بين انهاء الانتفاضة عسكرياً واملاء المشروع السياسي الامريكي

 من ينتظـر إنجــاز الآخر: بوش أم شـــارون؟

 

بقلم : مطاع صفدي

هل أزف موعد الإجهاز الشامل علي سلطة عرفات، أو أن احكام طوق الأسر حوله الي درجة السجن الحقيقي سوف يرهن الكيان الرسمي للسلطة لدي المحتل، ويقطع قمة الهرم عن قواعدها، ويحيل اطارات القيادة والقواعد الي مطاردين برسم القتل او الاعتقال. وهو الوضع الذي سوف يعيد كيان السلطة الي حال تنظيم نضالي كغيره من تنظيمات الساحة الفلسطينية، ويفرض عليها شكل الكفاح المسلح والسري. وتقع مناطق الاستقلال الوطني كلها في قبضة الاحتلال المباشر، كما كان أمرها قبل المرحومة المسيرة السلمية، وثمرتها المرة اتفاقية اوسلو. مثل هذه النتائج الملتبسة لم تعد توقعات متشائمة بقدر ما أمست لها شواهد يومية، ووقائع مادية صارخة. وسواء تدخلت امريكا اخيرا تحت ضغوطات حلفائها الاوروبيين خاصة، ومعها بعض اشارات الخوف والغضب معاً التي راح يبديها حكام عرب مقربون جدا من البيت الابيض، فان ادارة بوش لن تزمع علي الحد الصريح من ممارسات شارون، حتي لو طالبتها بذلك بعض الصحافة الامريكية نفسها، هذا ان لم تدفعها اكثر الي التشبث باللامبالاة انتقادات الصحافة الاوروبية والفرنسية منها تحديدا. فما سوف يضع حداً للمجزرة الشارونية المتصاعدة هي استمرارية المقاومة الفلسطينية وحدها بالرغم من هول الفظاعات التي يتلقاها رجالها الأشاوس، والخسارات بالأرواح، وتفاقم الأزمات المعيشية الحادة بكل اشكالها السلبية التي يعانيها المدنيون في الاحياء والبلدات المحاصرة، وما تكابده من الاجتياحات المتلاحقة بالدبابات وغزوات الجنود للبيوت الآمنة، وعمليات الاعتقالات المذلة لمئات الشباب، والقتل الجماعي والعشوائي للعديد منهم كل ساعة.

واذا كانت ذروة الهجمة الأخيرة تتركز حول مقر القيادة ومصير عرفات نفسه، الا انه اصبح معروفاً ان امريكا لم تقرر بعد الموافقة علي تدمير السلطة الوطنية نهائيا، كما يتمني ذلك شارون. وهي في حال غياب عرفات بالطرد او الاغتيال، فانها لن تفقد المحاور الوحيد، بل تخشي علي اسرائيل نفسها من الغرق اكثر فأكثر في حمامات من الدم لا نهاية لفظاعاتها، ما يطيل أمد الثورة الفلسطينية من جهة، ومضاعفة ردود الشارع العربي التي قد يخرج بعضها عن حدود السيطرة من قبل السلطات الحاكمة. وهو الوضع الأخطر الذي يلزم النظام العربي ككل بالإقدام علي اتخاذ تلك القرارات التي تحاشاها دائماً، والمتعلقة علي وجه الخصوص بالغاء معاهدات السلام وقطع الصلات التجارية والدبلوماسية العلنية منها والمستورة. وربما تصل الأمور الي تحرير سلاح النفط من عطالته المزمنة، وفتح بعض الحدود امام المتطوعين، وتحريك جبهات راكدة منذ عقود طويلة.

