كلما بكينا ازداد بطشاً
بقلم
: زهير قصيباتي
غادر الجنرال الأميركي انتوني زيني مقر الرئيس
ياسر عرفات المحاصر في رام الله، عاد الظلام ليحاصر المقر، وسط روائح البارود
والجثث. صورة الجنرال المتقاعد والزعيم الفلسطيني في لقاء الجمعة، كانت أبلغ
تعبيراً من شهادات حسن السلوك التي يوزعها الرئيس الأميركي جورج بوش علي قادة
العالم، أخياراً و أشراراً ... الصورة لا توحي سوي بأن زيني حضر إلي رام الله
ليفرض علي عرفات صك الاستسلام، والتنحي بهدوء، في عزلته .
أما المبرر فليس القوة الإسرائيلية وحدها التي
تخوض حرباً قذرة علي الفلسطينيين (التعبير ليس لزعيم عربي بل لوزير الدفاع
الروسي)، وتحضّر لمجازر جديدة في نابلس وجنين، بل كذلك كون بوش قال كلمته
النهائية: عرفات خان آمال شعبه . وأما المعيار لقياس هذه الخيانة فلا يحتاج إلي
عناء لاكتشاف طبيعته. وما تسعي إليه واشنطن ببساطة، مع توجه الوزير كولن باول إلي
المنطقة اليوم، هو محاولة جعل اللجنة القيادية التي طلب زيني من عرفات تشكيلها
لإدارة الأزمة، آخر قرار يوقعه الرئيس الفلسطيني، ولا يهم بعده كيف تقرر حكومة
ارييل شارون مصيره في المرحلة الانتقالية.
... صورة جنرال آتٍ إلي
رام الله تحت حراب الدبابات الإسرائيلية، وزعيم عربي أسير، تصفع الضمير مثلما خدشه
مشهد الفلسطيني الذي اضطره الحصار وحرب شارون البربرية إلي البقاء ساعات طويلة
أمام جثتي والدته وشقيقه الشهيدين... عذراً بوش لكلمة الشهيدين، في خطابك المبادرة
، الشهيد إرهابي والسفاح بطل حق، وما علي العالم سوي أن يصدق، بالقوة، وأن يختار
معسكره بالإكراه.
لقاء الجنرال والزعيم الأسير يصفع ضمير جميع
العرب، وحالهم هي هي منذ كان عرفات محاصراً في بيروت، انتظروه ليوقع وثيقة منفاه،
واليوم وراء كل صيحات الغضب والتنديد وحرق الأعلام، ينتظرونه ليواجه مصيره وحيداً.
توقفوا عن احصاء عدد القتلي الفلسطينيين لتخفيف آلام وعي الأمة، لعلها تصمد إلي حين ولادة دولة يعدهم بوش بها مسالمة
، لا تزعج الإسرائيلي، ولو كان الثمن تدمير كل مدنها وحرق كل مخيماتها وذبح أكبر
عدد ممكن من حراسها وشرطتها، وأبنائها.
ولأنها مرحلة انتقالية، قد تجوز مقارنة، ولو
ظالمة لمشروع الدولة التي لو استفتي معظم الفلسطينيين لرفضوها مضرجة بدماء قادتهم
واستشهادييهم (عذراً بوش) وأطفالهم، علمُها شهادة حسن سلوك أميركية... مجرد
مقارنة، بين حالنا نحن العرب وحالهم هم الإسرائيليون مع الأميركيين: يذبحون طفلاً
فنحرق علماً، يقصفون المساجد والكنائس نندد، يدمرون مخيمات الصفيح بالصواريخ،
نشتبك مع شرطة مكافحة الشغب، وبعضنا يبكي بانتظار من يفتح باب الجهاد. بعضنا يعتكف
عن الحياة أياماً، كأن هناك أملاً لمن بقي حياً في رام الله ونابلس وبيت لحم
والخليل، ما دام وعي الأمة ينتظر المسكّنات من حماة الجلاد، وصحوة ضمير لدي شارون.
صورة الجنرال والزعيم الأسير في رام الله، قد
تكفي لخدش الضمير العربي، وهي أسعدت الديموقراطيين والجمهوريين في الكونغرس
الأميركي، فأطلقت خيال بعضهم من أمثال انتوني وينر ليشبّه منازل المدينة الأسيرة
بكهوف أفغانستان، ويحرّض شارون علي المزيد من جنون الغريزة العنصرية... لأن
الفلسطينيين أيضاً، بل خصوصاً، يجب أن يدفعوا ثمن أمراض 11 أيلول (سبتمبر). ومَن
يدري، في مرحلة جنون الحرب علي الإرهاب ، قد يضيف البيت الأبيض إلي قائمة الادعاء
علي قيادة عرفات اتهاماً جديداً من نوع المشاركة في المؤامرة لإطاحة كارزاي في
كابول!
مقارنة
أخري سوداء بين حالنا وحالهم: كلما بكينا ازداد الإسرائيلي بطشاً، وحمّلنا
الأميركي مسؤولية خدش ضميره.