ولكنه ضحك كالبكا..!!

بقلم د. محمد عباس

e-mail: mohamadab@hotmail.com

mohamadabbas@gawab.com

نداء إلى الشيخ أحمد ياسين

العمليات الاستشهادية حق، وهدفنا تحرير فلسطين كلها وليس مجرد جزء منها، أعرف الضغوط التى تمارس، وليس من حق أى واحد منا أن يسدى لك النصيحة بعد أن شاركنا جميعا فى خذلانك، ولكنك رمز، فلا تسمح لهم  مهما كانت حجم الوحشية والخذلان والمؤامرة  بأن ينالوا منك، لا تسمح لهم –أستحلفك-  بالنيل من الرمز، أنت تعرف أن النصر آت لا ريب فيه بوعد الله، وتعلم أن النصر لنا أو لأبنائنا أو لأحفادنا .. ولو بعد ألف عام.. فليبق اسمك الرمز الشامخ للحل الوحيد الذى يرتضيه لنا الله.

***

نظم الحكم..

طفقت أتأمل نظم الحكم فى العالم..

ما أقل النظم التى تظفر بمحبة الشعوب، و أقل منها النظم التى تحظى بالاحترام أيضا. و أقل و أقل ما يستحق منها الحب والاحترام الذى تناله  فعلا.

ثمة نظم أيضا تكرهها شعوبها ولكنها تحترمها.

وثمة نظم سيئة تشعل حماس شعوبها، ونظم تخدعها، ونظم تغضبها، إلا أن قاسما مشتركا يجمعها جميعا وهو أن النظام يمثل مصالح قطاع من الأمة أو من أحلامه أو رؤاه، لا يؤثر فى ذلك كون تلك التطلعات مجرمة أو نبيلة.

طفقت أتأمل فى كل ذلك.. ثم رحت أتأمل الأمر فى عالمنا العربى فوجدت نماذج تفوق فى السوء كل سوء، نظم لا تظفر بالحب ولا بالاحترام ولا بالغضب ولا بالكراهية، بل تظفر بالاحتقار والازدراء والاشمئزاز والصمت خشية أجهزة أمن منزوعة العقل والضمير، تم نزع خصائصها البشرية لتتحول إلى كلاب صيد شرسة، لا يؤثر فى شراستها إدراك أنها تخون أمتها ودينها.

مثل هذه النظم، لا تمثل أى قطاع من الأمة، لا تمثل إلا شخص الحاكم الجبار الغبى المتسلط الطاغوت الفاسد.

من مثل هذا الحاكم  ينبع كل فساد فى البلاد، حيث تنهب أسرته ثروة البلاد، ويفسد آله مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والجيش والشرطة، حيث يحولون كل جهاز منها للعمل ضد وظيفته ضد الأمة، حيث تمثل الشرطة مدعومة بالجيش حصن الأمان الداخلى الوحيد لذلك الحاكم الطاغية، أما حصن الأمان الخارجى فهو عدو بلده و أمته ودينه، الذى استعمله فصار عميلا.

مثل هذا الحاكم الجبار الطاغية يهدم كل شىء فى بلاده، ويخرب كل شيء، حتى الدين والثقافة، وهو يرى أن شعبه بالذات هو أخطر أعدائه، لذلك ليس لديه أى مانع من التحالف مع أى قوة فى العالم ضده، ويتعامل مع الناس كما كان يتعامل النخاس مع العبيد. لكنه فى علاقاته الخارجية، مع من هم أقوى منه، ليس سيدا بين أسياد، و إنما عبد أمام نخاسين.

مع مثل هذا الحاكم لا يمكن محاربة أى فساد ، فكل خيوط الفساد تنتهى إليه، وما قضايا الفساد الذى تكتشفها أجهزة ذلك النظام كل آن و آخر، إلا ذرا للرماد فى العيون، أو تصفية حسابات بين لص صغير ولص أكبر، أو عقابا للص تجاوز حصته المحددة فى السرقة. لذلك، ليس ثمة أمل فى القضاء على الفساد مع مثل هذا النظام إلا بالقضاء على النظام نفسه.

مع مثل هذا النظام لا ينجح إلا مشروعان للتنمية فى بلاده، مشروع تنمية ثروته الخاصة وثروات أسرته والفاسدين المفسدين حوله، ومشروع تنمية أجهزة أمنه، فيما عدا ذلك فإن كل شئ يضمحل فى عهده وينهار.

ومثل هذه النظم تملك من الوقاحة – بعد أن تفعل كل ما يستحق الازدراء -  ما يجعلها تصدر قوانين تمنع ازدراءها..!! وكأن منع الازدراء يمكن أن يتم بقانون..!!.

ولعل القارئ يحتاج منى أن أضرب مثلا على نظام من هذه النظم..

ولمثل هذا القارئ أقول أنه..

أنه..

أنه..

أنه..

شاه إيران..!!

أو أى حاكم مــــــات..!!..

أما عن الأحياء: فليختر القارئ من يشاء، و أظنه مهما اختار لن يخطئ.

***

الحبيب على الجفرى وقضية الوليمة..

فضيحة ثقافية جديدة فى مصر حدثت منذ أسبوعين، فى برنامج أسبوعى تقدمه قناة مصرية خاصة- يملكها ملياردير مصرى- للشيخ:  الحبيب على الجفرى، وهو داعية إسلامى يميل إلى الصوفية وقد حقق انتشارا واسعا ، فاجأ المذيع الشيخ الجفرى بسؤال عن رأيه فى قضية الوليمة وعلاقة الإبداع بالدين، وتمنيت على الشيخ الجليل أن يرد قائلا:

وماذا تتوقع أن يكون رأيى فى قضية حكمت فيها أعلى هيئتين للفتوى فى العالم الإسلامى: الأزهر واللجنة العليا للإفتاء فى السعودية، بكفر الرواية، بل وكفر من يستحسنها؟ ..

تمنيت ذلك، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدرك،  فالشيخ الجليل وقع فى الفخ فأجاب بأنه لم يقرأ الرواية، فلوح المذيع بها فى يده ، واتفقا أن الوقت لا يتسع، و أنهما سيخصصان الحلقة التالية كلها ( ساعتين كاملتين)  لمناقشتها .

فى الحلقة التالية لم يرد ذكر الرواية على الإطلاق،.

أتصور أن رأي الشيخ الجليل لم يوافق الهوى فتكتموا عليه دون مراعاة لوعدهم بأن تكون الحلقة كلها مخصصة لها. و أتصور أن فرائص كثيرة ارتعدت و أن أنيابا برزت، و أن تهديدات أطلقت. فقد أضحت قضية الوليمة عورة السلطة التى لا تستطيع سترها أبدا، وخطيئتها التى لا غفران لها، كخطيئة إبليس، وكانت نقطة تحول حاسمة ومنعطفا حادا فى مجرى الثقافة العربية كشف المستور، وميز الناس بين خبيث وطيب وبين كافر ومؤمن.

كنت أود من الشيخ الجليل أن يكون حاسما قاطعا فى قضية من أهم القضايا التى حقق الله للمسلمين فيها نصرا ساحقا على العلمانيين، وحول نظرة الأمة لهم من الإعجاب والتقدير وعدم الفهم، إلى الاكتشاف والازدراء والفهم.

وكنت أريده أن يقول كما قال الصحافى محمود سلطان فى كتاب له تحت الطبع عن المعارك الثقافية فى القرن العشرين: أن هناك معركتين ثقافيتين  حاسمتين فى الألف عام الأخيرة، أولاهما معركة الإمام الغزالى مع الفلاسفة حيث تكفل كتابه تهافت الفلاسفة بإخراسهم وكشف زيفهم حتى آخر الزمن، أما المعركة الثانية فقد كانت معركة الوليمة، والتى تكفلت بنفس الشىء مع العلمانيين والحداثيين.

***

ظلم الشيخ الجليل نفسه، وظلم الدين دون أن يقصد.

حتى عندما تحدث معه صحافى علمانى بصورة وقحة اجترأ فيها على الإسلام ، ولم يستنكف الوقح أن يضيف: " الصحراوى"، فإن الشيخ الجليل كظم غضبه، والحقيقة أنه لم يسكت – ولا مقدم البرنامج أيضا – على هذا الاجتراء، وكنت أتصور أن يكون ذلك مناسبا لضال طلب الحق فأخطأ طريقه، لا لضليل طلب الباطل فأصابه.كنت أتصور أن الشيخ الجليل يعرف إلى أى مدرسة ينتمى هذا الصحافى الذى تناول الإسلام بجرأة وقحة.

*** 

لن أصف أنا لكم روز اليوسف يا قراء.. سأترك لكم أحد صحفييها يصفها لكم، ليس فى مقال عادى، بل فى شكوي إلى رئيس الجمهورية:

نداء واستغاثة للسيد رئيس الجمهورية

فخامة الرئيس

مقدمه لسيادتكم /حسام عبد الهادي الصحفي بمؤسسة روزاليوسف ..ولعلك يا سيادة الرئيس تذكرني ..فأنا الصحفي الذي تشرف بطلب التقاط صورة تذكارية مع سيادتكم يوم عرس الثقافة والفكر في مصر في افتتاح سيادتكم لمعرض الكتاب الدولي يوم الخميس الفائت ...ورغم أن الأجواء كانت احتفالية رائعة ..الا أن هناك من يعشق ازالة  البسمة والفرح من على وجوه البشر ..فقد فوجئت ياسيادة الرئيس ..بمن يطيح يآمالي  وفرحي باجراء عقابي وتدميري لي و لمستقبلى المهني.. والحياتي ...وكان السبب  المهزلة هو أنني طلبت التقاط صورة مع سيادتكم ..أليس الأمر مهزلة حقا ...وهل هذا  التصرف القمعي الشاذ من قبل رئيس  تحرير المجلة ونائبه السيد ك.ج سوى حلقة من حلقات تدمير محبي الوطن في مؤسستنا التي كانت عملاقة.

سيادة الرئيس

لقد عاقبوني وعاقبوا من قبلي نخبة من  ألمع وأروع مبدعي المجلة وذلك لمصلحة  المنافقين و من ينسبون أنفسهم لجهات أمنية ..وخدمة بعض رجال الأعمال ..

ألم يعاقبوا الصحفي الواعد/جمال الدين حسين ..و المأساة أنهم لم يعاقبوه وحده فقد عوقب معه  زوجته وأبنائه ..ووالدته ..لمجرد أنه تجرأ على اظهار المسكوت عنه من فساد  خطير في المؤسسة التي كانت عظيمة ..واذا كانت الإجراءات العقابية لا تطال الا  المخالفين في الراي ...فلماذا الصمت من قبل الادارة الظالمة على من تصلهم شهريا  شحنات الخمر ..المستورد لقاء عهر الكتابة الذي يمارسونه ... ولماذا صمتهم على أحد زملائي الذي ضبط في ما يسمى بقضية تنظيم الشواذ..وحينما  أحبوا أن يخرجوه منها لادعائه الارتباط بجهاز أمني ...جعلوه شاهد ملك .. ولماذا صمتوا على العلاقات التي يعرفها كل من في المؤسسة بالسيد/ع.ك و الذي يعرف الجميع اسم رجل الأعمال الذي يتولى الانفاق عليه ....ولماذا صمتوا يا سيادة الرئيس على الليالي الصاخبة ...الزرقاء ..التي تنهار فيها كل القيم التي عودتها لنا  ولماذا صمتوا على هدية الكبيرة لرجل أعمال كبير  جدا لأربعة من كتابنا الكبار ..ومازال الملف كبيرا و هوللأسف ملئ برشاوى ودخان أزرق ..وشذوذ ..وعهر يفوق الوصف ...

