أمتنا ما تزال بخير..

 

 بقلم : حسين الرواشدة

لم تمت أمتنا - بعد - حتى نهب كالمذعورين لاقامة سرادق العزاء ونشر نعيها في الصحف، ولم نفقد الأمل بقدرتنا على النهوض وتجاوز حالة المرض والانكسار حتى نستسلم لليأس والاحباط.. ونغلق علينا ما بقي من نوافذ وننتظر ساعة الانقراض.

فأمتنا ما تزال بخير، رغم كل ما يعتورها من وهن، وما اصابها من احتقان وتخثر في الدماء، وإذا كان ثمة من يتصور بأن انهزام الامة او انتصارها يقاس بما انتهى اليه النظام العربي من اهتراء وانكماش، فإن ما تسجله البطولة الفلسطينية من صور الشجاعة والصمود، يعيد الى يقيننا حقيقة الحياة التي ما تزال تنبض في شرايين الأمة، ومضامين القوة التي تمتلكها، وأسرار الارادة التي تقهر الظلم والعدوان...

لا نريد ان نهوّن لما يحدث، فما تتعرض له الأمة من محاولات للمهانة والاذلال، وما تسمعه بأذنيها من خطابات الازدراء، يجعلنا مطمئنين أكثر من أي وقت مضى، فقد انكشف المستور، وسقطت كل اوراق التوت التي غطت المندفعين لذبحها بالسكاكين »المنمقة«، وصار بوسعها ان تعد أعداءها واصدقاءها، وان تقرر خياراتها، وتصحو على حقيقة العالم الذي يريد استئصالها، بعد ان ضحك عليها كل هذه السنوات »بوعد« الانفتاح وأوهام »السلام« ودعاوى الحماية والاستقرار.

فمع كل شارون جديد، يخرج من بيننا الف شهيد، ويولد ألف مشروع للتضحية، ومع كل مجزرة جديدة، تنبت من تحت الركام، فسيلة وتسمق غابة من السلاح، وتتوحد الجماهير وراء مشروع عنوانه »الثأر« والكبرياء.. وحيثما يضع الحلفاء والأعداء خوذاتهم ويحفرون خنادقهم لاستئصال العرق والدين، تهب من كل الاتجاهات، أعاصير الصمود، وتنثال سيول الدماء، وعداً بنصر قادم، وبشرىً بفجر جديد.

ولكم مرّ على أمتنا جحافل من الفرنجة والتتار، فرحلوا وبقيت، ولم نسمع أحداً تجرأ على نعي الأمة او جرّد لها سكاكين الحذف والإهانة، فالعابرون لا يستحقون كل هذا الفزع، ولا يستأهلون ما نستشعره فيهم من قوة ومهابة.

فأمتنا ما تزال بخير، والصامدون في أرضهم - وما أكثرهم - يمنحوننا كل يوم، دليلاً على العافية، وشاهداً على الحياة والحضور، وأملاً بربيع تطلع فيه الزنابق. وتخرج فيه الحساسين والصقور، لتطرد »الغربان« وتعيد لسمائنا زرقتها، وتلك ليست احلاماً او اوهاماً او امنيات.. ولكنها دروس التاريخ، تاريخ الأمة التي تجاوزت بهمتها المحن، ونمت من جراحاتها اكاليل النصر المبين.

ولأنه لا فرق بين الذين يدعون لنعي الامة او تيئيسها وبين الذين يريدون استئصالها وتدميرها، فإن من واجبنا ان نحذر من هذا الجلد والتأنيب والتهوين الذي نمارسه - بوعي او بدون وعي - بحق أنفسنا وأمتنا... فأمتنا لا تختزلها الحكومات، ولا تعبر عن ارادتها الاّ صور التضحية والغضب التي اجتاحت شوارعها وهزّت اركانها الصامتة.