لن تصبـح ذكـرى

 

بقلم : زياد ماجد

في بدايات القرن العشرين، أباد <<الأميركيون الجدد>> قبيلة <<الأباتشي>> الهندية، التي عاشت فوق <<أرضهم>> لقرون سبقت وصولهم.

قتلوا يومها عشرات الآلاف ممن كانوا يقاومون الموت والاندثار في ما تبقى من مخيماتهم وسط صحاري غرب الجنوب الأميركي، وانتصروا.

هزموا الذاكرة الأخيرة للمكان الذي احتلوه، وحوّلوها ذكرى يستعيدونها كلما أرادوا الاحتفال بحضورهم وتوطّنهم وتاريخ ميلادهم الجديد.

ثم حوّلوا الذكرى الى إسم من دون جذور، وأطلقوه على طائرة عسكرية صنعوها لتمجيد جبروتهم وغرورهم.

صار <<الأباتشي>> إسماً لمخلوق حديدي لا ذاكرة له ولا لون، إسماً لآلة تنتج الخراب وتقتل الأماكن والتواريخ.

... واليوم، في بدايات القرن الحادي والعشرين، يهاجم <<الأباتشي>> نابلس وجنين. يقصف المخيمات المزروعة في المكان كشجر الزيتون. يجهد لاقتلاعها وإحالتها ذكرى جديدة لألم قديم يشبه آلام الأباتشي الأصليين.

اليوم، في بدايات القرن الحادي والعشرين، تتحول المخيمات كتل لحم ونار وغبار. لكن غبارها لن ينتشر في الفضاء هذه المرة ويضيع. سيبقى حيث هو، غيمة تظلل الأرض وتلتصق بجلد أهلها المختزن ذاكرتهم.

اليوم، تتحوّل المخيمات الى مصنع للأساطير والحكايا، أساطير ستبقى حية، وحكايا لن تختزلها بعد قرن أسماء صماء.

... وغداً، حين تشرق الشمس فوق ضفة النهر الغربية، ستنفض الذاكرة الغبار عن جلدها، ليولد مخيم جديد يعيد سرد تاريخ <<الأباتشي>> القديم، ويقول إن الحياة باقية، وإن رجال جنين ونساءها أعطوا أنفاسهم لأطفال نابلس ورام الله وبيت لحم، ونفخوا فيهم روحاً عتيقة فحملوها الى القدس حيث بدأوا نسج مستقبلهم.

مستقبل وطن أكبر من المخيم وأقوى من الموت، عصي على النسيان، إسمه فلسطين...