ثورة
يوليو: خمسون
عاماً
ملك
تحت الحصار!
إذا
كان يمكن وصف
يوم أو أسبوع
أو شهر في
حياة أمة بأنه
كان علامة
فارقة في
تاريخها، فإن
شهر ديسمبر 1948
هو ذلك الشهر
في حياة مصر
الحديثة قبل
ثورة سنة 1952!
(والحقيقة
أن تلك السنة 1948
في تاريخ
العالم العربي
تكاد تشبه سنة
1848 في التاريخ
الأوربي، وكانت
تلك سنة
تغيرات كبرى،
وانقلابات،
وحركات عصيان
في بريطانيا،
وفرنسا،
وألمانيا،
والنمسا،
وإيطاليا،
والبرتغال،
وروسيا،
وصقلية، وحتى
سويسرا وفيها
حوصر ملوك
ورؤساء
وأمراء، وبعضهم
سقطت عروشهم
مثل <<لويس
فيليب>> ملك
فرنسا الذي فر
هاربا إلى
إنكلترا وكذلك يمكن
القول إن
عاصفة الثورة
على
المجتمعات
الأوروبية
وصلت إلى
مجتمعات
الشرق متأخرة
قرنا بالكامل
عنها في
الغرب!).
وبصرف
النظر عما إذا
كان التحديد
الزمني
والتخصيص،
ممكنا في
تاريخ تتواصل
حلقاته،
وتتسابق
أحداثه،
وتترتب النتائج
فيه على
مقدمات
سبقتها، فإن
شهر ديسمبر 1948 شهر
لا يترك لباحث
أو
دارس أو قارئ
مجالا غير أن
يتوقف عنده
ليسمع ما يكاد
أن يكون رغم
مضى السنين،
أجراسا تدق
منذرة،
ومصابيح حمراء
تشتعل محذرة.
والشاهد
أن أيام ذلك
الشهر تعكس
تغيرات هائلة
حلت وكان
حلولها
استحقاقا حان
أوانه على المعادلات
الحاكمة في
الشأن
المصري، وعلى
مقدمتها
ثلاثية
السلطة بين
الإنكليز
والقصر والوفد.
في
ذلك الشهر
ديسمبر 1948
انتقل
التأثير
الدولي الأهم
على القرار
المصري من
المملكة
المتحدة إلى
الولايات
المتحدة، أي
من
الإمبراطورية
البريطانية
التى شاخت
وخفت صوتها
إلى
الإمبراطورية الأميركية
النازلة على
الدنيا كما
تنزل الطائرات
على مهابطها
ومحركاتها
تزعق،
وسرعتها تصرخ
رغم أن
كوابحها
تعمل، ثم إن
عجلاتها
تلامس الأرض
كأنه احتكاك
ناري بغير شرر!
وباختصار،
ففي هذا الشهر
بدا كأن
الإمبراطورية
البريطانية
في الشرق
الأوسط وجود
يشحب، وأن
الإمبراطورية
الأميركية
زحف يتقدم، مع
أنه لا يزال
يدّعي
البراءة
وينفي عن نفسه
<<تهمة>>
الإمبراطورية،
بمقولة أن
دوره العالمي
في الواقع
شركة مساهمة
مفتوحة لكل من
يريد الدخول
إلى زمان جديد
يتيح للشركاء
نصيبا في
الأرباح
يأخذها كل
جَسور ينظر
إلى اليوم
وينسى الأمس!
وفي
ذلك الشهر بدا
القصر الملكي
مغلقا على نفسه،
وبدا الملك
<<فاروق>> فيه
مشغولا
مهموما بمشاكل
تكالبت
تحاصره: على
المستوى
الشخصى الإنساني،
وكذلك على
المستوى
العام.
ولأول وهلة
ظهر الملك
<<فاروق>>
خائفا من
عناصر أفلتت
من سيطرته
وتحولت إلى
مخاطر تقترب
من عرشه وتهدد
حياته، حتى
بدا كأن وصف
الأمير <<محمد
علي>> ولي عهده
في
حديث له مع
السفير
البريطاني قابل
للتصديق، رغم
أن قائله كاره
للملك حاقد عليه.
وكان ولي
العهد قد ذكر
للسفير
البريطانى في
حديث بينهما
<<أنا أعرف
<<فاروق>>
أكثر منك، إنه <<خواف>>
أبوه زرع في
قلبه بذرة
الخوف، وأمه
تكفلت
بالبذرة
وحولتها إلى
نبت ضعيف لا يقوى
على الريح،
وخصوصا إذا
جاءت الريح من
ناحيتها.
والحقيقة
يقول ولي
العهد أن <<الولد>>
لا <<يعقل>>
إلا إذا وجد
من <<يشكمه>>،
وهو ما لا يقدر
عليه أحد في
مصر، ولذلك
فإن <<شكم>>
الملك
مسؤوليتكم
(الحكومة
البريطانية)،
وهو في نفس
الوقت
مصلحته لأنه
يعيده للصواب>>.
وفي
ذلك الشهر
بالتحديد،
كان رهان
الملك في فلسطين
يخسر، وجيشه
يُحاصر،
وزوجته <<فريدة>>
تتسلم ورقة
طلاقها،
وكذلك شقيقته
<<فوزية>>،
وأمه تعلن
العصيان
عليه،
والمرأة التي عرض
عليها أن
تتزوجه
وتشاركه
العرش والتاج
تبعث له من
باريس ترفض
عرضه وتكسر
قلبه!
وفي
ذلك الشهر بدا
واضحا أن قرار
الوفد استقر أخيرا
في يد <<فؤاد
سراج الدين>>
(باشا). وكان
القرار في ذلك
الحزب عند
البداية
شراكة بين زعامة
<<النحاس>>
وإدارة
<<مكرم>> ثم
تحول إلى
شراكة نفوذ
بين السيدة
<<زينب هانم
الوكيل>>
و<<فؤاد سراج
الدين>> (باشا)
ثم انتهى إلى
حالة من
الغموض ظهر
وسطها <<فؤاد
سراج الدين>> (باشا)
وكأنه <<وكيل
دائرة الحزب
ومدير
أملاكه>>،
وتلك ثقافة
تقليدية
عرفها عصر الملكيات
الزراعية
الكبيرة في
مصر، وكان هذا
النجم الصاعد
في الحياة
السياسية
المصرية مستوعبا
لهذه
الثقافة،
وقد نقلها معه
من الزراعة
إلى السياسة،
أي من إدارة
تفتيش زراعى
واسع إلى
إدارة حزب
سياسي كبير.
وذلك
أدى إلى اختلاف
كبير في
ممارسات حزب
الأغلبية،
فالعادة أن
الوفد يعتمد
على قواعد
جماهيرية
يستطيع تحريكها
عند اللزوم،
وعلى مجموعة
مبادئ عامة ظلت
توجه الرأي
العام المصري
طوال
مرحلة طلب
الاستقلال،
بالإضافة إلى
قدرة على المناورة
السياسية، مع
ملاحظة أن أي
مناورة يقوم
بها أي حزب لا
بد لها حتى
تحقق كامل
نتائجها من أن
تكون قريبة من
قواعده
الجماهيرية،
وموصولة بمشاعر
الرأي العام.
لكن
الوفد وهو
يتحول في ظروف
مستجدة، من
عقلية حزب
جماهيري شعبي
يستشعر آمال
الناس ويتقدم
للتعبير عنها
ويحرك ويحرض
إلى دائرة
أملاك زراعية
شديدة
البراعة في
جمع المحصول،
وتأمين
المخازن،
وعقد
الصفقات،
وتوزيع
الأقساط
وضمان
تحصيلها، طرأ
عليه تحول
أثَّر على
شخصيته ذاتها
وعلى طبيعة
نشاطه!
.......................
.......................
وهذا
التصوير
لثقافة <<فؤاد
سراج الدين>>
(باشا) لا
يضيره ولا
يسيء إليه، لأن
كل شخص يقبل
على العمل
العام ويدخل
ميدانه، يصل
إلى هناك ومعه
حمولاته
الثقافية
الكاملة
(وفيها
الموروث
بخصائص
الطبيعة، وفيها
المؤثر
بالبيئة
والتربية
والقيم الموجهة،
وفيها
المكتسب
بالعلم
والمعرفة
والتذوق
وأخيرا فوقها
المتراكم
بالتجربة مع
الحياة
والناس والظروف)،
ولذلك فإن
هذا
التصوير
لثقافة <<فؤاد
سراج الدين>>
(باشا) هو في
الجوهر توصيف
موضوعي يعرض
للحقائق دون
أحكام قيمة.
وغير ذلك وبعيدا
عنه فإن قيمة
الرجل العام
تتأتى، ويكون
الحكم عليه
بالأهداف
العامة، وبالأداء
اليومي،
وبمقدار ما
يضيف أي سياسي
من جهد ينجح وينفع.
1
لندن تنام
وواشنطن تصحو
كانت
بداية الظهور
الأميركي في
القاهرة مجيء
<<كيرميت
روزفلت>>
ممثلا لمكتب
الخدمات الخاصة
(الذي تحول في
ما بعد إلى
وكالة
المخابرات
المركزية
الأميركية).
وكان
<<كيرميت روزفلت>>
ابنا لرئيس
أميركي سابق
هو <<تيودور روزفلت>>،
وبالتالى ابن
عم للرئيس
الأميركي
الحالي <<فرانكلين
روزفلت>> الذي
قاد الولايات
المتحدة قبل
الحرب
العالمية
الثانية
وخلالها.
وتبين
أول إشارة
مكتوبة إلى
مجىء
<<كيرميت>> إلى
القاهرة في
يوميات
اللورد
<<كيلرن>>
السفير
البريطاني
العتيد في
مصر، وقد
سجلها يوم الجمعة
20 سبتمبر 1940 على
النحو التالي:
<<جاء
<<كيرميت
روزفلت>> وهو
ابن الرئيس
الأميركي
الراحل
<<تيودور
روزفلت>>
للغداء معنا.
لم أكن رأيته
منذ كنا معاً
في رحلة صيد
في <<بكيللنج>>
ضيوفا على <<بيل
آستور>>
و<<جون هير>>.
<<كيرميت>>
تطوع الآن في
الجيش
البريطاني،
وجاء يرتدي زي
ضابط برتبة
<<مايجور>> في
لواء <<ميدل
سكس>>، وكان
الغداء
مناسبة
لطيفة. وكان
معنا
<<هاملتون>>
و<<غراهام>>
(من الهيئة الدبلوماسية
للسفارة
البريطانية).
مرة أخرى وجدت
<<كيرميت>>
شابا حسن
المعشر،
ولاحظت أنه يتلعثم في
كلامه بأكثر
مما كان في
الماضي. وخطر
لي أنه يتعمد
ذلك ليعطى
نفسه فرصة
للتفكير قبل
أن يجيب عن أي
سؤال. وجدت
<<كيرميت>>
أيضا أكبر من
سنه، وتحدثنا
عن دخول
أميركا
إلى الحرب،
وقال إنه
يتعجل دخولها
وذلك ما دفعه
إلى الالتحاق
بالجيش
البريطاني.
وأنه تحدث في
الموضوع مع
الرئيس، لكن
الرئيس يعطي
اعتبارا
للموقف
الداخلي، رغم
أنه في صميم
قلبه معنا، وسألته
إذا لم يكن
التأخير
راجعا إلى قرب
انتخابات
الرئاسة،
وأجاب إن ذلك
في الغالب
صحيح، ولكنه
(كيرميت) لا
يستطيع أن
يقاوم نفاد
صبره في
انتظار دخول
أميركا إلى
الصراع!>>.
وتكرر
حضور <<كيرميت
روزفلت>> بعد
ذلك في
مجتمعات
القاهرة، حيث
تختلط
<<الطبقة
الراقية>>
المصرية
بالصفوة من
ضباط الحلفاء
(الإنكليز
والأميركيين
والفرنسيين
وغيرهم)
على أنه كان
يختفي ويظهر،
ثم يعرف
أصدقاؤه أنه
كان في <<جدة>>
أو في
<<القدس>> أو
في <<بيروت>> أو
في
<<اسطنبول>>،
ثم يفهم
الجميع أن
<<كيرميت>> يتحرك
في محيط واسع،
وأنه في هذا المحيط
يقوم بدور
<<ما>> هو
مسؤوليته
الحقيقية،
والدليل أنه
غائب دائما عن
وحدته
العسكرية البريطانية
حتى وإن ظل
يرتدي زيها
الرسمي!
ويعرف
السفير
البريطاني
اللورد
<<كيلرن>> في القاهرة
أن <<كيرميت
روزفلت>>
يلتقي بالملك
<<فاروق>> ولا
يثير ذلك
شكوكا لديه،
لكنه لم يلبث أن
راجع نفسه في
تأثير
<<كيرميت
روزفلت>>،
وظهر ذلك في
برقية منه إلى
وزارة
الخارجية
البريطانية
رقم (45/ 2/ 1053) موجها
الكلام
بالتحديد إلى
السير
<<رونالد
كامبل>> رئيس
إدارة الشرق الأوسط
قائلا:
<<في
لقاء اجتماعي حضره
أحد معاوني في
السفارة هنا،
جلس الملك <<فاروق>>
يتحدث عن
تصوراته:
قال
<<فاروق>>
<<انه عندما
تنتهي الحرب
فإن المتاعب
الحقيقية سوف
تبدأ، لأن
الروس (الاتحاد
السوفياتي)
سوف يباشرون
زحفهم
السياسي>>. واستفاض
الملك في شرحه
قائلا:
<<في
العادة كان
الروس يبدأون
دعاياتهم
وتحريضهم في
بلد، ثم
يجيئون بعد ذلك
لاحتلاله
عسكريا،
والآن غيروا
الأسلوب، يحتلون
عسكريا أولا
ثم تأتي
الدعاية بعد
ذلك لإضعاف أي
مقاومة
لاحتلالهم.
وفي موازين
العالم
المستجدة فإن
القوة
الوحيدة التى
يمكن أن تتصدى
للروس وتقاوم
توسعهم هي
الولايات
المتحدة
الأميركية.
وفي ذلك فإن
بلدان الشرق
الأوسط لا بد
لها أن
تساعدهم>>.
وعندما لاحظ الملك
وجود رجل
إنكليزي
بالقرب منه
أضاف <<لا بد
أن تقف
بريطانيا مع
أميركا بعد
الحرب لمقاومة
الشيوعية
وأعرف أن
الدول
الصغيرة هي
التى ستدفع
الثمن إذا لم تقم
الولايات المتحدة
بدورها>>!
يضيف
السفير
البريطاني من
عنده بعد ذلك
ملاحظات
واستنتاجات
تطول بها
برقيته عن
الحد المعتاد،
ويقول: <<إنني
لا أريد أن
أقرأ في كلام
الملك
<<فاروق>>
أكثر مما
يحتمله، لكن
كلامه
بهذه
الطريقة عن
الولايات
المتحدة باعتبارها
وحدها السد
المنيع
القادر على صد
الشيوعية له
معانٍ، أهمها
اعتقاده أن
الولايات
المتحدة دون
غيرها تملك
موارد القوة
القادرة. ومثل
ذلك الاعتقاد
قد يؤدي
به إلى
استنتاجات
خاطئة يتصور
فيها
<<فاروق>> أن
سياسته في
الدفاع ضد خطر
شيوعى يراه،
لا يتم بغير
تعاون وثيق مع
أميركا>>.
ويمضى
السفير
البريطاني
إلى
<<بكائية>>
طارئة على
عجرفته
التقليدية
أيام خدمته في
مصر فيقول:
<<من
سوء الحظ على
نحو ما أننا
تحملنا وحدنا
الجزء الأول
والأخطر من
الحرب، ثم جاء
الأميركيون
في الجزء
الثاني منها،
وبالطبع فإن
المصريين
وفيهم ملكهم،
لن تفوتهم
ملاحظة أن الأخبار
الواردة من ميادين
القتال في
أوروبا وتظهر
أن الجيوش الأميركية
والسوفياتية
هي التي تقود
النصر ضد
ألمانيا.
وعندها
تبدو لهم
الولايات
المتحدة
عملاقا، ويبدو
لهم الاتحاد
السوفياتي
عملاقا آخر، ولا
يخطر على
فكرهم أن
أميركا لن
تستطيع أن تتحمل
التزام
الدفاع عن
الشرق الأوسط.
إننى
آمل أن لا يمر
وقت طويل قبل
أن يفهم الملك
<<فاروق>>
وغيره أن
أميركا لن
ترضى بحمل
<<الطفل>> في
الشرق الأوسط America
will not carry the Middle East baby..
إنني
متأكد من أن
<<فاروق>>
مرعوب من
الشيوعية،
وإذا كان ذلك،
فإن عليه أن
لا يبحث عن
حماية أميركية،
ولكن عليه أن
يبحث عن تحسين
أحوال شعبه.
لا
بد أن أضيف
أنني أظن أن
هناك من
يزينون لفاروق
لعبة أنه
يستطيع
استعمال
الأميركان
لكي يثير
غيرتنا، وذلك
ابتزاز لا يصح
لنا أن نرضخ له>>!
لكن
اللورد
<<كيلرن>> لا
يهجع لأن
<<كيرميت روزفلت>>
يقابل الملك
<<فاروق>> كثيرا،
وفي بعض
المرات تطول
اللقاءات في
بيت <<كريم
ثابت>>، وكذلك
يقرر السفير البريطاني
أن يثير
الموضوع
مباشرة مع
الوزير الأميركى
المفوض
<<بنكني تاك>>
ثم يكتب إلى
وزارة الخارجية
تقريرا عن هذا
اللقاء (271/ 62975)
يقول فيه:
<<رتبت
الفرصة لحديث
صريح مع
الوزير الأميركي
المفوض
<<بنكني تاك>>
في شأن
الأحوال الراهنة
هنا وقد ذكرت
له ما يلي:
المصريون
يستغلون
مؤتمر سان
فرانسسكو لكي
يتجاوزوا
ضرورة
مفاوضات
مصرية
بريطانية مباشرة،
وهذه دسائس
<<بدوي>> (يقصد
عبد الحميد بدوي
باشا)، وعلى
أي حال فسوف يكون لي
<<كلام قاس>>
معه حين يعود
إلى القاهرة.
هناك
انطباع لدى
<<الجماعة>>
هنا بأن
بريطانيا
منتهية في
الشرق
الأوسط، وأن
مصر لا بد لها من
الاعتماد
مستقبلا على
أميركا، وذلك
انطباع أحمق
يتجاهل
الحقائق،
وأهمها وجود
تعاون
بريطاني
أميركي وثيق
في مناطق
العالم كله.
والمصريون
كالعادة
يظنون أنهم
شطار Smart ويحلمون
بأن يجعلوا من
الطرفين (نحن
والأميركان)
خيول سباق،
وهو جنون
مطبق، وخشيتي
أن بعض الناس
يشجعون هذه
الأوهام، وهي
في المحصلة
النهائية تضر
إمكانيات
الدفاع عن الشرق
الأوسط.
قال
لي <<بنكني
تاك>> إنه
يتفهم ما قلت،
وهو لم يترك
فرصة لتبديد
وهم المصريين
بأنهم
يستطيعون
الإيقاع بين
الحليفين
الكبيرين
(الولايات
المتحدة
وبريطانيا).
لكنه لسوء
الحظ يعرف أن <<بعضا
من رجاله>>
ينسون أنفسهم
في ممارسة مثل
هذه الغوايات
الخطرة
للمصريين،
وقد نبه بعضهم
مرات إلى تلك
السخافة.
إنني
أعرف بوسائلي
أن <<بنكني
تاك>> حريص
على الدور
الخاص
لبريطانيا في
الشرق
الأوسط، وقد
نقلت إلى
قرينة ولي العهد
اليوناني عنه
كلاما ينصح
فيه حتى
اليونانيين
بأن <<علاقة وثيقة>>
بين الجميع وبين
المملكة
المتحدة هي
الضمان
الحيوي لأمنهم،
وأن عليهم
تقدير أن
التحالف
<<الأنكلو أميركي>>
قوي للغاية!>>.
