المحرقة والمجزرة

 

بقلم : حسام عيتاني 

 

 

تحيي اسرائيل ذكرى المحرقة بإعلان عملي عن قدرتها على ارتكاب واحدة مماثلة، فأجراس الانذار في جنين ونابلس ورام الله وبيت لحم تقرع بإلحاح شديد منبهة الى وصول اليمين الاسرائيلي الى تناقض مأزقي، قد لا تكفي آليات الديموقراطية الاسرائيلية لتوفير مخرج منه.

ومع التشديد على البون الشاسع بين الخلفيات الايديولوجية والسياسية للمشروعين النازي والصهيوني، يشي ظاهر الممارسات الوحشية للقوات الاسرائيلية في الضفة الغربية باستعداد القوى اليمينية الحاكمة اليوم بالمضي في الحرب المعلنة على الشعب الفلسطيني الى نهايتها المظلمة: الاقتلاع والتهجير في حال فشلت فكرة الدويلة البانتسوتان.

ولعلها المرة الاولى التي تواجه اسرائيل في حروبها على العرب موقفا ميدانيا وسياسيا بهذه الحدة. فحتى الحصار في بيروت كان متوازيا مع حركة دبلوماسية ظلت خلالها القيادة الفلسطينية تقلب الخيارات المتاحة على اوجهها. اما اليوم فقد دفع ارييل شارون الوضع الى حدوده القصوى بإغلاقه آفاق الحل السياسي.

المقاتلون في نابلس وجنين ومخيمها يفرضون خيارين صعبين على الجيش الاسرائيلي: اما الاقتحام وتكبد الخسائر والتسبب بمجزرة او الانسحاب والاقرار بالهزيمة امام حفنة من المسلحين لا يملكون من مقومات الانخراط في الحرب الا الارادة الصلبة.

الخيار الاول سينتهي بكارثة سياسية وإعلامية. الخيار الثاني سيفتح الباب امام ازمات داخلية تبدأ ولا تنتهي.

وإسرائيل التي استغلت المحرقة حتى القطرة الاخيرة وبنت عليها شرعيتها وامتيازاتها لاقتصادية وغيرها، لا توفر اليوم بممارساتها وفضائعها، الشرعية للدولة الفلسطينية المقبلة، فهذه الشرعية انتزعها الشعب الفلسطيني بنضاله على امتداد عقود، بل انها تضع علامة استفهام ضخمة على مستقبل علاقاتها بالفلسطينيين وبمحيطها العربي وإمكان التوصل الى اي نوع من السلام حتى لو كان باردا الى درجة التجمد.

وفي نظرة استعادية للعلاقات بين الدول الاستعمارية وتلك التي استقلت عنها، تظهر انماط مختلفة من التعاطي، تتراوح بين العداء والتبعية. وفي الحالات التقليدية، كانت مساحات وبحار تفصل بين الدول المستعمِرة والمستعمَرة، ما يترك حيزا يحول دون الاحتكاك المباشر فور انتهاء الاحتلال ما يسمح للطرفين بالتفكير من دون انفعال في مستقبل الروابط بينهما.

وعند اعتبار الاحتلال الاسرائيلي احد انواع الاستعمار الاستيطاني، ينهض السؤال عن العلاقة التي يمكن ان تنشأ بين كيانين شهد الصراع بينهما كل هذه المرارة والحدة فيما يعيشان على ارض تزدحم بشعبيهما وتكاد لا تكفيهما. التفوق العسكري الاسرائيلي لم يبعد شبح الهزيمة السياسية، فيما يبقى الأفق مفتوحا لإمكانات شتى على صعيد العلاقات الاقتصادية.

في السلوك الاسرائيلي في مخيم جنين، قدر من العبثية والكثير من قصر النظر. وبتشريدها اللاجئين (المشردين اصلا من قراهم داخل الخط الاخضر)، تكون قد كررت الاعمال التي قام بها شارون في مخيمات قطاع غزة التي سوّى بعضها بالارض. النتيجة كانت وبالا على اسرائيل بخروج الكثير من المقاومين من ابناء هذه المخيمات بالذات.

سؤال آخر يفترض بحكومة اسرائيل الاجابة عليه: ما هو مستوى الامن الذي وفره اغراء الانقياد الى القوة العارية خصوصا تلك الموجهة ضد المدنيين، بدءا من دير ياسين ومرورا بصبرا وشاتيلا وانتهاء (ربما) بمخيم جنين؟

مع الامل في ان يكون جزء يسير ممن وقف لإحياء ذكرى قتلى المحرقة، تأمل ولو في دقيقتي الحداد هاتين في ما تفرضه اسرائيل على الشعب الفلسطيني.