بقلم
: بلال شـرارة*
بينما
كان الحديث قبل التاسع و العشرين من آذار يدور حول تطبيق (ورقة تينت) و (تقرير
ميتشل) برزت فجأة على السطح (ورقة زيني) التي أصبحت شرطاً يُفترض على
عرفات توقيعها قبل أن ترفع (إسرائيل) عصاها عن ظهر الشعب الفلسطيني و تعود
للتلويح بالجزرة إلى السلطة الفلسطينية .
لا
حاجة للقول إن (ورقة زيني) تتضمن على المستوى الفلسطيني مطالبة السلطة الفلسطينية نبذ كلٍّ من : حماس و الجهاد الإسلامي
و الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و كتائب شهداء الأقصى التي أدرجتها
واشنطن على ما يسمى بلائحة الإرهاب . و لا حاجة للقول إن (ورقة
زيني) اللبنانية و السورية و العربية الجاهزة ، بالتالي ستتضمن الكثير من العناوين
التي أدرجت و التي ستدرج على نفس اللوائح الأميركية للإرهاب
.
و
غني عن القول لمن لم ينتبهوا بعد ، إن اجتياح المناطق الفلسطينية يأتي في سياق
الحرب الأميركية على ما يوصف بالإرهاب حتى و لو كان المستفيد من ذلك
(إسرائيل) ، لأن واشنطن تريد بالتالي أن تتفرغ لبقية أهدافها بعنوان "مكافحة الإرهاب" .
الوقت
الآن ليس مناسباً للحديث عما كان قبل قمة بيروت من القادة العرب الذين يعلمون
بالخطوات القادمة و بصورة خاصة الحركة العسكرية (الإسرائيلية) لنزع السلاح الفلسطيني
، الذي لم يلب عرفات الطلب إلى سحبه أو عجز عن سحبه ، و لتفكيك بنية
المنظمات المدرجة على اللوائح السوداء .
و
الوقت الآن ليس مناسب للحديث عن صناعة الأبطال أو صناعة الشهداء أو لتظهير الرؤية
الأميركية للدولة الفلسطينية منزوعة السلاح و سلطة هذه الدولة و بدائلها
المحتملة . إلا أن الوقت مناسب للتأكيد أن انتباه بعض الفدائيين في
بيت لحم بداية ، و من ثم صمود مخيم جنين و نابلس خلافاً لتسليم رام الله
دون مقاومة ، أدى إلى خلط الأوراق و تمكين الرأي العام العربي و الدولي من تحريك
فعاليات ، و أحرج الكثير من القادة العرب فأخرجهم و أجبرهم على المبادرة وصولاً
إلى الموقف المتدحرج للرئيس الأميركي جورج بوش و إدارته الذي كان آخره
مطالبة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي لشارون بإخراج قواته من المناطق
الفلسطينية (الآن و ليس غداً) .في خضم كل ذلك ذابت الشخصية الأميركية
المفترض أن الحرب تدور على رؤيتها لتحقيق النتائج المطلوبة . المقصود هنا : الجنرال
أنتوني زيني . مرة واحدة خلال المشهد الدموي (الإسرائيلي) ظهر هذا الجنرال حاملاً
نفس الورقة إلى عرفات في مقر إقامته الجبرية . عرفات الذي كان يحكم لم
يملك أن يوقع على المطلوب و هو يعرف أنه لا يستطيع أن يحقق المطلوب . فكيف يستطيع
عرفات من مقر إقامته الجبرية حيث أصبح يملك و لا يحكم أن يضع بصمته على ورقة
الزيني ، و هو الأمر الذي اعتبره حتى وزير خارجية قطر أنه توقيع لا معنى له لو حصل
؟ .
السؤال
على ضوء ما تقدم هو : هل أن زيني يدير الحرب (الإسرائيلية) الجارية أم يدير الحل ؟
... للتأكيد أن الجنرال زيني يدير الحرب على الشعب الفلسطيني أو أنه على
الأقل يشارك شارون في إدارة هذه الحرب ، لا بد أن نوجه عناية الجميع إلى أنه
في إطار المجموعات السياسية العسكرية المشتركة الأميركية – (الإسرائيلية) (JPMG) تم
الاتفاق على "ضمان عدم قيام (إسرائيل) بعمليات منفردة تورط الولايات
المتحدة الأميركية في بعض أزمات المنطقة" ، و من الواضح أن مختلف تصريحات المسؤولين
في الإدارة الأميركية تشجع العمليات الحربية (الإسرائيلية) و تختلف مع شارون فقط على مدتها الزمنية ، و في هذه الحالة فإن
وجود زيني في المنطقة هو المتابعة الدقيقة لمجريات العملية و إدارتها عملياً و إن
لم يكن ميدانياً .
يبقى
أن السؤال الأهم هو : هل أن الولايات المتحدة الأميركية شريك لـ (إسرائيل) في
أفعالها و أقوالها أم أنه من الممكن جعل الولايات
المتحدة الأميركية شريكاً نزيهاً في السعي لإنجاز عملية التسوية ؟
إذا
أردنا أن نكون واقعيين و حقيقيين و أن لا نواصل دفن الرؤوس في الرمل ، لا بد من
الاعتراف بوجود شراكة بين الجانبين تؤمن مصلحة الطرفين في هذه الشراكة عقوداً و
اتفاقيات متعددة ، و أن (إسرائيل) و بإدارة الولايات المتحدة الأميركية تشكل استثناء
لا تطبق و لا تنطبق عليه القرارات الإجراءات و الإعلانات الدولية . و لا بد من أجل
نشر وعي و إنعاش الذاكرة العربية من التذكير ببعض العناصر و الاتفاقات
التي تجعل من (إسرائيل) مسؤولية أميركية
!
1) تعتبر الولايات المتحدة أن (إسرائيل) تشكل
أحد العناصر الرئيسية لملء الفراغ في الشرق الأوسط طبقاً لمبدأ الرئيس أيزنهاور
الذي أعلنه في 5 (يناير) 1957 بعد فشله في إقامة حلف بغداد
.
2) كرست هذه العلاقة بعقود من خلال اتفاقيات بين
الجانبين بدأت منذ العام 1981 .
3) قبل ذلك و منذ إعلان (إسرائيل) و خلال حروبها
و حتى الآن ، أكد مختلف الرؤساء الأميركيون دائماً على أمن (إسرائيل) و بقائها و
تفوقها على دول الجوار العربية .
4) شمل التعاون العسكري كل الجوانب العسكرية و
وضعت الولايات المتحدة الأميركية كل التكنولوجيا العسكرية الأميركية في
خدمة (إسرائيل)
نماذج
لاتفاقيات التعاون :
1) توقيع أول مذكرة تفاهم بخصوص التسليح و البحث
العلمي عام 1967 .
2) انضمام (إسرائيل) لشبكة مخازن الطوارئ
الأميركية لصالح دعم فعاليات عمليات القوات الأميركية في المنطقة .
3) المشاورات و الزيارات العسكرية المتبادلة بين
القادة العسكريين للجانبين و الاجتماعات المتعددة للمجموعات السياسية العسكرية
المشتركة (JPMG) و مجموعة
التخطيط للمساعدات الأمنية المشتركة (JSPG) و المجموعة المشتركة للتنمية الاقتصادية (JEDG) .
4) في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1983 وقع الرئيس
الأميركي ريغان القرار الرقم (111)
السري من أجل تحقيق تعاون
وثيق
مع (إسرائيل) و يعتبر هذا القرار تجديداً في الشكل والمضمون لاتفاق عام 1981 .
5) شمول أوجه التعاون لمجال الاستخبارات و
التدريبات المشتركة و التصنيع الحربي .
6) اتفاقية التعاون العسكري بين الولايات
المتحدة الأميركية و (إسرائيل) في 15 (سبتمبر) 1984
.
7) اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين في 5
(سبتمبر) 1985 .
8) اتفاقية التعاون العسكري بين الجانبين في 13
أيار (مايو) 1986 .
9) التعاون في مجال مبادرة الدفاع الاستراتيجي
المعروفة بحرب النجوم (SDI) .
10) اتفاقية 4 آذار (مارس) 1988 لتطوير علاقات
التعاون الاستراتيجي .
11) اتفاقية 8 (سبتمبر) 1989 للتعاون المشترك .
12) مذكرة
التعاون (الإسرائيلي) ـ الأميركي الموقعة بتاريخ الأول من (نوفمبر) 1998م .
هل
تكفي هذه العناوين لتأكيد المسؤولية الأميركية عن (إسرائيل) و عن حروبها و خصوصاً
هذه الحرب ، و عن مختلف سياساتها العدوانية ؟ و بالتالي هل تكفي هذه
الأدلة لتأكيد أن الجنرال أنتوني زيني يدير هذه الحرب ؟ و أن الجنرال كولن باول يدير
أهدافها السياسية ؟ و أنه يأتي إلى المنطقة الآنعلى خلفية الحريق المشتعل في المدن
و البلدات و المخيمات الفلسطينية و هو يحمل في جعبته عدداً من الإجراءات العملية
التي ينبغي أن تنفذ خلال الأسابيع المقبلة ، و عدداً آخر من
المقترحات السياسية التي تغلف هذه الإجراءات ؟ ... إلى أين تتجه الأمور
؟
حتى
الآن يمكن التأكيد أن الجنرالات الأميركيين و (الإسرائيليين) الذين يديرون هذه
الحرب نجحوا في استنهاض مشاعر العداء الكامل
للولايات المتحدة الأميركية و (إسرائيل) على مساحة العالم . و رغم أن رئيس الأركان
(الإسرائيلي) موفاز القائد الميداني لهذه الحرب يستطيع القول إن العملية
نجحت في تصفية الكثير من المطلوبين ، و في الكشف عن مصانع للمواد العسكرية
المستخدمة من قبل المنظمات المدرجة على اللوائح الأميركية السوداء ، إلا أن
الحقيقة هي أن بعض المقاتلين الفلسطينيين الذين لا يملكون سوى أسلحة فردية
تمكنوا من خلال صمودهم في جنين و نابلس من قلب طاولة العمليات الحربية رغم
كل الأسلحة الحديثة و التكنولوجيا المتقدمة و الخدمات الاستخبارية التي يملكها
الخصم ، و أن شارون بات محكوماً إلى تحقيق انتقام معنوي على المسارات الفلسطينية
و أيضا اللبنانية و السورية ، و من ثم الاستقالة و تسليم راية (إسرائيل) إلى شخصية
لا تقل تطرفاً ، في حين أن عرفات سيكون ضحية عجزه ، و بالمقابل فإن بعض الحكام
العرب سيواصلون اتباع دبلوماسية وقائية و التلويح لشعوبهم بأحدث
أسلحة القمع الأميركية ... إنه توازن رعب آخر بين أسلحة الحرب الحديثة و أسلحة القمع
الحديثة التي تستهدف الشرق الأوسط من المحيط إلى الخليج ، و الناس بالمقابل لا
تملك إلا أسلحة ثلاثة : " الصبر و الوقت و ...
المقاومة" .
-----------------------------------
* أمين
عام الشؤون الخارجية بمجلس النواب اللبناني و مستشار رئيس المجلس