خروج من العزلة: يوم فلسطيني في دمشق

 

بقلم : ياسين الحاج صالح

 

بدوتُ كالمخبر وأنا أجول بين المتجمهرين امام مقر الأمم المتحدة في دمشق، وأسجل الشعارات التي كانوا يطلقونها تعبيرا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في محنته. كان يمتزج في النظرات التي أُلقيت علي في يوم الأرض السخط والاحتقار، لكن شابها شيء من التردد ايضا. فرغم انه من غير المعتاد ان يسجل غير المخبرين ما يقوله الناس في مثل هذا الموقف، فإن قلة تحفظي وعدم شعوري الظاهر بالغربة كانا يعكران تصنيفي المفترض وما يستحقه من نظرات شزراء. بالمقابل بدا المواطنون المتعاطفون مع اخوانهم في فلسطين مترددين حيال ما ينبغي القيام به، وإن لم يكونوا خائفين. صحيح ان بعض المبادرين الى التجمع (لجان المجتمع المدني) كانوا يعتصمون كل خميس منذ اكثر من شهرين ونصف دونما إذن من السلطات في المكان نفسه، لكن العدد يصل الى عدة آلاف لأول مرة، ولعلهم لأول مرة ايضا ينطلقون متظاهرين في شوارع دمشق دون تخطيط مسبق ودون موافقة السلطات. جاءت المظاهرة عفوية تماما في اليوم الاول (يوم الارض)، فبعد جهد معتدل فاشل للتوجه نحو السفارة الاميركية في دمشق فرض المسير نحو الجهة المعاكسة نفسه.

بعد عقود من الابوية يواجه السوريون بغير قليل من التردد والقلق اعباء التدرب الصعب على المواطنة، ويكتشفون بعض فوائد الخروج من العزلة التي لم تكد تؤمنها المنتديات حتى في عزها. فهذه المناسبة تتيح لهم التواصل والتعارف وتنمية عواطف الايجابية والسخاء في انفسهم وفيما بينهم. صافحتني زميلتي ايام الجامعة بمودة ولطف بينما لم يجر السلام بيننا طوال سنوات زمالتنا بين عامي 1997 و2000. ويظهر المشاركون جميعا اطيب وألطف مما هم في حياتهم المعتادة، بذات الدرجة التي يبدو فيها السجناء (مثلا) اسوأ مما هم في الواقع في اعين بعضهم. تعاش المناسبة كالعيد الذي يوفر للناس فرصة نادرة للانسلاخ من القسوة واللؤم والجفاء.

كانت نسبة النساء مفاجئة بعض الشيء، تصل الى الثلث او ربما جاوزته قليلا. وسيكون لافتا في يوم الأرض واليومين التاليين له ان الرجال الذين قلما يصحبون زوجاتهم الى التجمعات العامة (رغبة في نيل اهتمام النساء الأخريات دون رقابة، حسب التفسير النسوي البديهي) قد صحبوهن هذه المرة، وفي كثير من الحالات مع اطفالهم. وفي هذا النشاط البنوي بامتياز بدا المراهقون متمردين ومتصالحين مع آبائهم في آن معاً، ربما لأن الآباء وأكثر منهم الامهات وجدوا في التمرد على الأبوية السياسية فرصة لأن يعودوا ابناء شياطين.

تتبدى من الشعارات التي اطلقها المتظاهرون بعض العناصر المتناقضة في الوعي والحساسية العربيين في ايامنا. هناك اولا العداء التقليدي، لكن المرير اكثر من ذي قبل، للحكومات العربية: هون الجثة وهون الراس/ حكام العرب انجاس، إسأل إسأل يا مروان (البرغوثي)/ وينن رؤساء الاركان، يا حكام ويا أنجاس/ عشرفنا عم ينداس، يا فلسطين لا تعتبي علينا/ حكام العرب سكروها علينا.

وفي اليوم الثالث، الاول من نيسان، هتف المتظاهرون: بلجيكا قطعوا العلاقات/ شو بتستنوا يا حكومات. على ان الهجاء الأشد، وحتى الشتيمة المسفة، يتركز على الحكام العرب الذي تقيم دولهم علاقات مع اسرائيل. ولم يوفر الهاتفون الجيوش العربية: الجيش العربي ليش ليش/ للتهريب وللتحشيش. لكننا نجد بعض الترجي ايضا: يا اصحاب القرار/ ادعموا ابو عمار، يا أنظمتنا العربية/ بدنا منكم حرية.

دافع تجريح الذات وجلدها متوفر في الهتافات اكثر بكثير من الاعتزاز بها: يا للعار يا للعار/ يا عروبة يا للعار. او يا عرب يكفي اهانة/ شبّعتونا شجب وإدانة. وتصل بعض الشعارات الى درجة العدمية التامة: الخيانة عربية، او حتى: طز في الأمة العربية، لكن لم يكد احد يردد هذا الشعار الأخير وراء هاتفه. كذلك حظيت القمة العربية بالكثير من التحقير، فتساءل الهاتفون: شو هالقمة المخصية؟! مؤكدين العنصر الذكوري في تمردهم والتعايش المستمر بين الاحتجاج على السلطة السياسية والرضوخ للقيم البطريركية كما يمكن لهشام شرابي ان يقول. وتجتمع النزعة الذكورية مع تجريح العروبة في هذا الشعار: يا حيف امة عربية/ البنت (وأحيانا: وفاء او آيات) بتعمل عملية. من الشعارات القليلة التي تعتز بالعروبة هذا الشعار الذي يوحي بأنه من ايام الاستعمار الفرنسي لسورية: نحن رجال عروبية/ ما بنحطّها واطية. بالمقابل هناك اعتزاز قوي بالفلسطينية عند الفلسطينيين والسوريين معاً: فلسطين نحن صحابا/ بدنا نموت فوق ترابا. ومن اجمل الشعارات: يا رام الله شدي الحيل/ ما بيدوم هذا الليل.

قد يعكس المستوى غير الراقي على العموم للشعارات حالة الرعوية الجديدة (او الرعاعية او ما دون المواطنة) المواكبة حتماً للأبوية الجديدة. وبالتأكيد يتدخل هنا تفوق البعد الغريزي على حساب البعد العقلي في الحشود، وكذلك كون معظم الهاتفين من الشبان. يرجح صحة ذلك ان الشعارات المكتوبة كانت ارفع مستوى من الشعارات المهتوفة. ولا شك انه جدير بالتفكير ان الشعارات المكتوبة بالانكليزية كانت سلامية وانسانية بصورة اوضح من نظيراتها المكتوبة بالعربية، رغم ان من كتبها في الحالين من السوريين والفلسطينيين. فإما أننا نتقمص صورة الأجنبي المتخيلة ونحن نتكلم بلغته، او اننا نحاول بناء مساحة مشتركة معه، او نمارس نشاط علاقات عامة برسم العدد القليل من الأجانب الذين شاركوا في المظاهرة. (هناك ايضا تفسيرات عنصرية، عربية واجنبية).

كان التظاهر عفويا في اليوم الاول فقط، اما بعد ذلك فقد صار مبرمجا سلفا. في اليوم التالي كان لافتا حضور هويات المشاركين بصورة ابرز وأوضح مما في اليوم الاول. فقد جهز الناس رموزهم وشعاراتهم ولافتاتهم وبياناتهم لهذه المناسبة التي قد لا تتكرر مثيلتها للخروج من اسوار العزلة وللتعبير عن الذات وعرضها على الملأ امام الآخرين. ستتاح الفرصة، ربما لأول مرة علنا، لأن يرفع بعض انصار التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لافتة ناصرية النكهة تقول: لا صلح لا تفاوض لا استسلام، ثم: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد الا بالقوة، وتحت السطرين توقيع التجمع. ورغم مشاركة اطراف التجمع الاخرى الا ان اللون الناصري للافتات والشعارات كان واضحا. لا شك ان جزءا على الأقل من السبب يعود الى وجود تراث ناصري في مجال المظاهرات والشعارات (لكن يجب القول انه ليس هناك اضافات هامة على هذا التراث، فكأننا في الستينات كما علّق بعض المشاركين). كانت هناك ايضا صورة تمزج بين جمال عبد الناصر وجمال الأتاسي، وهتافات تقول: وينك وينك يا جمال/ باعوا الضفة والقنال، او الوحدة الوحدة يا رجال/ هيك علمنا جمال/ هيك علمنا النضال، او عبد الناصر قوم وشوف/ الخيانة عالمكشوف. لكن حضور التجمّع ادخل بعدا ديمقراطيا على الشعارات التي غلبت عليها الوطنية الصارخة: احسن من المبادرات/ افتحوا ابواب المعتقلات. كذلك: احسن من المبادرات/ اطلاق كل الحريات. لكن هذا العنصر الديمقراطي لم يكد يشكل واحداً بالألف من الشعارات التي هتفت خلال اكثر من ثلاث ساعات كل يوم.

