك التي هي قضية كل المسلمين والعرب والفلسطينيين ؟! إلى متى ؟!

 

 

*  رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني