حدّث عن
الهول قبل الإرهاب
بقلم : أحمد بيضون
إسرائيل،
في الاصل، مشروع مجنون. حق للفلسطينيين ان يجاهروا العالم اليوم بهذا القول الحق.
فهم يقيمون البرهان عليه بدمائهم وهي تسبقهم بعنفها إلى اثباته. ليس الا جنونا ان
ينكر وجود شعب بقضه وقضيضه فيطرد من ارضه من غير إقرار بأنه كان موجودا، أصلا،
وطرد بعد ذلك. ليس الا جنونا ان يسمى الفلسطينيون عرب فلسطين ليسوغ اعتبار
تذريتهم في سائر بلاد العرب امرا غير ذي خطر. وليس الا جنونا، مع ذلك، ان تنكر
نسبة هذا الشعب الى قومية يحصى اهلها اليوم بمئات الملايين وإلى دين (واحد على
الأقل) تجاوز اتباعه المليار. ليس الا جنونا ان يضرب بعرض الحائط اكتظاظ فلسطين بالرموز، فضلا عن البشر،
يشخص اليها من هم مئات من الملايين ومن هم اوفر من مليار ومن هم اكثر عددا منهم
ايضا. لم يكف ذاك كله حائلا دون استحالة الجنون الى دولة، ولا دون اصطناع شعب على
انقاض شعب آخر. لم يكن ذاك حائلا دون هذا فورا. ولكن ذاك استقر حائلا دون القبول بهذا، اي دون استواء
الجنون طمأنينة ودون استواء الحياة في الحقل المغنطيسي الشاسع لهذا الجنون مشروعا
لمعنى غير الخروج منه. ولقد تزيت مشاريع الخروج بألف زي وأورثت صور جنون اخرى
وخرابا لا يحصر في ديار بعيدة جدا عن فلسطين. ولم يكن هذا ليمكن لولا ذاك الجنون
الأصلي ولولا ان اصداء عنفه تجاوبت في أسماع لا تحصى فأورثت رغبة في كبحه متعذرة
الكبح.
ثم كان انه لسنوات خلت زين للعالم ان هذا
الجنون يمكن ان يثوب الى منطق فيندرج في نظام لهذه المنطقة من العالم فصّل، على
الجملة، وفق رغبته وهيأ لتقبله حربا بعد حرب وكارثة بعد كارثة، مدة نصف قرن. فهل
لأحد ان يقول اليوم ان قيادة الفلسطينيين لم تقبل ما هو اقل من حق الفلسطينيين
بفراسخ وأشواط؟ هل لأحد ان ينكر ان هذه القيادة لفرط ما ارتضت من الغبن قد انتهت
الى التسليم بما قد لا يقر له قرار، ان لم يكن لشيء فلأن حس الانصاف عند الجيل
الطالع او الجيل المقبل من المنقادين لها قد يطيحه؟
وهل يحتاج الى امعان نظر ادراك امر له من
الجلاء ما يندر ان يتحصل لهذا الصنف من الامور: وهو انه كان على الاسرائيليين ان
يسجدوا لأوسلو ويقبلوا الارض بين يديه؟ فراحوا عوض ذلك يتشبثون بمستوطنات زرعوها
بين المدن الفلسطينية، ويحتالون لقضم بقعة من الارض هنا او هناك، ويزعمون لأنفسهم
القدرة على تحدي العالم كله في شأن القدس، ويتبرأون من كل تبعة في مسألة اللاجئين،
ويصرون على سلب الكيان الفلسطيني العتيد بقية من رمق تركها له اوسلو أفي السياسة
وجدوها ام في الاقتصاد ام في الامن. وحين اعرض الفلسطينيون عن هذا وكان حقا لهم
الاعراض عما هو خير منه وأبقى كان من جمهور الاسرائيليين ان جاء بأرييل شارون
رئيسا للحكومة بأكثرية نادرة المثال عندهم. فتأكدت نية الإجهاز على اوسلو برمته.
واستوى العنف افقا لل <<ديموقراطية>> الاسرائيلية في ادعائها رسم مصير
شعب آخر من ألفه الى يائه لا مجرد العلاقة بين شعبين موعودين بحسن الجوار. كان وعد
شارون الواضح ربقة احتلال تزداد ثقلا ويفرض استمرارها بكل وسيلة بما في ذلك
المذابح. وكان في الافق الاقرب تصفية الاطر السياسية الفلسطينية وما يليها من
ادوات ورموز. وكان في الافق الاوسط فرض مزيد من وقائع الاستيلاء والسلب. وكان في
الافق الأبعد فرض الرحيل. ولم يكن للفلسطينيين ان يعولوا في رد هذه الغائلة على
غير انفسهم. فلا الاميركيون حاضرون حيث يجب حضورهم ولا في يد العرب حيلة يعتد بها،
ولا دعاة السلام الاسرائيليون عادوا يملأون ما كان يضيق عنهم من ساحات.
لم يسجد الاسرائيليون لأوسلو ولم يكن هذا من
شدة بأسهم، على شدته المعلومة. كان هذا رعب من وُلد مقمطا بجريمة ينام وعواقبها
تلوح لقلبه، بعيدة وقريبة. فيختار الإيغال في الجريمة طلبا لسلامة مأمولة او سعيا
الى براءة مفروضة. وكان الفلسطينيون وحدهم من الناطقين. فتقبلوا لمواصلة النطق
افدح الاثمان. ابوا ان يبقى محتلا ما كانوا قد ارتضوه نصيبا من بلادهم. فقتل منهم
الاسرائيليون مدنيين وعسكريين ومقاتلين، وقتلوا مدنيين اسرائيليين ومستوطنين
وعسكريين. ولم يعف الدمار الاسرائيلي عن اكواخ مخيماتهم ولا عن مقرات قيادتهم. وهو
ما يزال يصليهم عيشا يزين لهم الموت.
وذاك ان فلسطينيين قتلوا انفسهم ايضا. وهذه
واقعة ليس غير النظر فيها من مدخل مستقيم الى النظر في جملة ما هو جار بين
الفلسطينيين والاسرائيليين من كل وجه، ومن وجه حقوق الانسان قبل سواه. فأي معنى
غير معنى الحق المجرد من كل حول يبقى لسؤال من هانت عليه حياته كيف تهون عليه حياة
من يعدهم اعداء له ولكل ما ينطوي عنده على قيمة؟ وكيف تراها هانت تلك الحياة وهذه
وبفعل من؟ ذاك سؤال يجانبه، عادة، من يبدأون المساءلة عندنا من حرمة المدنيين
الاسرائيليين. وهم، عادة ايضا، لا يذكرون حرمة المدنيين الفلسطينيين مجيزين
لأنفسهم، على ما يظهر، ان يغضوا عن ذكر ما يعدونه تحصيل حاصل. او ان على السامع او
القارئ افتراض انهم يعدونه كذلك. ولكن السامع او القارئ يشتم من سياق الكلام، في
بعض الحالات، ريحا مسقمة. وهي ان ما يعدونه تحصيل حاصل انما هو قتل الفلسطينيين لا
حرمة قتلهم. حتى اذا طرح بعضهم السؤال المتصل بقتل بعض الفلسطينيين انفسهم ولم يجد
جوابا غير اللغو السمج بغسل الأدمغة وبالوعد بالجنة. فأي مسحوق لغسيل الادمغة يجعل
الفلسطيني يتجول بين التنظيمات المقاتلة بحثا عن اقرب السبل الى الموت والقتل؟ وأي
وعد بالجنة تحمله الفتاة التي افتى لها الشيخ الأصولي بحرمة ما هي مصممة عليه؟
واذا صح ان مئات من الفلسطينيين، شبانا وشابات، امسوا عاقدي العزم على هذه الفظاعة،
فأية آلة للتربية على عبادة الموت انتجتهم في شهر واحد؟ اهي آلة فلسطينية ام آلة
اسرائيلية وأميركية؟ تلك اسئلة يجب طرحها اشد الوجوب لا لتزيين القتل والموت، بل
لنقيضه: اي للذود الحق عن حرمة الحياة وعن غيرها من حرمات البشر كائنين من كانوا.
وهي اسئلة تشتمل على الحقوق ولكنها تجوز الى ما وراء الحقوق. فهي مباينة جدا لمجرد
الولع الببغائي برطانة حقوقية تميت الحقوق ولا تحييها وتؤسس للمضي قدما في قتل
المدنيين، على وجه التحديد، ولا تحميهم. واما انها تجوز الى ما وراء الحقوق فذاك
لأن اليأس المطلق مطلق وهو واقع، بهذه الصفة، وراء كل شيء. حتى انه كثيرا ما يقع
وراء الله نفسه.
كان الفلسطينيون وحدهم، تقريبا، من الناطقين.
واما شارون فاختار، ومعه من معه في اسرائيل وفي اميركا، ان يسلك السبيل المفضي،
على الارجح، الى ارتهان مستقبل جيلين او ثلاثة من شعوب هذه المنطقة، ومن
الاسرائيليين اولا، لمحبس الدمار والموت. وذاك ان ما تشهده فلسطين اليوم ليس من
صنف الاحداث التي يسهل على السياسة تدارك عقابيلها. فكيف ان كانت السياسة، على ما
هي عليه عند بوش وشارون، <<فنا لممكن>> وحيد هو حمل الناس على القتل
والموت بلا حد منظور سوى رحيل الفلسطينيين عن فلسطين وتعافي الاقتصاد الاميركي
بزيادة الانفاق العسكري؟ قد يسقط شارون غدا او بعد غد وقد يثوب بوش، بعد حين، الى
صواب غير صوابه اليوم. على انهما سيكونان قد أفلحا، قبل ذلك، في سد الافق امام كل
مستقبل سوي لدولة اسرائيل وفي خلخلة اركان العرش الاميركي الذي تتكاثر الدلائل على
انه منذور ليكون بين اقصر العروش الامبراطورية عمرا في التاريخ. على ان المتأمل لا
يرى، بخلاف ما قد يتبادر الى الذهن، في الاول ولا في الثاني من هذين الامرين ما
يعد شعبنا وشعوب الجوار برسو ما على بر للسلامة.
وفي ارتقاب المرتقب من الأهوال، حمل الفلسطينيون
صليبهم بإباء وكانوا وحدهم، تقريبا، من الناطقين. وقد اثمر صمودهم المهول، حتى
الآن، ان كثيرين غيرهم نطقوا بحقهم. هم لن يكونوا وحدهم بعد اليوم. وهم سيجدون في
ذلك عزاء ومددا. وهذا، في خضم الهول الجاري والمرتقب، عزاؤنا الوحيد حتى الساعة.
لست وحدك!