في حرب شارون
والتنسيق الأميركي الإسرائيلي
بقلم
: حسن كريّم *
دخلت المنطقة العربية بكاملها، وفلسطين وقضيتها بالتحديد،
في مرحلة نوعية من الصراع منذ حوالى اسبوعين بقيام اسرائيل باجتياح مدن وقرى الضفة
الغربية في حرب همجية مفتوحة بتنسيق تام مع الادارة الاميركية. هذا التحول جاء
نتيجة لتطورات مهمة، سبقت قيام الانتفاضة الثانية في أواخر أيلول من عام 2000، على
صعيد المفاوضات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.
فمنذ ان رفضت السلطة الفلسطينية مسرحية كامب
ديفيد لعدم توافقها مع الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني وإجحافها في
مسائل السيادة والقدس وحق عودة اللاجئين بدأ الموقف الاسرائيلي بالتصعيد، وسمحت
حكومة باراك بزيارة شارون الاستفزازية الى حرم المسجد الاقصى مما أشعل المواجهات
وأعاد الانتفاضة الى الحياة. وجاء نجاح شارون بالانتخابات ليعبر عن هذا التحول في
المجتمع الاسرائيلي بحثا عن منطق القوة العسكرية وبعيدا عن الحلول التسووية
والمفاوضات، كما ادى الى تهميش حزب العمل واهترائه من الداخل، وصعود اكبر لمجموعات
التطرف الديني
والقومي ومشاركتها السلطة السياسية.
كما ان الموقف الاميركي التصعيدي المعادي
للسلطة الفلسطينية وللرئيس عرفات لم يبدأ مع 11 أيلول بل قبل ذلك بأكثر من سبعة
شهور، حين رفض الرئيس بوش ان يلتقيه ولم يلتق به حتى الآن، وانتهجت الادارة
الاميركية سياسة رفع اليد وإطلاق يد شارون ضد الفلسطينيين في حملة تصاعدية سماها
الحملة المتدحرجة منذ شهور. وكان طبيعيا ان تتصاعد الانتفاضة وتأخذ اشكالا من
المقاومة المسلحة ومنها العمليات الاستشهادية، في ظل اجواء التصعيد هذه، لكسر
ارادة الشعب الفلسطيني. وحاول شارون وما يزال استغلال اجواء الحرب الاميركية ضد
الارهاب لاستثمارها في معاركه ضد الشعب الفلسطيني تحت غطاء محاربة الارهاب. وحاولت
الولايات المتحدة ان تضبط هذا التصعيد دون حرب كاملة وشاملة حتى يتسنى لها الهجوم
على العراق. ولكن حين فشلت في اقناع حلفائها والعالم العربي بذلك ووجهت بمعارضة
قوية وتشكيك اعطت الضوء الاخضر لشارون ليبدأ حملته وحربه المسعورة، ومهدت لذلك
بإرسال موفدها زيني ليقدم تفاهما يحمل الكثير من الشروط الاسرائيلية، وهي تعرف
مسبقا ان الرئيس عرفات سيرفضها.
وهكذا انتقل الوضع في فلسطين من مفاوضات عقيمة،
خلال السنوات الماضية حول الوضع النهائي، الى مفاوضات امنية وشروط تصعيدية مع قدوم
شارون الى الحكم في ظل تصاعد الانتفاضة كتعبير عن المقاومة والرفض، وصولا الى حرب
مفتوحة دون مفاوضات قبل تحقيق اهداف امنية وعسكرية لوقف وتصفية قدرة الشعب
الفلسطيني على الانتفاضة والمقاومة.
اما الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية فقد انتقل
من مرحلة الخلاف الداخلي الكبير الى وحدة وطنية حساسة وانصهار لكل الشعب في خيار المقاومة
والانتفاضة والدفاع عن النفس والوجود.
وليس صدفة ان يقوم هذا التنسيق بين الادارة
الاميركية، وبيدها القرار السياسي، والحكومة الاسرائيلية المتعسكرة وكأنها هيئة
اركان الحملة، في وقت تقدمت فيه كل الدول العربية قاطبة بمبادرة سلام ورحب فيها
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. لقد تمت مواجهة هذه المبادرة وكأنها اعلان حرب على
اسرائيل حيث ان المطلوب ليس توحد العرب على برنامج مطالب مشترك حتى لو كانوا
يريدون انهاء حالة القطيعة (بعدما انهوا حالة الحرب، بمعظمهم، عمليا) والتطبيع مع
اسرائيل. ان السباق مع الوقت بدأ حينها من أجل خلق وقائع جديدة وفرض شروط مختلفة
وذلك من اجل ضرب
موقع المقاومة <<شبه الوحيد>> وهو انتفاضة الشعب الفلسطيني.
لذلك تهدف حرب شارون على الشعب الفلسطيني الى
ثلاثة اهداف مترابطة:
اولا: تدمير بنية المقاومة وقدرة الشعب
الفلسطيني على الممانعة وذلك عبر حملة اعتقالات واسعة لقيادات وكوادر الانتفاضة
وعبر استهدافهم بالقتل والاغتيالات وعبر جمع الاسلحة وغيرها.
ثانيا: تدمير بنية السلطة الفلسطينية وعزل
الرئيس عرفات وذلك من اجل استبداله بقيادات فلسطينية اخرى. ثالثا: فرض حلول امنية
عسكرية وتأجيل البحث في الحل النهائي لسنوات طويلة.
