الدموع التي بللت شواربنا!
بقلم :خيري منصور
اصدقائي القليلون عددا، الكثيرون حتى الفيض بما
يكتبون ويحلمون، ويبكون، قد تكفي مساقط رؤوسهم في الجماسين ومخيم طولكرم، وجنين
والأمعري، وحيفا ونابلس لتنوب عني في سرد أسمائهم، منهم من شرب حزنه سرا وتحجرت
عيناه وهو يدفن أخاه او أباه، ومنهم من جاع حتى عف عن الماس وطحينه، ومنهم من اغمض
ذاكرته كي يرى ما لا يريد من الماضي الذي يعفر الفردوس بقليل من الغبار.
رأيتهم هذه الأيام، هذه الليالي، يبكون حتى
تبتل شواربهم من البياض الى السواد، وتصفو عيونهم فيومض فيها ذلك البرق الذي طال
غيابه في ليلنا المديد.
هم رجال، لا يشبههم سوى النسر الذي حمل فراخه
على جناحيه ومضى بين الجبال، اخفوا آثار السياط على جلودهم بعد ان تحولت الى وشم
اخضر.
وعلموا ابناءهم في زمن التجهيل، وسلوا ما تبقى
لهم من عمر من بين انياب الضواري، من مشرق الارض الى مغربها.
رأيتهم يبكون، وكنت قد بكيت سرا، عندما كذبت
عليهم وقلت أني على موعد مع صديق غيرهم، لكن ذلك الصديق لم يكن سوى دمع يشبه
دموعهم ومن الفصيلة ذاتها، ومنسوب الملح فيه هو ذاته منذ لوحت أول أم لابنها البكر
وهو يحمل تاريخه على ظهره كالحطاب ويرحل.
هذه الدموع أعز من شذى الكون كله، لو كانت
المجرات مليئة بالغابات، وأنبل من أي رحيق لو رشح من النور ذاته.
فلماذا بكى اصدقائي وبكيت؟
لماذا جهرنا جميعا بحزن طالما اخفيناه كالعورة؟
الآن هذا الليل الحالك اضاءته شرارة من احتكاك حجرين في ذلك العراء المقدس؟
ألأنهم مدوا ايديهم فكانت اقصر من بلوغ المخيم
في جنين وطولكرم وحتى الجليل؟
ألأنهم عصروا ما ادخروا من حبات الزيتون المرّ
في ذاكرتهم، فكان العشاء الآخير اشد مرارة من العلقم.
لقد بكوا.. وبكيت، وابتلت شواربنا ولم تجف حتى
الآن، لأن الغزال يشم دم أمه والشجرة لا تشي بأعشاشها.
هذه الدموع، وهؤلاء الرجال برق طال ترقبه في
ليل كله ليل، وموت كله موت وحزن كله سنابل وبنادق وغضب.
فيا من زرعتم بعضكم هذا الربيع، حذار الحصاد
حتى لو مضغتم ألسنتكم جوعا.
اصدقائي القليلون بكوا حتى تعددوا وفاضوا عن
مساحة اجسادهم، مثلما فاض اخوتهم عن مساحة قبورهم، ومثلما فاضت دموعهم من مساحة
اعينهم!