اليوم يتقرر مشهد
السنوات المقبلة
نهلة
الشهال
ماذا بعد؟ وما هي الحدود التي يمكن أن يصل
إليها ارييل شارون؟ وما هي الصورة التي سيكون عليها العالم العربي بعد ذلك؟
هذه هي الأسئلة الملحة اليوم. يجيب عنها الناس
بإلقاء أنفسهم ضد الاحتمالات القاتمة التي ترتسم أمامهم: الفلسطينيون بأجسادهم
وأرواحهم، ومن هم في أوروبا بما يملكون، حناجرهم في المظاهرات الاحتجاجية التي
تضغط علي المسؤولين في بلدانهم من أجل فعالية أكبر، وانتقال بعضهم إلي أرض فلسـطين
في البعـثات المدنية العالمية التي قررت مجموعات منها التحول إلي دروع بشـرية
حقـيقية، فدخلت بالمفاجأة الاقتحامية للأيام الأولي، إلي مقر الرئيس ياسر عرفات،
وأفرادها يقيمون في الغرفة المحاذية له، بينما توجهت مجموعة أخري إلي مستشفي رام
الله التي أبعدوا الدبابات عن اقتحامها بأيديهم المرتفــعة كحــاجز أمام فوهات
مدافعها وهم مستمرون في حراسة مداخلها ومرافقة ســيارات الاسعاف، بينما توجهت
مجموعة ثالثة إلي مخيم الدهيشة للاجئين حيث يعتصم هناك مئة مواطن ايطالي وفرنسي
وسويسري.
أما في القدس، فيقوم المواطنون العالميون بمهام
الاتصال والضغط علي القناصل الأجانب والصليب الأحمر الدولي، وتنظيم البعثات
الجديدة التي تتوافد، والتظاهر أمام حاجز الرام المؤدي إلي رام الله من أجل تسهيل
مرور سيارات المؤن والأدوية إلي المدينة المحاصرة. أما في أوقات الفراغ، فينزلون
للتظاهر أمام منزل شارون في القدس. ويقول هؤلاء جميعاً جملة معبرة. يقولون: نحن
لسنا مع الفلسطينيين، نحن ضد إسرائيل وسياستها. وتمتلك هذه الجملة بعداً سياسياً
يصلح للبشرية جمعاء، وهو أن ما هي عليه إسرائيل، مفهوماً وسلوكاً، مدان تماماً.
أما في المنطقة العربية، فالتدجين بالاحتواء،
بإشاعة اليأس وانعدام الجدوي، بالجوع والانشغال بلقمة العيش، بالقمع... التدجين الذي
بدا ناجح المفعول، إذ استمر صمت ثقيل يخيم علي ردة الفعل ازاء مذابح الأيام
الأولي، هذا التدجين قد بدأ يفقد مفعوله. بدأت شحنات الغضب تتغلب عليه ويشعر
الجميع أن الآتي أعظم، وأن كل يوم يمر علي هذه الحال يجعل الوضع لا يطاق والصمت
غير ممكن مهما كان الثمن. ولكن ماذا بعد؟ للإجابة لا بد من استعادة حقيقة أن ارييل
شارون لا ينطق باسمه أو باسم ائتلاف سياسي إسرائيلي متطرف إلي حد الجنون. ارييل
شارون ينطق باسم
العجز الإسرائيلي عن استيعاب عملية السلام وعن الوفاء بمتطلباتها. هو يعبر عن
اصطدام إسرائيل بطبيعتها الاصلية ككيان استعماري يقوم علي التوسع والاستيطان
والتمييز العنصري، واصطدامها بوقائع عنيدة علي الأرض: وجود الشعب الفلسطيني الذي
يطالب بحقوقه الوطنية. ها قد عدنا إلي نقطة البداية، وارييل شارون علي حق إذ ذكر
8491، فذلك لم يكن استفزازاً بل تقديراً دقيقاً للموقف السياسي.
قام الشعب الفلسطيني بتسوية مؤلمة مع النفس.
اعترف باسرائيل وارتضي قيامها علي ما احتلته عام 8491 مقابل قيام كيانه السياسي.
كانت تسوية في غاية الصعوبة، لكنها قامت ضمن منطق سياسي يري إلي التاريخ كعملية
تفاعلية ويراهن علي المستقبل.