وفي
تقرير لاحق
يزيد اللورد
<<كيلرن>>
بتسجيل ملاحظة
قالها للوزير
الأميركي
المفوض ونصها:
<<قلت
ل<<بنكني
تاك>> إن
الولايات
المتحدة لها
<<مبدأ
مونرو>> خط
منتصف المحيط
الأطلسي والهادئ
أيضا الذي
أعلنته للقوى
العظمى حتى
تراعيه
وتلتزم به ولا
تتدخل في
شؤون
الأميركتين.
وبالنسبة لبريطانيا
العظمى فإن
لدينا شيئا
مماثلا في شأن
الشرق
الأوسط، ومن
الضروري أن
يراعيه الجميع
ويلتزموا
باعتبار أن
المنطقة
تخصنا وتخص أمننا
ومصالحنا
الحيوية!>>.
ثم
يروي اللورد
<<كيلرن>> في
تقرير (206/ 2231)
واقعة غريبة
لا تظهر من
حولها أية
تفاصيل:
<<قال
لي الوزير
الأميركي
المفوض إنهم
استعادوا
مبلغ 40 مليون
دولار بطريقة
معينة <<ولا
أعرف كيف؟ ولا
من أين حصلوا
عليها؟ أو
ممن؟>> وأنهم
بسبب ذلك سوف
يتركون يدنا
طليقة
في منطقة
الشرق
الأوسط!>>.
ويفاجأ
اللورد
<<كيلرن>>
ربما حين يصله
رد على
برقياته
المتكررة
المحذرة من
محاولة دخول
أميركي في
مصر، ويكتب
إليه وكيل
الخارجية اللورد
<<كادوغان>>
بنفسه (16/3/1913) قائلا:
صديقي
العزيز
قرأت
برقياتك
الأخيرة،
وأرى من
المفيد أن يعرف
الأميركان
حجم اهتمامنا
وصلابتنا في
ما يتعلق
بدورنا
القيادي في
مصر، لكني
أرجوك ألا
تعطيهم
الانطباع
بأننا نريد استبعادهم
نهائيا من هذا
البلد.
إننا نريد
منك أن تنقل
إليهم
ترحيبنا
بتعاون يستلهم
روح العلاقة
الخاصة
البريطانية
الأميركية في
مصر كما في
غيرها، لكننا
نريدهم في
الموضع
المناسب
والموضوع
المناسب أيضا.
ويرد
اللورد <<كيلرن>>
على اللورد
<<كادوغان>> (45921/371)
برسالة يقول فيها:
عزيزي
أليكس
لا
تقلق لأني
حريص دائما أن
يكون واضحا في
كل ملاحظاتي
على محاولة
الدخول
الأميركي في
مصر أننا
نتعاون معهم
بنسبة 100%
واعتقادنا أن
في مصر متسعا
لنا
وللأميركان
في نفس الوقت،
لكنى
لا أريد أن
أترك مجالا
للشك في حقيقة
أن قناة
السويس هي
شريان الحياة
بالنسبة لنا.
وأن اهتمامنا
بالدفاع عن
مصر متصل
بدفاعنا عن
أنفسنا.
دعني
أضف أيضا أننا
في حاجة إلى
أن يتخلص الأميركان
من إغراء
العودة إلى
العزلة وراء
المحيط
الأطلنطي كما
فعلوا بعد
الحرب
العالمية الأولى.
وأنا واثق من
أن ذلك لن
يتكرر بسبب
مطالب
أميركا في
بترول الشرق
الأوسط، إنني
أسلم لهم بهذه
المطالب،
ولكن ذلك لا
يبيح لهم
الدخول بغير
حدود في مصر
لأن تلك
بالنسبة لنا
مسألة حياة أو
موت.
ويختم
<<كيلرن>> رده
على
<<كادوغان>>
بقوله:
ما
هو رأيك هل
تراني على حق
يا سيدي؟ Am I
right sir?
