من إلى إصلاحه العالم أشد احتياجا؟

 

بقلم :  د. خالد عبدالله

 

في كلمته التي أعلن فيها رؤيته حول الصراع العربي الإسرائيلي، جعل بوش إصلاح الشعب الفلسطيني لنفسه، المتمثل في تغيير قيادته، واحتضان التسامح والحرية والديمقراطية شرطا لتأهيله لاستحقاقاته كما تعرفها إسرائيل. فالرئيس الأمريكي نصب نفسه مرجعية، وحكما، ومنفذا لمتطلبات الإصلاح. ولا يقتصر الأمر على فلسطين، ولم يقتصر على أفغانستان من قبلها، ولن يقتصر على من سيأتي دوره من بعدها. فهذه رسالة الاستقامة التي تحملها حكومات الولايات المتحدة على تتابعها إلى بلدان الأرض، تقسرهم باسمها إلى فعل ما تريد، ونبذ ما لا ترى. والمسألة حبلى بالدلالات التي تسوق التساؤلات سوقا، لكن لا بد من تجريدها من معظمها والوقوف عند اثنين رئيسين وبضعة مشتقة منها. فأما الأول، فهل ينخر الفساد في جسد السلطة الفلسطينية؟ والإجابة على ذلك تكاد تكون إجماعيا من لدن الشعب الفلسطيني، الذي يعرف كنه الفساد في السلطة، وبنيته، وتاريخه، وأشخاصه، تماما كمما يعرف نهج الخلاص منه، ويدرك غايته في مستقبله. وهذه الرؤيا تختلف في طبيعتها وفي مراميها عن الرؤية الأمريكية. فالإدارة الأمريكية ترى سوء استخدام السلطة والمال ليس في دولتها بين فئة قليلة، وحرمان الشعب الفلسطيني منها، بل في كونها لم توظف كما أريد لها، حينما سلمتا إلى السلطة في أوسلو، تحقيقا لأهداف أوسلو القريبة وغاياتها البعيدة. فإثارتها لفساد السلطة لا تسقيه دواعي الشفقة على الشعب الفلسطيني، بل ترويه متطلبات استمرار أسره في زنزانة أنعم موضعا.

لكن السؤال المشتق الذي لا يقل أهمية، هل جغرافية آثار هذا الفساد ممتدة وشاملة، أم محصورة وخاصة  بطغيانها في محيطها؟ ولا تحتاج الإجابة إلى عناء، ففساد السلطة الفلسطينية، كفساد معظم السلطات في العالم النامي، لا تتجاوز أضرارها حدودها. لكن ذلك وإن كان لا يغير في الحكم الأخلاقي على الفساد، ضاقت آثاره أم انتشرت، إلا أنه لا ريب يؤثر في حجم الأضرار التي تحيق بالناس ومدى شمولها. وإذا كان لا بد من الاختيار، حيث الأفضل الاقتران، في إزالة الفساد، فإن البداهة، كما الرجاحة العقلية تنزع نزعا إلى الخلاص من الأحمال الأكثر ثقلا، والأوسع إيلاما. بل أن الإصلاح في الأضيق ضررا مشتق من الإصلاح في الأوسع إيذاء. فالثاني، سينفع مثالا، وسيسعف رهبة في تجفيف سواقي الأول.

فأمريكا التي تحمل رسالة الاستقامة إلى العالم، تعج بالفساد في كثير من مناحي حياتها الرئيسية. لكن يتميز الفساد فيها بخصيصتين، تميزانه عن فساد السلطة الفلسطينية، وفساد كثير من حكومات العالم الفقير. الأولى، أن الفساد وإن يظهر في ممارسات الأفراد، كفساد مسئولي الحكومات المستبدة، غير أنه كامن في جوهر التوجه الإيديولوجي الرأسمالي الذي يقدس الربح، ومنبث في مؤسساته، وضارب بجذوره في القوانين، أو ما يسمونه الثغرات القانونية، التي تقنن الفساد وتوفر له أسباب الاستدامة. الثانية، أن جغرافية آثاره وأضراره تمتد بين قطبي الكوكب الأرضي شماله وجنوبه.

ولعله من المفيد أن نمثل العلة، وأن نشخص المرض في حقلين يظهر بعدا الفساد المؤسسي والجغرافي فيهما. فقد طفحت الأنباء في الأسابيع الأخيرة بقصص الفساد في الشركات الكبرى. وكلما ظن من لا يعرف مجتمع الشركات الكبرى، أن الفضيحة التي يقرأ عنها مقصورة على شركة كبرى بعينها تباغته الأخبار في اليوم التالي بفضيحة جديدة لشركة جديدة. وهذه الشركات رائدة في حقولها. وعلى تنوع أشكال الفساد وطرق متابعته، لكنها تبقى تصرح بحقيقة واحدة، أن هم الربح هو المحرك الأساسي فيها. فنوع من الفساد قد يتجلى في قيام شركة بإخفاء نفقاتها حتى يظهر ربحها أعظم مما هو عليه، وأخرى تقلل من حجم هذه النفقات، وثالثة تختلق في سجلاتها مبيعات خيالية، ورابعة تتآمر مع شركة أخرى يبيعان وهما إحداهما للأخرى، لإقناع الجمهور بربحية هذه الشركات. فغاية كل هذه الأشكال واحدة، خلق الانطباع أن الشركة المعنية تحقق أرباحا كبيرة، لتحقيق أرباح فعلية حينما ترتفع أسعار أسهمها نتيجة الزيادة الموهومة في أرباحها.