مثلما لا يزال مصير سلطة عرفات واجهزته الأمنية والمدنية والوضع الفلسطيني عامة، متوقفاً بالدرجة الأولي علي تطورات المقاومة المسلحة بالرغم من العنف الاسرائيلي وارتكاباته الرهيبة، فان مصير هذه القرارات العربية الرسمية والشعبية سيظل متوقفا كذلك علي تحولات الشارع وتصاعد مواقف الجماهير فيما يشبه انتفاضة عربية شاملة. وقد اصبح واضحا لدي الرأي العام العالمي والاوروبي تقريبا ان هذه الانتفاضة لا تخص دلالتها شعبها الفلسطيني وحده، بقدر ما هي من علامات التمرد العالمي القادم علي استراتيجية المشروع الامبراطوري وادواته التنفيذية، وفي مقدمتها الصهيونية التي اصبحت تشكل اشرس المخالب الامريكية في كل بؤرة صراع، بدءا من ساحتها الاولي في فلسطين وبلاد العرب والاسلام، لكن معركة فلسطين كسرت لاول مرة اهم الاسلحة الصهيونية وهي سلطتها الاعلامية في عواصم القرارات الرئيسية لعالمنا المعاصر. فأوروبا الغربية راحت تقشع عن عيونها وضمائرها، عناكب التضليل المبرمج التي استسلمت لسمومها عقودا عديدة، هذا السلاح الامضي والافعل في عصر مرآوية التواصل، الذي هو الكلمة والصورة والرمز الحسي والصوتي، لم يعد كليا اسيرا لاساليب التلعيب والكذب المنظم التي دأبت علي استخدامها كبري مؤسسات الصحافة والتلفزة.

كما راح الشارع الاوروبي يتفاعل كذلك مع الشارع العربي، وان كان علي طريقته الخاصة، بما يعني ان ذروة الهجمة الشارونية علي القيادة الفلسطينية والاحرار المناضلين، تكاد تنقلب الي هاوية مظلمة لما تبقي من الاسطورة الاسرائيلية في ذاكرة جماهير الغرب وقادة الرأي الفكري والتوجيه السياسي. ومثل هذه المتغيرات علي صعيد الاعلام والمجال العام للمجتمع المدني في الغرب الاوروبي، لن تجيز لممارسة الجيش الصهيوني في رام الله والبلدات والمدن العربية الاخري اي مطمح في تسجيل انتصار سياسي، حتي ولو حققت آلة الحرب والعدوان اكبر كوارث العنف والتدمير. بل ان مآل الغزوة الجديدة لشارون لن يختلف كثيرا عن سابقتها الاولي ضد لبنان، عام 1982، ومحاولة اكتساح نصف لبنان واجتياح بيروت، والمباشرة في التحول نحو دمشق ايضا، ذلك ان فظاعة العنف التي صورتها تلفزات العالم كله انذاك اجبرت رئيس امريكا (ريغان) علي التخلي عن مشروع (بيغن) رئيس وزراء تل ابيب الذي حصل علي ضوء اخضر منه لمهاجمة لبنان واحتلال جنوبه، لكن شارون اراد الاستيلاء علي العاصمة بيروت، والتحرك كذلك نحو دمشق، فلقد شاهد الناس في التلفزة الرئيس الامريكي ريغان وهو ممسك بالهاتف ويصيح مخاطبا بيغن: قلت لك توقف، توقف، توقف! (عن قصف بيروت). وها هو التاريخ يعيد المشهد عينه، عندما يضطر بوش للتصريح بضرورة وقف الهجوم والانسحاب.. من رام الله وكل الضفة الغربية، وان كان ضاعف تصريحه بلوم عرفات واتهامه له انه لم يحقق امال شعبه في السلام، بينما هو لم يحقق امال عدوه في الانقضاض علي شعبه، واجتثاث المقاومة الاستشهادية كما تريده امريكا ان يفعل. ولانه لم ينفذ تلك المهمة القذرة التي سمحت له بالعودة من المنفي وانشاء السلطة الوطنية، فانه يتلقي العقاب اليوم علي هذه الصورة المروعة التي تحدث في فلسطين الشهيدة، لكن اصبح معروفا ان من تقاليد السياسة الامريكية انها سريعة التغير علي صعيد التكتيك. وهي قد وصلت اخيرا الي الاستنتاج الذي يحكم بالفشل علي حملة شارون المسموح بها، غير انها لم تكتسب ايا من اهدافها المرسومة. وبالتالي استحقت عقوبة التخلي عنها امريكيا ولو مؤقتا، من اجل البحث عن طرق اخري لاحتواء ثورة الشعب الفلسطيني: لكن الثورة هي التي زادتها المحنة الراهنة شمولا لمختلف قوي الشعب وتجديد لحمة وحدة كانت معطلة الي ان فرضت عليها تلك الهجمة الشريرة التفافا عضويا حول قيادته، لم يعرفه رئيسها عرفات من قبل. وما اكسب هذه القيادة رمزية جديدة تتخطي حدودها القومية الي اوسع رأي عام دولي وشعبي لم تحظ به اية ثورة منذ نموذج فيتنام.