وجرت بعض التطورات السابقة لهذه الحرب لتؤكد
النية في عزل عرفات، ليس في موقف الادارة الاميركية فقط بل كذلك في موقف معظم
الحكام العرب، عندما كان عرفات محاصرا في رام الله لأسابيع عديدة قبل مؤتمر القمة
العربي. كما ان تصريح خافيير سولانا بضرورة استبدال عرفات وشارون فضح توجها
وسيناريو معدا على أعلى المستويات، وهذا الهدف ما زال رئيسيا في هذه الحملة رغم
المأزق الذي يعيشه الاسرائيليون والادارة الاميركية في عدم وجود بدائل.
ان ما يعبر عنه بوش في هجومه المتواصل على
عرفات ومحاولة وزير خارجيته الايحاء بإمكانية عدم مقابلته انما يهدف الى تشجيع
بدائل، هي جميعها مرفوضة من الشعب الفلسطيني.
في اسبوعها الثاني والمتواصل تدخل هذه الحرب
الهمجية في ازمة كبيرة وفي اعادة حسابات وتقويم، وفي صراع خادع ومضلل لكسب مزيد من
الوقت.
ولا شك ان ثلاثة عوامل رئيسية ساهمت في ذلك هي:
اولا: الصمود البطولي والمقاومة الاسطورية
للشعب الفلسطيني في العديد من المدن والمخيمات وبالاخص جنين ونابلس، وكذلك الصمود
الجبار لرمز الشعب الفلسطيني وقائده ياسر عرفات.
ثانيا: انتفاضة الشارع العربي المستمرة
والمتصاعدة بما يهدد استقرار الانظمة العربية ويهدد الامن الاميركي، خصوصا في
بلدان وقعت معاهدات سلام مع اسرائيل او لديها قواعد عسكرية اميركية وهي تعيش لعقود
طويلة حالات طوارئ معلنة وغير معلنة تمنع فيها المظاهرات، مثل مصر والاردن والسعودية
وبعض دول الخليج الاخرى. والهبّة هذه المرة هي هبّة من اجل الكرامة، بحيث اصبحت
فلسطين مرة جديدة باب الحرية للعالم العربي.
ثالثا: تحرك الرأي العام الاوروبي والعالمي
وتحول القضية الفلسطينية الى قضية عالمية ضاغطة والى نضال انساني ضد التمييز
العنصري ومن اجل التحرر الانساني العالمي من الاستعمار الكولونيالي المتجدد.
لكن هذا لن يغير من اهداف الحملة المستمرة حتى
لو تم التوصل الى <<وقف اطلاق النار>> حيث من المتوقع ان يحاول شارون
تصعيد المواجهة في الوقت القليل المتبقي دون ان ينسحب، ويبدأ في المفاوضة حول
الانسحاب املا في تحقيق اهدافه التفاوضية تحت الاحتلال والقمع، يعاونه على ذلك ويقدم
له الغطاء الطرف الاميركي الذي لم يعد مقبولا كوسيط بين الطرفين، ومن الممكن ان
يعيد الكرة في هجوم أفظع تحت اية تبريرات.
ان الشعب الفلسطيني وقيادته قادرين على الصمود
وعلى إفشال مخططات شارون والحفاظ على وحدة القيادة ورمزها الرئيس أبو عمار مما
يحبط جزءا من الاهداف، وهم قادرون كذلك على تحمل هذه الهجمة بتضحيات جسيمة وعظيمه.
ولكنهم يحتاجون الى تمتين وحدتهم الوطنية بالاتفاق على برنامج مشترك وواضح حول
الاستراتيجية والوسائل المطلوبة لهذه المرحلة التي يجب ان تكون معركة تحررهم
وتقرير مصيرهم في إنشاء دولتهم المستقلة على كامل الضفة الغربية، بما فيها القدس
الشرقية وقطاع غزة. ولكسب المعركة اخلاقيا وعالميا واعلاميا هناك متطلبات لا بد من
القيام بها من اجل الدفاع عن النفس وعن الحقوق وضمان عدم تكرار الحروب ضد شعبهم.
ومن الضروري القول ان هذه المعركة يجب تنظيمها ليساهم فيها، وبنفس طويل، كل الشارع
العربي (حيث ان الامل مفقود من الانظمة) وكل مناصري القضية الفلسطينية في العالم
في برنامج واضح يتفوق اخلاقيا وانسانيا.
كما أنه لا بد من المطالبة بتأمين الحماية
الدولية للشعب الفلسطيني ولا بد من اشراك الهيئات الدولية وعلى رأسها الامم المتحدة
وأوروبا حتى لا تستفرد الولايات المتحدة بهذا الدور. ان مصير هذه الحرب الهمجية
الفشل السياسي، وفتح احتمالات الفصل من جانب واحد بين الفلسطينيين واسرائيل، وهو
احتمال يثير الكثير من المشاكل ولا يمنع مواصلة الانتفاضة والمقاومة خصوصا في ظل
وجود هذا العدد الكبير للمستوطنات وتداخل الحدود الطويلة.
على السلطة الفلسطينية وعلى الحركة الوطنية
الفلسطينية ان تعد نفسها لمواجهة مرحلة مختلفة يتعين عليها ان تكون موحدة في
الاهداف والاساليب، وعلى القدرة لجعل القضية الفلسطينية مرة اخرى وحاسمة قضية
التحرر الاولى في العالم اجمع. وعلينا جميعا ان نكون جنودا في معركة الشوط الاخير في هذه
المرحلة التاريخية.
أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت.