خصائص الخطاب التزكوى (2)

 

بقلم : د.علاء مختار

 

 

التحرر من أسر النمط والقالب اهتمت التيارات الإسلامية على اختلاف فصائلها أن يحوى خطابها التزكوى (التربوي) إجابات شافية لكل سؤال وكان وراء هذا الاهتمام دافعان : 1- استفسارات أبنائها رغبة في وضوح الرؤية وتحديد خطوات الطريق ومعرفة البداية والنهاية والوسط. 2- تحديات التيارات المناوئة رغبة في إحراج التيارات الإسلامية وبيان عجزها . الحالات التي أمتد فيها هذا الاتجاه _ الإجابات الجاهزة _ من الفكر إلى الحركة وقع أصحابها في أسر النمط الواحد وما يفرزه من قوالب ثابتة على اعتبار فرضية لم يثبت صحتها وهى أن الفكر الواحد لابد ان ينتج عنه نمط واحد من العمل والتفاعل مع الأحداث فقال البعض التغيير يأتى من القمة وقال آخرون التغيير يأتى من القاعدة وقال غيرهم نحن نتكلم فيما تحت الأرض وفوق السماء ورأى البعض أننا في دار حرب ورأى آخرون أننا في دار إسلام وأخذ فريق بأن الشورى ملزمة والفريق الآخر اعتمد أنها معلمة ونشأ عن الوقوع في أسر النمط الواحد عدة ظواهر منها : 1- 1-الاتجاهات التي امتدت زمانيا ومكانيا وتراكمت لديها حصيلة جيدة من الرؤى والخبرات بدأت تعاني من صعوبة الوقوف على رأي الجماعة وأصبحت عبارة إن هذا أو هؤلاء لا يعبرون عن رأي الجماعة ولكن يعبرون عن ذواتهم عبارة شائعة ووجود متحدثين رسميين لم يحل المشكلة لأنهم بدلا من القيام بجمع الرؤى المتنوعة الصالحة وطرحها على أنها اختيارات للجماعة اقتصر دورهم على اعتماد إحدى الرؤى ومطالبة أصحاب الرؤى الأخرى بالاحتفاظ بها لذواتهم نزولا على رأي الجماعة وحفاظا على وحدتها. 2- 2- الاتجاهات التي سارت في عمليات المراجعة الحركية وجدت نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات فكرية ليس لها ما يبررها رغم أنها بدأت هذه الخطوة من باب ميزان المصالح والمفاسد وهذا أمر جيد ولا يترتب عليه رفض فكر وتبني فكر آخر لأنه عبارة عن انتقال من اختيار إلى آخر داخل نفس الإطار الفكري ولذلك كان الاستدلال على عدم جواز الخروج على الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله بمسألة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على النجاشي استدلالا في غير موضعه فالنجاشي كان ملكا مسلما يحكم شعبا مسيحيا وكان في وسع هذه الاتجاهات صاحبة المبادرة التاريخية أن تتراجع عن الخروج على الحاكم دون تلبيس نمط بآخر لا ينطبق عليه. 3- 3- ومن أشد الظواهر التي نشأت عن الوقوع في أسر النمط الواحد فقدان التيارات الإسلامية لزمام المبادرة وترتب على ذلك ضياع بعض الفرص التاريخية لمجرد أنها جاءت من نمط غير معتاد أو غير متوافق مع النمط المعلن. والواقع أن هذه الظاهرة ليست جديدة ولا تقتصر فقط على الاتجاهات الإسلامية فالأمة في عمومها على مدى التاريخ قد وقعت بالفعل في أسر النمط الناجح فإذا انتهج الراعي أسلوبا أثبت نجاحا وتفوقا تعلقت القلوب بهذا الأسلوب وهذا النمط وطالبت من بعده بإتباعه والسير عليه وهذا شكل عبئا مضافا إلى أعباء كل خليفة يخلف آخر كان يتميز- هذا الآخر- بأسلوب أثبت تفوقه وهذا ما عبر عنه الفاروق رضي الله عنه أصدق تعبير عندما قال " رحم الله أبا بكر.. لقد أتعب من جاء بعده". وهذا الأمر _ التعلق بالنمط الواحد خاصة إذا كان ناجحا و رفض أية محاولة للتنوع _ طبيعة بشرية وفي ظننا أنه يصعب جدا تغييرها ولكن إذا كان هذا الأمر له ما يبرره في بداية التجربة الإسلامية فإنه بعد مرور أربعة عشر قرنا من تاريخ الأمة وما حوته من ثراء في التجارب والأنماط المختلفة لم يعد له ما يبرره وأصبح من الأهمية بمكان التحرر من أسر النمط الواحد الناجح و اعتبار الخروج عن هذا النمط خروجا عن النهج الصحيح أو نزولا عن المستوى الرفيع وهذا من المهام المرشحة للخطاب التزكوي (التربوي) للحركات الإسلامية ليتبناها في المرحلة القادمة. 4- نتج عن الوقوع في أسر النمط الواحد قناعات ترسخت في أذهان العاملين للإسلام بصفة عامة والشباب منهم بصفة خاصة هذه القناعات تتضمن ما يأتي : هناك إجابة واحدة لكل سؤال _ هناك توصيف واحد للواقع _ هناك موقف واحد من كل فئة _هناك اختيار واحد صحيح من بين الاختيارات . والتأمل في القرآن والسيرة والتاريخ يشكك في هذه القناعات فهناك أسئلة لها إجابة وهناك أسئلة لها أكثر من جواب وهناك أسئلة لسنا مطالبين بإجابتها وهناك عدة طرق للوصول وأكثر من احتمال للوقوع . "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " الإسراء ،"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " البقرة ، "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين " الملك. "قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " التوبة ، فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون " غافر . وفي موقف الصحابة رضوان الله عليهم من أسرى بدر أنماط مختلفة مثلها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنماط مختلفة من الأنبياء عليهم السلام وفى الخلفاء الراشدين أنماط مختلفة كلها حازت صفة الرشد على ما فيها من التباين وفى سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم نمطان مختلفان الحسن رضى الله عنه صالح معاوية رضى الله عنه والحسين رضى الله عنه خرج على يزيد وكلاهما _الحسن والحسين _سيدا شباب أهل الجنة رغم أن الأول أعتمد طريقا دبلوماسيا والثاني أعتمد طريقا ثوريا وإن كان هناك من يخطئ الحسين فقد جانبه الصواب . وفى مقال قادم إن شاء الله نتناول طرفا جديدا من خصائص الخطاب التزكوي المقترحة للمرحلة القادمة. لمراجعة المقال السابق:

http://www.alarabnews.com/alshaab/GIF/21-06-2002/Alaa.htm