ومن
حسن حظ اللورد
<<كيلرن>> أن
سير الحوادث أثبت
أن مخاوفه
مبررة لكنه لم
يكن على حق.
والذي
حدث أن حكومة
العمال
(برئاسة
كليمنت آتلي)
وقد جاءت
مهتمة ببرامج
إصلاح
اجتماعي استدعتها
إلى السلطة
وأقصت
المحافظين
بزعامة <<تشرشل>>
رغم أنه قائد
النصر، ثم
تبين لها أنها لا تستطيع
التورط في
نفقات عسكرية
باهظة وارتأت أن
تترك
للولايات
المتحدة مهمة
<<تطوير بعض الجيوش
في الشرق
الأوسط>>،
وبالذات تلك
الجيوش التى
طلبت معونة
الولايات
المتحدة وأولها
الجيش التركي.
وكان ذلك ما
دعا الملك <<فاروق>>
إلى عملية جس
نبض يستكشف
بها إذا كانت
الولايات المتحدة
مستعدة
لتطوير الجيش
المصري عن طريق
<<مساعدة في
التدريب والتسليح>>.
وعندما طرح
طلب الملك في
اجتماعات
التنسيق (البريطاني
الأميركي)، لم
تكن هناك على
عكس المنتظر
معارضة
بريطانية،
وكانت الخطوة
الأولى في تلبية
طلب الملك،
ضرورة
قبول <<بعثة
عسكرية أميركية
إلى مصر>>،
وقد وافقت
بريطانيا
كذلك وكان
المفروض أن
مجيء هذه
البعثة
الأميركية خطوة
أولى على طريق
تطوير الجيش
المصري لكن مجيئها
أصبح الخطوة
الأخيرة
أيضا، لأن
المسألة
توقفت عند هذا
الحد. لكن
مجرد وجود بعثة
عسكرية
أميركية
بالفعل في مصر
(ومن حسن حظ
اللورد <<كيلرن>>
أنه لم يكن في
مصر وقتها،
وإنما كان في منصب آخر قرب
جنوب أفريقيا)
وكان ذلك استفزازا
لأحلامه كما
عبّر عنها في
مرحلة سابقة.
ثم
وقع النفاذ
الأميركي
السياسي
الأكبر في مصر،
ذلك الشهر
الخطير أيضا
ديسمبر 1948.
كانت
القوات
الإسرائيلية
قد اجتازت خط
الحدود قبل
يومين،
واخترقت
الجبهة
المصرية، مهددة
بتطويق الجيش
الميداني
وقيادته في
فلسطين.
وكان
اغتيال
<<النقراشي>>
(باشا) قد جرى
صباح 28 ديسمبر
1948، وعهد الملك
إلى <<إبراهيم
عبد الهادي>>
(باشا) برئاسة
الوزارة خلفا
له على الفور،
وكانت أول
خطوة قام بها رئيس
الوزراء
الجديد دعوة
السفير
البريطاني في
القاهرة
لمقابلته.
وكتب السير
<<رونالد كامبل>>
إلى وزير
الخارجية
<<أرنست
بيفن>> برقية سرية
يروي فيها
تفاصيل
المقابلة:
<<أبلغت
<<عبد
الهادي>>
عزائي وأسفي
لما جرى لسلفه،
وهو في نفس
الوقت صديقه
وزعيمه قبل أن
يصبح <<عبد
الهادي>>
رئيسا
للديوان
ويترك حزب
السعديين.