سيادة الوالد الرئيس هاهي الحقائق امام سيادتكم بعد أن سدوا كل الوجوه أمامي

سيادة الرئيس ....بانتظار عين العطف منك

حسام عبد الهادي

صحفي

روزاليوسف

*** 

الأمر إذن ليس خلافا فى الرأى لا يفسد للود قضية، بل هو أمر عملاء مأجورين يُشترون بالدخان الأزرق والخمر والنساء والهدايا والأموال لتدمير ثوابت الأمة كلها و أولها الدين.

نعم..

عملاء مأجورون.

*** 

فى أزمة الوليمة، وقفت الأمة الإسلامية كلها تدافع عن لا إله إلا الله وعن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعن القرآن، لكن بضع عشرات من أعداء الله تصدوا للدفاع عن الكفر والفجر.

فى البيان الذى أصدره علماء الأزهر تنديدا بالرواية الكافرة الفاجرة، أحصيت أسماء 35 أستاذا للأدب العربى والنقد والبلاغة، حيث كانت شهادات الدكتوراه التى حصلوا عليها منصبة على هذه الفروع.

جماعة التنويريين اعترضت على تدخل علماء الأزهر بدعوى أنهم لا يفهمون فى الإبداع.

ولو أن من اعترضوا هذا الاعتراض كانوا يحملون شهادات الدكتوراة فى أى فرع من فروع الثقافة لقل وجعنا من اعتراضهم، لكنهم جميعا مع استثناءين فقط، كانوا لا يحملون أى شهادات جامعية:

صلاح عيسى: وظيفته السابقة: كاتب.. ليس كاتبا صحفيا ولا كاتبا أديبا.. و إنما كاتب – سكرتير- فى قسم شرطة السيدة زينب.

ابراهيم أصلان: ساعى بريد.

يوسف القعيد: تومرجى..

جمال الغيطانى: عامل فنى سجاد..

محمود السعدنى: صبى مكوجى..

ابراهيم سعدة: دبلوم متوسط معهد الفنادق.

سمير رجب: موظف أرشيف..

وفى مجلة أدبية متخصصة، كان من بين من تصدوا لنا وللأزهر، واعترض على تدخل الأزهر فى أى عمل إبداعى، ضابط سابق فى القوات المسلحة، فصل منها بتهمة أخلاقية مشينة، و أريد أن أنبه القارئ، أن التهمة الأخلاقية المشينة فى هذا المجال – ولا تدعونى أتورط فى المزيد- لا تعنى الزنا..!!..

كان من بينهم أيضا، كاتب – هكذا يسمونه – كل مؤهلاته، وجواز سفره للكتابة فى الصحف، شقة خاصة للمتع الحرام – جرسونيرة – كان يدعوا إليها أصدقاءه من الصحافيين.

والقائمة طويلة ومخزية لا يكاد يتصورها عقل.

*** 

النظام الذى اختار رجل الشرطة الذى يعذب ويقتل ويزور هو نفس النظام الذى اختار هؤلاء والتقطهم، و أوكل إليهم المناصب القيادية فى مجال الثقافة.

*** 

هذا ما أريد أن أصل إليه، لقد تصور الشيخ الجفرى أنه يتعامل مع مثقفين حقيقيين، وكان ذلك أول الخطأ وليس آخره.

*** 

محمد حسنين هيكل مثلا، عندما فصله السادات من رئاسة تحرير الأهرام، ارتفع نجمه وعلا صيته وازداد قدره، لأنه – بالرغم من أى اختلاف معه يملك موهبة حقيقية وعلما حقيقيا.