تنعقد المواجهة الحالية عند تقاطع هذه النقاط
تحديداً. وعندها تتم إعادة صوغ توازن القوي، وهو ما يجري اليوم.من تسني له الاطلاع
علي خرائط المستوطنات في الضفة الغربية خصوصاً (وإنما في قطاع غزة أيضاً) يمكنه أن
يفهم بيسر أن إسرائيل حاولت، منذ عقدت اتفاقات أوسلو، أن تحوّر ما عُرف بالعملية السلمية
إلي صيغة أخري من صيغ روابط القري ، تلك الشبكة من السلطات المحلية العميلة التي
سعت إلي انشائها منذ احتلالها الضفة والقطاع عام 7691. أو أنه بدا لها أنه يمكن أن
تأخذ بالجملة ومن أعلي ما عجزت عنه بالوسيلة القديمة. فالخرائط تُظهر التمدد غير
العشوائي للمستوطنات التي احتلت كل الهضاب والمرتفعات، وكل عقد الطرق، وكل محيطات
المدن، كلها حقاً وليس كمبالغة كلامية، بحيث لا يمكن أن يقوم كيان فلسطيني
بوجودها. لا يملك مثل هذا الكيان أي تواصل، ولا أي نوع من التماسك.
وعلاوة علي ذلك، وفي محيط القدس، تقوم مستوطنة
معاليه أدوميم والأرض المصادرة من أجلها والتي تبلغ سبعة أضعاف حجمها الحالي، حتي
تؤمن احتجاز المدينة نحو الداخل الإسرائيلي، وتؤمن أيضاً شطر الضفة الغربية تماماً
إلي منطقتين.
ما رفضه ياسر عرفات تحديداً، في كامب ديفيد
الثاني، هو عملية التحوير هذه التي تسعي إليها إسرائيل، والتي تقوم علي استيعاب
الواقع الفلسطيني ضمن منطق استمرارها هي علي ما هي عليه، أي ضمن منطق الهيمنة
وإحكام السيطرة. بل ان إسرائيل سعت للانقضاض علي العالم العربي، بحجة موافقتها علي
العملية السلمية، وهي تطالبه بالتطبيع معها. هذه هي الخطة الإسرائيلية. والمواجهة
الحالية، اليوم بالذات، تقوم حول فتح الطريق سالكاً أمامها.
قد تكون السلطة الوطنية الفلسطينية مليئة
بالعيوب والنواقص، وهي كذلك فعلاً، إلا أن المواجهة الحالية، اليوم بالذات، لا
تحتمل مثل هذه المحاسبة.
لأن اليوم بالذات، يتقرر مشهد السنوات المقبلة.
فإن تمكن الإسرائيليون من استباحة فلسطين، شـعباً ومدناً ورئيــساً - وياسـر عرفات
هو الرمز، والرموز لا تصـاغ ارادياً وافتـعالاً - فهم عندها سيــقترحون علي العالم
العربي صيغتهم لـ السلام ، وهي صيغة تقوم علي الاخضاع. وإن لم يتمكنوا، فهم عندها
سيضطرون للاصــطدام بأنفسهم، بما قاموا علـــيه وما يسعون الي إدامته. وعندها
سيضطرون الي عقد تسوية وينفتح المجال أمام تراكم الفعل اللاحق. وهذا يتقرر الآن
وأمام أعيننا. وحتي لا يتمكنوا، فالمطلوب أن يوظف الجميع، علي امتداد المنطقة
العربية، ما هم قادرون عليه. ان يدرك المسؤولون العرب أن هزيمة فلسطين اليوم
ستنعكس سلباً علي أكثرهم اعتدالاًَ واستعداداً للتعامل مع الولايات المتحدة، وحتي
إسرائيل، بهوادة، وان بقاء العلم الإسرائيلي، مثلاً، مرفرفاً في القاهرة
وعـــمّان، غير مقبــول، ليـس لأنه استفزازي، بل لأنه جزء من معادلة توازن القوي
التي تصاغ أمامنا وعلي الأرض، بقاؤه هو إحدي أدوات هذه الصياغة. والمطلوب أن يُخرج
الناس غضبهم إلي الشمس، إلي الشارع، حتي يندرج هذا الغضب في صياغة توازن القوي
الجارية اليوم وأمامنا وبالعنف غير المحدود.
إن مساندة النضال الوطني الفلسطيني ليست ردة
فعل حماسية أو عشائرية، بل هي قمة الوعي.