وكان <<عبد
الهادي>>
متأثرا وقلقا
بسبب ما وصلت
إليه الأوضاع
على الجبهة،
وهنا ذكرت له
أن <<حيدر>>
(باشا) وزير
الدفاع
قابلني صباح
اليوم، ووجه
إلي سؤالا عن
أية مساعدات
نستطيع
تقديمها
لهم، وأوضحت
لرئيس
الوزراء
الجديد أن من
المفيد أن
تعرف حكومة
صاحب الجلالة
البريطانية
ما إذا كان
الطلب الذي
قدمه <<حيدر>> (باشا)
بالحصول على
معدات حربية
وذخائر
هو طلب رسمي
باسم الحكومة
المصرية،
وإذا كان
الأمر كذلك
فعلى أي أساس
سياسي
وقانوني تم التقدم
به؟ ورد <<عبد
الهادي>>
(باشا) قائلا:
<<إن الطلب
بالتأكيد
مُصدق عليه من
قِبَل
الحكومة
المصرية،
وأبدى أن مصر
حاولت مخلصة
أن تمتثل
لقرارات مجلس
الأمن، لكن
اليهود
أظهروا المرة
بعد المرة
ازدراءهم
لسلطة الأمم
المتحدة
بقيامهم
بأعمال
عدوانية
متكررة،
ضاربين عرض الحائط
بالهُدنة
وبغيرها من
قرارات مجلس
الأمن،
وانتهى الأمر
باختراقهم
الأراضي
المصرية،
والحكومة
المصرية إذ
تطلب أسلحة،
فليس الغرض من
ذلك هو
العدوان، بل
لكي تدافع مصر
عن نفسها.
وسألت
رئيس الوزراء
المصري إذا
كان يقترح قيام
حكومة صاحب
الجلالة برفع
الحظر المفروض
على الأسلحة
من طرف واحد
فإذا كان، فهل
أدخل في حسابه
أن من شأن ذلك
أن يفضي لا
محالة إلى رفع
الحظر بصورة
عامة في
المنطقة، مما
يترتب عليه أن
يتمكن اليهود
من الحصول على
الأسلحة،
وكذلك على
المتطوعين
بحرية وعلنا،
بحيث يصبح
الوضع الأخير
شرا من الوضع
الأول.
وانتهيت
بأن أوضحت
لرئيس
الوزراء
المصري أنه
متى ثبتت
واقعة الغزو
اليهودي
للأراضي المصرية،
فالمتعين
أولا أن تتلقى
حكومة صاحب الجلالة
طلبا رسميا
بالمساعدة من
الحكومة المصرية،
ثم
تنظر في
الإجراء الذي
تستطيع
اتخاذه. وأشرت
إلى أن
التعليمات
صدرت إلى سفير
صاحب الجلالة
بأن أي طلب
بالمساعدة من
جانب الحكومة المصرية
ينبغي أن يتم
بموجب
المعاهدة
الإنكليزية
المصرية
لسنة 1936،
وبمقتضاها.
وإنه لمما
يساعدنا
كثيرا أن يكون
تقديم الطلب
المصري فعلا
على هذا
الأساس.
هناك
سجل متفق عليه
لهذه
المناقشة سوف
يرسل إليكم في
الحقيبة.
ويُرجى
من وزارة
الخارجية
تمرير ذلك على
وفد المملكة
المتحدة في
نيويورك
وواشنطن حسب
برقيتي رقم 155 و201
على
التوالي>>.
وكان
الملك
<<فاروق>> قد
تحدث مع
السفير الأميركي
في القاهرة
بمثل ما تحدث
مع السفير
البريطاني،
وكان الملك
يتصور أن
بريطانيا سوف
تبادر لكن الذي
حدث أن
الولايات
المتحدة التي
قررت دخول
المنطقة
(البحر الأبيض
والشرق
الأوسط) سارعت
وتحركت،
وكانت البؤرة
الساخنة في
تلك اللحظة قد
انتقلت إلى تل
أبيب، مع تقدم
عمليات الخطة
الإسرائيلية
<<حوريف>>.
وكتب
الرئيس
الأميركي
<<هاري
ترومان>> إلى
<<دافيد بن
غوريون>>
(رئيس الوزراء
الإسرائيلي)
وراح النفوذ
الإمبراطوري
في الشرق
الأوسط يتحرك
عبر المحيط من
شاطئ إلى
شاطئ
من أوربا إلى
أميركا.
2
مأساة ملك
.......................
.......................
لأن هذا الجزء من هذا الحديث يدور حول المأساة الإنسانية للملك <<فاروق>> وتأثيرها البعيد المدى عليه وعلى تصرفاته، فقد التزمت عند التعرض للوقائع خ