تصوروا، أى واحد ممن ذكرت وممن لم أذكر، لو فصلته الدولة من منصبه، هل يجد مطبوعة واحدة توافق على استكتابه؟! هل يجد ناشرا واحدا ينشر له كتابا؟!.

*** 

تكاد تقتلنى الحسرة و أنا أراجع التاريخ، فكل ابتلاءاتنا ومحننا بدأت صغيرة، صغيرة جدا، وكان يمكن تلافيها بأبسط الوسائل و أيسر السبل، لكننا لم نفهم فى الوقت المناسب ولم نتصرف التصرف الحاسم عندما كانت الأمور تستوجبه، وترتب على هذا أن تضخمت هذه الابتلاءات والمحن حتى لتكاد أن تقتلنا.

*** 

من أجل ذلك كان فزعى وجزعى من رد فعل الشيخ على الجفرى .. إننى أقر له أنه واسع الذكاء عميق الفكر، حسن الحفظ، بديع الرواية، ناصع الحجة، حاضر البرهان قوى الدليل، وهو يستولى على العقل والقلب معا، كل ذلك صحيح، لكنه يتمتع فى ذات الوقت ببراءة هائلة تجعله يرى الناس جميعا أخيارا أو مشروع أخيار، و أن ليس بينهم وبين الولوج فى الحق إلا خطوة واحدة من عدم الفهم، و أنه قادر على أن يشرح لمن لم يفهم و أن يقنع من لم يقتنع كى يقوموا جميعا باجتياز هذه الخطوة لينتهى الأمر.

هذه الطيبة المفرطة هى التى توقعه ضحية للجانب الآخر، العلمانى القذر، الذى يمد يده له لا ليصافحه بل ليطعنه، ويستفتيه، لا ليتبع الفتوى بل ليهدم بها كل الثوابت، و أولها الدين نفسه.

لم يتنبه الشيخ الجليل إلى أن صياغة السؤال فى أحيان كثيرة ما تكون فخا منصوبا، وشرَكاً ممدودا، على من يتصدى للدعوة الإسلامية أن يحرص منه أشد الحرص و أن يحذره أشد الحذر. لأن السائل الخبيث ، يستطيع أن يضع الإجابة التى يريدها على لسان أى عالم، بطريقة صياغة سؤاله.

يستطيع السائل الداعر على سبيل المثال أن يسأل شيخا، عن امرأة اضطرتها ظروف قاهرة للزنا، كقوة غاصبة، أو تهديد بالقتل، أو .. أو .. أو ..، وستكون إجابة العالم أن الإنسان لا يحاسب على ما استكره عليه، والإجابة صحيحة بلا شك، لكن السائل الداعر، سيتلقفها، ليبيح الزنا كله، بادعاء أنه إنما تم حينما تم، قد تم تحت وطأة ظرف قاهر، والسائل الداعر لن يستفتى أبدا فى طبيعة هذه الظروف القاهرة أو شروطها أو تفاصيلها، سيستبقى هذا الجزء لنفسه كى  يحدد هو الظرف الذى يجعل الزنا معصية لا عقاب عليها ولا إثم فيها، بل ولعله يدخل فى تلك الظروف القاهرة، عدم وجود عمل آخر، أو الحاجة الاقتصادية الملحة، أو حتى جموح الغريزة، التى قد تكون عند مثل هذا الداعر القواد، ظرفا قاهرا يبيح الزنا!!.

نفس الشىء يمكن أن يحدث مع أكل لحم الميتة.. ومع شرب الخمر، وبذلك، يتم  نقض الدين كله عروة بعد عروة..

***

من الفخاخ التى وقع الشيخ الجليل فيها – فى حديث صحفى منشور - إدانة المجاهد العظيم أسامة بن لادن رضى الله عنه  بتهمة القيام بأحداث 11 سبتمبر، حيث استدرج بسؤال ملغوم فكانت إجابته: "  حتى الآن لم يثبت أنهم وراء ما حدث في سبتمبر أما إذا كانوا هم من فعلوا ذلك فهو خطأ."..

