الــوقت.. مــن دم

 

بقلم : رشاد ابو داود

 

كلاهما على مسافة متساوية من مزبلة التاريخ. شارون بجرائمه وبوش بصمته الذي ان خرج عنه. انحاز لاسرائيل واعطى رخصة للقاتل بمزيد من الضحايا. وثمة من هم خارج التاريخ انحازوا للخوف فاختبأوا في العتمة، وخافوا من لعنة السيد فتفجرت في شوارعهم لعنات الشعوب.

لكن الشعوب تكتب ولا تكذب، تتذكر ولا تنسى ان نيسان ازهر حول بيت المقدس رياحين معطرة بالدم. وان الزعتر صار احمر. والاشقاء يقتلون بالعشرات ويجرحون بالمئات، يحاصرون يجوعون بالالاف فيما اشقاؤهم يعدون حتى العشرة قبل ان يطلبوا الاذن من واشنطن لقراءة الفاتحة على الارواح، ويستأذنوا للسماح لهم بالبكاء.

لا مجال لطلب الرحمة ولا للحديث في السياسة، فالوقت من دم والآلة العسكرية الاسرائيلية الامريكية تطحن الاخضر والازرق والابيض و.. كل ما هو عربي. لا يفيد الادعاء بالتعقل امام كل هذا الجنون، ولا للاطمئنان على سلامة السلاح فيما فوهة مدفع عدوك موجهة نحو قلبك. ان لم تقتله قتلك، وان لم تجهر بعروبتك قتلك.. وهو قاتلك ولو بعد حين. هكذا تعلمهم توراتهم. فأنت »الاخر« بالنسبة له حتى يوم الآخرة.

شارون لا يخوض حربا الان، ولا معركة، انه اله يهوذا يقتل باسم الحقد اليهودي الاسود منذ يوشع بن نون.

ليست حربا ضد الارهاب ولا حربا من اجل الامن، او لتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية او عزل عرفات او اعتقال المقاومين الفلسطينيين. فكل هذه »الاهداف« التي اقنع بها شارون بوش ليست في الواقع سوى غطاء مصفح لمادة الحقد النتنة في اليمين الاسرائيلي. او ربما هو الجنون بعينه. يقول افراهام هاليفي لـ »صنداي اكسبريس« ان شارون يعاني من اضطراب في الاكل والنوم، يثور بسرعة ويتصرف كأنه قائد دبابة وليس كزعيم سياسي.

لكن »الدبابة« تواصل القتل والتدمير. والاسرائيليون يسيرون وراءها ولا يدركون ان جيشا يمكن ان يهزم جيشا لكن لم يسجل التاريخ ان جيشا هزم شعبا. فكيف اذا كان هذا الشعب فلسطينيا من اول التاريخ الى آخر المدى، من اصغر قرية ومخيم في الوطن الذي يولد الى الملايين الذين ولدوا في فسيفساء الشتات.

و.. كيف اذا اصبح العالم كله فلسطينيا من اندونيسيا الى ما وراء الاطلسي ومن حافة القطب الشمالي الى بداية القطب الجنوبي من المتظاهرين بدافع التعاطف مع ضحايا مجازر شارون الى مناصري الانسان الذي يذبح بدم بارد بسلاح اسرائيلي امريكي.

هل يريد السيد بوش استفتاء على ما يجري اكثر من هذا التأييد لقضية الشعب الفلسطيني في شوارع العالم وتحت شرفة البيت الابيض؟.

لن يقنع بوش غير وقفة عز عربية رسمية. صرخة كبرياء. ولن يوجعه سوى وقف تدفق النفط الاسود في شرايين الامبراطورية الآيلة للحريق.

ها قد بدأ العراق، اوقف النفط وهو مقابل الغذاء فهل يوقف الاخرون النفط وهو مقابل الهراء والتبعية العمياء؟

في الرغبة ثمة بقية من امل وفي الشوارع ثمة متسع للشعوب.. وهناك في فلسطين ثمة شعب صامد بحجم الاسطورة ومخيم في جنين بوزن امة وحارة عتيقة في نابلس تستحضر للعرب المضيء من تاريخهم المشرف.