كان حضور القوميين السوريين لافتا ايضا عبر لافتات الزوبعة الحمراء ووثيقة وزّعوها في يوم الارض تحمل ترويسة تقول: حزب الأمة السورية/ حزب الزوبعة الحمراء. وفي الصفحة الاولى قول لأنطون سعادة: <<لا يخيف اصحاب الحركة الصهيونية التهويل من بعيد والجعجعة، بل الشيء الحقيقي الذي يخيفهم هو الموت>>. وفي الصفحات الثلاث التالية عرض لفلسفة المقاومة الصراعية عند سعادة.

كانت المظاهرة بدءا من يومها الثاني فرصة لإثبات الوجود لم تهدرها مجموعة سمّت نفسها <<لجنة متابعة تنفيذ ميثاق شرف الشيوعيين السوريين>> (او جماعة قدري جميل كما يسميهم الآخرون). فهذه الجماعة المنشقة حديثا عن احد الحزبين الشيوعيين الرسميين المشاركين في الجبهة الوطنية التقدمية الحزب الذي تتزعمه السيدة وصال ارملة المرحوم خالد بكداش كانت ناشطة بدرجة لافتة وهي تحاول فرض ايقاعها وراياتها الحمراء على المظاهرة. اما الورقة التي روستها بعبارة <<نداء من الشيوعيين السوريين>> فكانت تدعو العرب والجماهير الى اعتبار المقاومة هي القمة. وعلى هامش المظاهرة، ليس في قلبها ولا بعيدا عنها، كان السيد قدري جميل نفسه يكلأ بعينين راضيتين انصاره الذين تميّزوا خلافاً للمتوقع بشبابهم، واقعة لافتة اخرى.

بالطبع كان الرسميون من الحزب الحاكم واحزاب الجبهة الاخرى والمنظمات الفلسطينية المقيمة في سورية غائبون (كانوا قد قاموا بالواجب عبر مهرجان خطابي في مخيم اليرموك). لكن عددا من انصار السيد يوسف فيصل، زعيم الحزب الشيوعي الرسمي الآخر، كانوا مشاركين مع غيرهم. ومثل الغير، حملت النساء المنتميات الى حزب السيد فيصل لافتة تدل عليهن: رابطة النساء السوريات.

بالكاد ارتفعت هتافات تذكر ياسر عرفات في مظاهرة اليوم الاول، وفي المرات القليلة التي ذكر فيها تم تمريره ضمن تعويذة مضمونة: صرح الدكتور بشار/ ابو عمار قائد جبار. او: من سورية طلع القرار/ أهلا وسهلا ابو عمار. لكن صوره والشعارات المكتوبة والملفوظة الهاتفة باسمه تكاثرت صريحة غير مختلطة بغيرها في اليومين التاليين. والأرجح ان نزعة المشاغبة التي ميزت <<الفتحاوية>> اكثر من غيرهم في المظاهرات ترجع الى شعور مركب بالاضطهاد: فلسطيني، وفتحاوي في سورية.

استظل موكب الهويات الفرعية هذا ولعله استغل الوطنية (والقومية) الجامعة التي تشكل عماد ايديولوجية الحكم السوري. فعبر هذا الخروج من قواقع العزلة يخرج السوريون ايضا من معازل الهويات الاولية الوراثية لمصلحة هويات اختيارية وطوعية، هويات سياسية ان كان لهذا التعبير معنى. لكن بغياب السياسة كممارسة وكمؤسسة عامتين يبقى الباب مفتوحا على سعته امام النكوص نحو المعزل والهوية المغلقة الاستبعادية. فالسيدة المحجّبة، النشطة وهي تنتقل من مكان لآخر والسيجارة بيدها، تريد الجمع بين السفور السياسي ان جاز التعبير والحجاب الديني. سيفتي الكثيرون ان هذا غير ممكن، وكأنهم يريدون ردها عن الميدان العام. لكنها والنساء والفتيات المحجبات (ربع او ثلث النساء المشاركات) فعلن ذلك بالذات. لذلك فإن قطع طريق النكوص يمر عبر الفاع عن حق الناس في السفور السياسي. واضح ان عقود غياب السياسة والأبوية الجديدة، اي فرض الحجاب السياسي قسرا على المجتمع، قد ردت الهويات السياسية، المنفتحة والاستيعابية والاختيارية من حيث المبدأ، اعني الاحزاب (لعدم وجود اي منظمات مجتمع مدني مستقلة غيرها)، الى ما يشبه هويات وراثية حصرية، ولن تؤكد هذه وحدة حملتها وتماثلهم الا بتأكيد اختلافهم المطلق عن الغير وحبسهم وراء حجب هذا الاختلاف وعقائده وأوثانه المقدسين.