بوركت يا مولانا.. لكن السائل الداعر سيعرض عن أى شروط تضعها ليكون الاستنتاج الذى يسوقه إلى الناس أن أسامة بن لادن خطأ، ثم يقفز من هذا إلى أن الجهاد خطأ.

نعم.. فهذا النوع من العلمانيين لا تهمه الحقيقة قط، و إنما درج على أن يستولد الإجابات التى يحصل عليها منك بأفكار سفاح ينسبها زورا إليك.

*** 

من الأمثلة التى تورط فيها الشيخ الجليل أيضا إجابته على سؤال يقول: 

هل يجوز لنا أن نتعامل مع عدونا إذا كنا سنستفيد منه؟..

سؤال آخر من نماذج تلك الأسئلة التى ضربنا بها الأمثال، سؤال يوجهه من لم يتحر الحلال والحرام قط، ولا يهمه من الدين إلا أن يأخذ منه من فتاوى الاستثناءات وفقه الضرورة ليجعلها القاعدة ويجعل الدين كله استثناء، وهو ما يتكفل بهدم الدين كله. سؤال لا يريد من وجّهه إلا إجابة طويلة تتحرى الدقة، كى يتسلل من بين التفاصيل ليعطى شرعية للتعامل مع العدو.

كانت إجابة الشيخ الجليل بالحرف:

" إذا كان هذا لمرحلة فنعم‏، أما إذا كان اعتمادا فلا‏، الرسول  صلى  الله عليه وسلم‏، كان في بداية الأمر يأخذ سلاحه من اليهود الذين كانوا في المدينة‏، إلي أن وجد من الصحابة من يستطيع أن يتقن هذه  الصناعة ووجد في موقف اليهود من العداوة والمكر والغش ما يحملهم علي  يغدروا به عند حاجته‏، فخاطب عددا من المسلمين بأن يفقهوا هذه الصناعة واستغني عن اليهود‏".

مرحى يا مولانا..

الإجابة بالتأكيد صحيحة.. رغم تحفظنا على صحة القياس..

لكن السؤال التالى الذى يوجه للشيخ يؤكد كل هواجسنا.. فقد كان يقول:

بالقياس هل يجوز أن تستعين مصر بعلماء من إسرائيل في الزراعة‏، إذا كنا سنستفيد منهم؟

كدت أصرخ فى الشيخ: احذر فإنه فخ ممدود وشرك منصوب.. احذر فإن من يتعاون مع إسرائيل قد تولاهم وهو منهم.. والسائل أيضا منهم .. فاحذر.. احذر.. احذر..

لكن الشيخ للحزن الجليل وقع فى الفخ فأجاب:

- "من الناحية الفقهية من الممكن أن ترجع إلي المفتي في هذا الجزء‏، ومن            الناحية العلمية تحتاج إلي الرجوع إلي المتخصص ليقول لنا هل هناك أمانة  فيما أعطوه لنا أم أنه أحدث أضرارا بزراعتنا‏.‏ أي إذا وصلنا إلي أنه لا يوجد من يعلمنا الزراعة‏، إلا هم‏، فمع الحذر الشديد من الممكن نتعلم منهم‏.‏ المهم أن تكون لدينا من التقنية العلمية ما نستطيع به أن نميز بين الصالح والطالح مما نأخذه منهم‏".

آه..

وقع المحظور..

وقع الشيخ فى الفخ..