وقد كان من الممكن القول، أن الفساد يتعلق بمسئولي هذه الشركات، وبالتالي على تعدده يبقى فرديا على قدر كل حالة. لكن الأمر ليس كذلك لعدة أسباب. الأول، أن الحالة عامة، وأن الممارسات متواصلة. الثاني، أن المسألة لا تنحصر بالمسؤولين في الشركات، بل اتضح الآن، أن صور هذا الفساد كانت معلومة لشركات التدقيق، التي تفحص سجلات هذه الشركات، وبينة للمصارف التي تقدم لها القروض. فكل هذه الجهات شريكة في العلم بالفساد وفي التغطية عليه. فالأمر مناخ سائد. الثالث، أن القانون مليء بالثغرات التي تحمي الشركات ومسئوليها. الرابع، أنه بالرغم من صراخ الإدارة حول الموضوع، لكن كما يقول الاقتصادي المعروف كروجمان، فإن الإدارة الأمريكية والكونغرس يعملان على حماية هذه الشركات فعلا، بتعيين من يحمي مصالحها على رأس مؤسسة حكومية واجبها مراقبة الشركات، أو من خلال التهجم على المدعي العام الذي يلاحق هذه الشركات.

وقد كانت هذه الممارسات عامة خلال فترة تصاعد أسعار الأسهم الخيالية قبل عام 2000، الذي بدأ فيه انهيار أسواق الأسهم. ففي الفترة الأولى، كان الوهم يأتي بالأرباح للجميع، ولم تكن هناك حاجة لإثارة الفضائح. ولكن بعد أن خيم الركود الاقتصادي، أصبحت المنافسة مرة بين الشركات الكبرى لاجتذاب أموال الناس الذين فقدوا الثقة بها، بعد أن أطاح انهيار أسعار أسهمها بعدة تريليونات من ثرواتهم. فكان لا بد من التضحية بعدة كباش، وضعها المالي أصلا خطير، لحماية مجتمع الشركات الكبرى.

فسوق الأسهم، الذي يغري الناس بالأرباح الخيالية من خلال خلق الأوهام بأساليب التزوير والخداع، يصبح بالوعة لأموال الأمريكيين وغيرهم. لكن المشكلة لا تكمن في ذهاب الأموال التي تجتذبها هذه الأسواق من كل أنحاء العالم، ومنها البلدان العربية. إذ أن آثارها تتجاوز خسارة الأفراد  لبلايين الدولارات، إلى أضرار اقتصادية على المجتمعات نفسها. فانهيار سوق الأموال في الولايات المتحدة يؤثر على أسواق الأموال في العالم وبالذات في البلدان النامية. كما أن الفضائح أثرت على سعر الدولار الذي يشكل احتياطيا وحيدا أو أساسيا لبلدان العالم، ثم إنها تؤثر على الانتعاش الاقتصادي الأمريكي الذي يؤثر بشكل عميق على النمو الاقتصادي لكثير من بلدان العالم.

أما النوع الآخر فحقله السلطة. فالسياسات الأمريكية تضعها الرئاسة، والقوانين الأمريكية يسنها الكونغرس. وكلاهما يخضعان لإرادة جماعات الضغط، ومعظمها يمثل المصالح الرأسمالية الأساسية. فلا يمكن لأحد أن يصل إلى منصب إلا والمال وسيلته وقاطرته، وهي حقيقة اضطرت الكونغرس لإدخال إصلاحات على نظم التبرعات، ليس لإلغائها أو لإحداث تغييرات جذرية تمنع رأس المال من مد تأثيره، وإنما لتحقيق التوازن بين المصالح الرأسمالية نفسها. فالسياسات التي تتابعها الإدارة، والقوانين التي يشرعها الكونغرس، مثلا، في مجال دعم توغل هذه الشركات في أسواق العالم بذريعة الانفتاح والحرية الاقتصادية، تدعم الفساد فيها. فإذا كان ديدن هذه الشركات خداع المساهمين فيها، وجمهور المستهلكين في بلدانها، وإفساد السياسيين في الولايات المتحدة بتبرعاتها، فما هي صانعة في بلدان العالم الفقير؟. وقد كشفت عن طبيعة هذه الممارسات فضيحة شركة انرون التي أميط اللثام عن طرقها في إفساد، وتهديد المسؤولين في بلدان العالم النامي، وفي أمريكا نفسها. ولا يقتصر الأمر على الفساد، بل أن حروبا تخوضها الولايات المتحدة، وخاضتها من أجل تحقيق مصالح شركات النفط والأسلحة وغيرهما. وإلى جانب الآثار الاقتصادية للفساد فإن أضراره السياسية والاجتماعية مدمرة أيضا، وذلك حين تتابع الولايات المتحدة تحت تأثير جماعات الضغط النافذة  فرض حلول سياسية أو توجهات ثقافية واجتماعية على بلدان العالم. 

لقد أتقنت الولايات المتحدة مصادرة القيم والمبادئ الأخلاقية ، حتى استطاعت  بقوة صواريخها، وجلبة إعلامها أن تفرض نفسها واعظا يجوب  البلدان  يأمر بالعدل والمساواة، وينهى عن الفساد، لكنها واعظ يحل نفسه من تبعاتها، ويمنح الآخرين صكوك استباحتها إن دفعوا ضريبتها.