لقد تساءلنا في مقال سابق انه في حال قبل العرب بالمبادرة السعودية واسرائيل رفضتها فما هو الحل. وجاء الجواب في ذلك الصمود الفريد والقدرة الاستثنائية علي التضحية المطلقة للشعب الفلسطيني وقيادته مقابل التواطؤ الامريكي الشاروني علي سحق البطولة المقاومة من دون جدوي، ما حرك ضمير العالم الراكد، واطلق خاصة مارد الشارع العربي المضغوط داخل قماقم حكوماته العاجزة، وبما يهدد مصالح النفط لفظيا علي الاقل. لكن مرة اخري سوف تأتي خديعة التفاوض الكاذب لتجهز علي المكاسب المعنوية الكبري لهذه المرحلة الرهيبة من تاريخ ثورة العرب الوحدانية المستمرة في فلسطين. وهو الفخ المتكرر بين وثبة واخري.

ومع ذلك لا يزال شبح التفاوض بعيدا عن مسرح الاحداث في حين يدافع بضع عشرات من شباب جنين ونابلس عن كرامة العرب جميعا دون ان يحاول اي مسؤول حكومي الاتصال ببوش طالبا منه موقفا حقيقيا للوحشية الاسرائيلية الغازية. كأنما لم يتبق لدي النظام العربي سوي انتظار المعجزات من بوش، وهو نفسه الذي يكرر مطالبته شارون بالانسحاب، يبدو انه اضحي يتقن لغة الانتظار بالكلام وحده كذلك، بينما يصر شارون علي المجاهرة انه لن يتوقف الا بعد تحقيق اهدافه كلها.

الا ان واقع الامر هو ان بوش انما يترقب هو اولا انجاز شارون الاساسي من اجل ان يبني عليه املاءاته السياسية، واهمها اجبار عرفات علي الانصياع الكامل او الاستقالة القسرية، وابدال قيادته بدمي اخري من الصفوف الثانية او الثالثة، واعادة السلطة الفلسطينية الي مهمتها السرية المقررة تحت بنود اوسلو، وهي ان تكون اداة ضبط وقمع متنوع لقوي المجتمع الفلسطيني، ما يؤدي في النتيجة الي الغاء فلسطين كقضية تحرر وطني وانساني، ومسخها الي محمية اسرائيلية، وحرمان المشروع النهضوي والاستقلالي العربي من قلبه النابض، حتي يسهل تعقيم المجتمع العربي الاكبر من قواه الحيوية.

وذلك هو الهدف المركزي لمرحلة العدوان الامريكي بالاداة الصهيونية والموجه ضد كل مكتسبات الاستقلال الوطني للعرب ووعودها المنتظرة، اذا كان الحاكم العربي المتقاعس لا يزال يمارس غريزة تخويف الناس بأشد من اخافة العدو له، فان طلائع البطولة في فلسطين يزيد اتقانها لمهنة اخافة العدو وتحطيم مشاريعه واحدا تلو الاخر، هكذا سوف يطول الانتظار الشاروني والبوشي الي ما لا نهاية.