أوقعته فيه لهفته الطيبة البريئة لهداية الناس جميعا.. فلم يفرق بين سائل يسأل من تحت سقف البيت يحرص على أن يقيمه ويصلحه وبين سائل من خارج البيت يريد أن يهدمه على من فيه. وقع، فافترض افتراضات مستحيلة كى يعطى سائله الإجابة التى يريدها، طمعا فى أن يقترب منه فيهديه، ونسى فى غمار ذلك أن السائل لم يكن يهدف إلا الحصول على فتوى تبيح التعامل مع إسرائيل، ولن يلتفت أبدا إلى الشروط المستحيلة التى وضعها الشيخ، والتى كان أولى به أن يضعها أسئلة لا أجوبة. كان الأولى أن يسأل، ليس عن المتخصص الأمين بل عن الجاسوس العميل.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

***

لقد أطلت فى هذا الأمر لأننى أرى أنه خطير.. ليس فيما يتعلق بالشيخ الجفرى غفر الله لنا وله.. و إنما فيما يتعلق بما حدث لنا طيلة القرنين الماضيين من خديعة.. حين لم نُجدْ فقه الواقع، حين غلبت طيبتنا حرصنا، وفاقت سلامة طويتنا حسن فطنتنا.. حين لم ندرك فى الوقت المناسب أفراد الطابور الخامس الذين تسللوا بيننا كى يهدموا الدار علينا فعاملناهم على  أنهم من قاطنيها.. و أسرفنا فى المجادلة بالتى هى أحسن وهى حق مطلق لا ريب فيه.. لكن عندما تكون فى مكانها.. ويكون للغلظة مكان إلى جوارها لمن يستحقها.

باختصار: أعطى هؤلاء الخونة لأنفسهم حق الكفر تحت راية حق الفكر.. ومنعونا فى ذات الوقت من استخدام أمضى سلاح كان كفيلا بمواجهتهم واستئصال شأفتهم: حق الغلظة فى معاملتهم وحق التكفير عندما يكفرون.

لو أننا تنبهنا منذ قرنين أو ثلاثة، لو أننا رأينا مبكرا، بأول رأينا آخر الأمر، لما وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه. لو أننا أدركنا أننا نتعرض لمؤامرة، و أن الخونة أعداء الدين من أبناء جلدتنا، يتحدثون بألسنتنا ليهدموا عقيدتنا، ولو أننا حاصرناهم منذ البداية لما وجدنا أنفسنا ننزلق فى الهاوية التى ننزلق الآن إليها.

نعم.. علينا أن نجادل بالتى هى أحسن.. لكن للجاسوس والخائن والعميل ليس ثمة مناص من القوة والغلظة والحسم. والفقه الذى يطبق فى الظروف العادية لا يصلح أبدا – برغم أنه صحيح - للتطبيق عندما يرعى الذئب الغنم.

***

جبار فى العلمانية خوار فى الإسلام

الأستاذ محمد حسنين هيكل.. مهما اختلفنا معه فإن متابعته مجهود عقلى – و أحيانا عاطفى – شاق. وهو يمثل استثناء نادرا، ويجمع بين صفات ندر أن تجتمع، فهو علماني ومحترم فى نفس الوقت، وهو قومي  وعلى الرغم من ذلك ليس سطحيا ولا غوغائيا، وهو مثقف ومع ذلك لم يبع نفسه لسلطان أو أمير، وهو صحافي مصري ومع ذلك – للغرابة  والذهول – لا يكذب ولا يسطح القضايا ولا يلبس الحق ثوب الباطل ولا الباطل ثوب الحق، وهو يحترم عقول قرائه – والآن مشاهديه- عندما يتحدث إليهم أو يكتب، والحقيقة أن ما يجعلنى حريصا على متابعته أشياء كثيرة ليس هنا مجال ذكرها لكننى أذكر ملمحين بارزين: أننى منذ أربعين عاما أبحث فى مقالاته عن خطأ نحوى أو لغوى فلا أجد، والثانية أننى لم أجرب عليه كذبا صريحا قط. وليس معنى هذا أن ننجرف خلفه فى كل ما يقول، لأننى اكتشفت من زمان طويل أيضا، أنه و إن كان لا يكذب أبدا فيما يقول، إلا أنه لا يقول الحقيقة كاملة فى أحيان كثيرة، بل يخفى أجزاء منها كى يسوق القارئ سوقا إلى تبنى وجهة نظره، وفى هذا لا أملك إلا أن أتذكر مثلا يقول: " نصف العلم أضر من الجهل" .. لأنسج على منواله مثلا يقول : "نصف الحقيقة أضر من الكذب"..!!.

