السيناريو الجديد:

 التخلص من عرفات وشارون وفرض الحل!

 

بقلم : فتحي شريف

ما برحت احداث رام الله الدراماتيكية تتفاعل وتحتدم، وسط ما تخلفه آلة الدمار الاسرائيلية من جثث ودماء وركام. وقد تتمخض سريعاً عن نتائج او نهايات طالما توقعها المحللون. واخذت رؤوس جبل الجليد تظهر من حين الي آخر: ففي البانوراما الامريكية جلس مساء يوم 31/3/2002 وعبر شاشة سي. ان. ان ثلاثة متقاعدين من اساطين الاستراتيجية الامريكية، وهم زبيغيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي اثناء ادارة كارتر، وأحد مهندسي ومخرجي كامب ديفيد المعروف بتنبؤاته النافذة (كان اول من تكهن بتفكك الاتحاد السوفييتي وانشطاره الي دويلات تعمها الفوضي والحروب الأهلية، بمجيء مدمن الفودكا بيلتسين. وهو ما حصل بالتمام والكمال)، وروبيرت ماكفرلين مستشار الأمن القومي في ادارة نيكسون واحد ابطال فضيحة (ووترغيت)، ومخططي سقوط السادات سجينا في مربع الـ99% من اوراق اللعبة، ولي هامتلون رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس في تلك العهود. وفيما يلي ملخص لتوقعاتهم عن صيرورة الصراع العربي ـ الاسرائيلي (1) لا بد من التخلص من عرفات وشارون دفعة واحدة، فالاول اصبح اسيرا لمنظمات (الارهاب الفلسطيني) لا يستطيع التحكم فيها، والثاني سبق له ان رفض اتفاق اوسلو ووطد العزم علي نسفه. وكانت الخطوة الاولي اغتيال رابين. ولا هم له الان الا القضاء علي عرفات شريك رابين. (2) ان اقرار مبادرة ولي العهد السعودي التي تم تبنيها من قبل الدول العربية، يعتبر حدثا تاريخيا لا ينبغي تفويته. (3) علي الادارة الامريكية ان تجمع اطراف النزاع علي طاولة واحدة، وتفرض عليها التفاوض بشأنها وحسم الأمر نهائيا هذه المرة!

اما في المشهد العربي فثمة رأس آخر لجبل الجليد لم تخطئه العين منذ عدة اسابيع، اي منذ ان اصبح عرفات حبيس رام الله لا يبرحها بأوامر من شارون، وبتخطيط مشترك ومباركة من الرئيس الامريكي ونائبه تشيني. ثم برقت المبادرة السعودية بالاسلوب والتوقيت المذهلين للجميع وتضافرت مطابخ الاعلام الغربي والعربي لانضاجها واعطائها النكهة المطلوبة، الي ان قدمت الي مائدة القمة في بيروت، وما تخللت ايامها ولياليها من اثارة ومفاجآت، ابرزها: عدم سماح شارون لعرفات بحضورها، قبل ان يعلن الثاني امتناعه عن الحضور. ثم نسمع الرئيس المصري مبارك، وعشية استعداده للسفر الي بيروت، يفاجئ الجميع بقوله (وباللهجة البلدي المصرية). طلعت في دماغي اني ما اروحش، وطلبت من عرفات انه ما يروحش، فتصور انه جاء ومنعه شارون من الرجوع، حتكون مصيبة، حنعمل ايه؟ وانا بهذا انقذت القمة ! ومعني هذا الكلام بالعربي الفصيح: ان الرئيس المصري طلب من عرفات عدم الحضور، لانه لم تكن هناك ضمانة برجوعه، وبذلك تسني له تبرير عدم حضوره هو الآخر تضامنا مع عرفات وكأن عملية رجوع عرفات هي الاساس وليست مشاركته في القمة! ورغم ذلك سمعنا التحليلات من فطاحل السياسة المصرية لاقناعنا ببراعة التصرف وحكمة الرؤيا.. ولا ننس هنا ان جميع حكام العرب لم يتصلوا بعرفات، في الاسابيع الاولي من احتجاز في رام الله، الا بعد ان اعلن الاتحاد الاوروبي وبعده الحكومة الامريكية، ان الرئيس الفلسطيني هو الممثل الشرعي لشعبه، ولا مفاوضات بدونه. بل ذاع خبر بان الرئيس المصري تفادي تلقي مكالمة من الرئيس الفلسطيني.. ثم جاءت الحركة الثانية في المشهد حين منع الرئيس اللبناني لحود اعطاء الكلمة لعرفات علي الهواء كما كان متفقا عليه، بحجة الصعوبات الفنية، رغم ان المشاهدين كانوا يرونه في الشاشات وكأنه جالس في قاعة القمة، واستطاع في لحظات ان يلقي كلمته عبر قناة الجزيرة دون اية مصاعب فنية. ثم تعاقبت الحركات والفصول كما نعرف جميعا.

