البديل من رهان ليس في محله

 

 

بقلم : سعيد صعب 

 

ما أن يدلي مسؤول أميركي، كائنا ما كان موقعه، بتصريح يناقض ما سبق أن أعلن في بداية غزو شارون ل<<أراضي السلطة الفلسطينية>>، حتى يبادر دعاة <<التسوية>>(؟) الى اعتبار <<الموقف الجديد>> مؤشرا على تغيّر في توجهات الادارة الاميركية.

من ذلك على سبيل المثال وليس حصرا الدعوة الى انسحاب القوات الغازية <<الآن... ومن دون تأخير>> وإيفاد وزير الخارجية كولن باول بمهمة فضفاضة لاحتواء <<النتائج السلبية>> التي ادى اليها الاجتياح.

أين الجديد في توجه كهذا أقصى ما يهدف إليه هو استدراك ما تسبب بإحراج الادارة الاميركية وإيجاد مخارج لإدارة الأزمة، وليس حلها كما يزعم دعاة <<التسوية>>، بانتظار أن تتوافر فرصة مناسبة لهندسة المفاوضات تحت غطاء قرار يلمّح الى إمكان اقامة دولة فلسطينية من دون تحديد لماهية هذه الدولة ومقوماتها (اسم عاصمتها مثلا).

وبصرف النظر عن كون هذا القرار اتخذ تحت ضغط الاحداث ثمة في ما تضمنه ما يطرح علامة استفهام حول مدى التزامه، وتحديدا من جانب الادارة الاميركية.

هذا الكلام لا يقصد التشكيك بإجماع الدول الاعضاء في مجلس الامن على ضرورة قيام الدولة الفلسطينية، لكن الاجماع يبقى رمزيا وفي حدود الوعد، ما لم يبادر المعنيون به الى ترجمته بخطوات عملية تفرض على تل أبيب التزام قيام الدولة كما ينبغي ان تكون وليس كما يريدها المشروع الصهيوني مجرد <<باتوستان>> مفرغة من أي معنى.

من هنا الحاجة الى مؤتمر دولي لمناقشة مسألة الدولة الفلسطينية انطلاقا من حق العودة اولا، هذا اذا كان يراد لها ان تكون قابلة للحياة. والا فكل اسقاط لحق العودة، كائنة ما كانت صيغته، سيجعل من الدولة مساحة جغرافية مضطربة ومن محيطها مواقع تداعيات شأنها ان تعيد الصراع الى بداياته.

وحده المؤتمر الدولي يمكن ان يكون بديلا فاعلا من <<رعاية>> اميركية أثبتت الوقائع كم هي قاصرة عن التزام معنى الرعاية وكم هي أقرب الى إفشال ما يسمى <<مسار السلام>> بحكم انحيازها لمنطق تل أبيب على رغم تعارض هذا الانحياز مع مصالحها ليس في العالم العربي وحسب بل حتى مع ما يعني مستقبل علاقاتها مع الحلفاء في أوروبا وآسيا.

ليس صحيحا ان <<الجديد>> في الموقف الاميركي ينحو الى تغيير في توجهات واشنطن. وحتى لو أفضت زيارة كولن باول الى <<تهدئة>> الوضع بالانسحاب من أراضي السلطة وفك الحصار عن رئيسها، فذلك لن يبدل في نظرة الادارة الاميركية الى المسألة الفلسطينية التي غدت مجرد حالة أمنية ويجب التعاطي معها على هذا الاساس.

فمنذ بداية الانتفاضة الثانية تعاملت الولايات المتحدة مع ما يجري على أرض فلسطين على أنه إرهاب وقد علت هذه النبرة بعد احداث 11 أيلول بالتغطية على ما يقوم به شارون تحت شعار <<الحق بالدفاع عن النفس>> نعم.. هكذا ببساطة تساوى الرد بالحجارة مع الهجوم بالدبابات وطائرات الأباشي... وليست جولة كولن باول و<<جديد>> رئيسه ليبدلا في ما شاءت واشنطن اعتباره من ثوابتها.

من نافل القول ان هذا الثابت ما كان ليكون لو توافر لدى العرب حد أدنى من التضامن (بغير الكلام المنبري) مقرونا برؤية واقعية لكيفية التعامل مع الادارة الاميركية في حدود الامكانات المتوافرة والقادرة على فرض حضور عربي فاعل لا بد ان يترك تأثيره على التوجهات الاميركية ان عاجلا او آجلا.

قد يقال ان أميركا ما بعد 11 أيلول والتحالف الدولي الذي استتبعته في حربها على الارهاب جرّد العرب من أي خيار سوى الالتحاق بهذا التحالف، هذا ليس صحيحا. فبقليل من التدقيق في المصالح الدولية، بتقاطعها وتصارعها، يمكن استشراف حقيقة الوزن العربي وتأثيره اذا ما عرف أين وكيف ومتى يمكن توظيفه.

من قال ان أوروبا صارت أميركية ومثلها اليابان ومن كانوا نمور آسيا؟

من قال ان مصالح هذه الدول في العالم العربي تمر، بالضرورة في الولايات المتحدة وأن لا طريق للعرب للتعاطي مع هذه المصالح سوى عبر العم سام؟

ثم، أليس في ما شهدته مساحات الرأي العام خارج الولايات المتحدة من تعاطف مع المسألة الفلسطينية ما يؤشر على بداية تحول وافتراق عن المنحى الاميركي يمكن ان يتسع اذا أعطي الاعلام العربي من الوسائل والتمويل ما يجعله مؤثرا في تفعيل هذه البداية وبالتالي جعل الولايات المتحدة تأخذها في حساب مصالحها.

صحيح أن أميركا ما زالت الاكثر تأثيرا في التعامل مع ما يسمى <<أزمة الشرق الاوسط>>، لكن من سوء التقدير اعتبارها صاحبة القول الفصل في حسم الامور. بالعكس ثمة في المعادلة ما يسمح لأطراف اخرى بنقض ما يملى من جانب واشنطن.

وهذا ما يفترض أخذه في الاعتبار بدلا من الرهان على واشنطن في تصريح من هنا يناقضه آخر من هناك أو، في أفضل الاحوال، يجعله ملتبسا، كما أظهر الفصل الاخير من مسرحية جولة كولن باول.