فماذا بعد؟ هناك سيناريو جديد لمح اليه عجائز السياسة الامريكية، الذين حطوا فجأة في الفضائية الامريكية ـ وبعضهم لم نسمع صوته لعشرات السنين ـ ولا نستطيع ان ننجزم بأن بعض الرؤساء العرب ليسوا علي علم بالطبخة الجديدة ، ولا سيما الغائبين البارزين عن القمة، وهما الرئيس مبارك والملك الاردني عبد الله. وكلاهما سافر الي واشنطن وحظي بمقابلة الرئيس الامريكي واركان سياسته. ومؤدي هذا السيناريو هو: اعداد طاقم جديد للقيادة الفلسطينية وللتفاوض مع اسرائيل، اما بالنسبة لعرفات (المعادلة الصعبة المثيرة للقلق) فليس اسهل علي مخرجي افلام هوليوود (وقد حطمت الدبابات الاسرائيلية كل اعتراض واجتثت جذور الارهاب في اراضي السلطة، حسب تعبير شارون) من ابتكار وسيلة بارعة تخرج القائد الفلسطيني الرمز من مربضه، بطريقة لا تمسّ بكرامته كما الح الجميع بمن فيهم المسؤولون العرب، وايصاله سالما (ولو في غيبوبة) الي احدي دول الطوق التي ستتحول الي دول الجوار. وهكذا يصبح طريدا، ولا شهيدا كما تمني. وبذلك تعم البهجة نفوس الاسرائيليين، ولا يقض شبحه مضاجع الحكام العرب الميامين.. اما شارون فهو بعد تحقيق هذا الانتصار التاريخي الذي حلم به لاربعة قرون، فليس اسهل من ازاحته عن طريق انتخابات جديدة، يركن بعدها الي الراحة، ليحل محله الحصان الجاهز (اليعازر)، فهو يضاهي شارون شكلا وموضوعا، وبالاضافة الي كونه رئيسا لحزب العمل ووزيرا للدفاع، شارك علي قدم المساواة مع شارون في البطش والقتل والتدمير، ومن هذه الزاوية لا يستطيع شارون ان يزايد عليه. اي انه بهذا المنوال يضمن (الشعبية) التي نالها ايهود باراك بفضل ماضيه الارهابي الدموي، واوصلته الي سدة الحكم علي انقاض حكم نتنياهو حين عجز هذا الاخير عن توفير الأمن لشعبه كما وعد، مثله مثل شارون الآن. فالفرق فقط سيكون في ان سفاحا آخر سيلبس قناع المفاوض المسالم المستعد لفحص المبادرة العربية الجديدة (كنوع من التنازل) وتحت الهيمنة الامريكية الغليظة تحسم النتائج وفقا لكامب ديفيد 2 او اقل قليلا.. اما علي الجانب الفلسطيني، فان طاقم (اوسلو) وينتقي منه بالذات (ابو مازن) و(ابو علاء)، هو جاهز للعمل. وسبق لهذا الثنائي ان قطع اشواطا في (التفاهمات) التي اجراها مع بيريس وفريقه منذ عدة شهور بمعرفة ودون معرفة ابي عمار.