محمد حسنين هيكل واحد من العقول الفذة المحاصرة فى مصر، ولكن قناة تليفزيونية يملكها ملياردير مصرى استضافته مرتين فى الشهور الأخيرة ( هل يمكن أن يتم ذلك بعيدا عن أجهزة الدولة، لا أقول المخترقة حتى النخاع من الأجهزة الأجنبية و أولها الموساد والمخابرات الأمريكية، لا أقول المخترقة، فقد كان هذا فى أوان سابق كنا نستتر فيه عند ممارسة الفاحشة، الآن لا نستتر بل نفخر عندما نفجر، لذلك فالأجهزة لم تعد مخترقة بل هى  موظفة بالكامل وعلى الملأ.).

والحقيقة أن محمد حسنين هيكل – بالنسبة لى على الأقل فوق مستوى الشك من هذه الناحية. لكن ما أتوجس منه، هو أن تكون الأجهزة المخابراتية المفكرة والمدبرة فى الغرب، قد أدركت إفلاس وانكشاف عملائها، و أدركت سقوطهم فى أوطانهم، و أنها تخشى من أن يشغل الإسلام الساحة بعد أن خلت، فألقت الطعم  إلى بعض من عرف عنهم عداء الغرب، لا لنصرهم، ولا لتحقيق أهدافهم، بل لشغل الناس بهم ولتعويق تقدم المسلمين للقبض على الزمام. وفى هذا الصدد، فإننى لا أندهش للحرية الواسعة التى تمنح للناصريين على سبيل المثال فى مصر و أنحاء عديدة من العالم الإسلامى، ولعلى أتوقع أن يكون شارون وبوش، من أشد دعاة الناصرية تعصبا، إذا وقع الناصريون فى الفخ، وتقدموا بها كبديل عن الإسلام.

الشىء بالشىء يذكر، الشيخ على الجفرى – وله برنامج فى نفس القناة الخاصة- ينطبق عليه نفس الحكم، وهو أيضا فوق مستوى الشبهات، و أخشى أن يكون ضحية لتفكير غربى يرى كسر حدة سيطرة السلفية الجهادية التى يخشاها تماما  بإبراز نماذج صوفية لا يخشى منها..

نعود إلى هيكل، فلقد تكلم بإبداع وموسوعية وشمول عن السياسة فى أفقها المحلى والعام، وتدفقت المرارة من فيه، كتلا علقمية المذاق، وحمما منصهرة، خاصة وهو يتناول خطاب بوش الأخير، الذى أجمعت الأصوات العاقلة فى الغرب أنه خطاب كارثة، وبرغم ذلك فقد وصفه بعض حكامنا بأنه خطاب متوازن.

ظل هيكل عملاقا وشامخا طيلة حديثه عن السياسة بمفهومها العلمانى، فلما بدأ الحديث عن العمليات الاستشهادية، التى لم يخف تعاطفه معها، إلا أن تحليله لها من منطوق علمانى كان بالغ الضحالة، تماما كمن يحاول أن يكرر دون فهم جملة من لغة أجنبية سمعها دون أن يفهمها. فالعمليات الاستشهادية ليست يأسا ولا كراهية للحياة، وليست غضبا ولا هى هروب من حياة أصبحت مستحيلة، كما أنها ليست سبيلا وحيدا بعد أن انسدت كل السبل، العمليات الاستشهادية ليست أيا من ذلك، بل هى إيمان حقيقى صادق بلا إله  إلا الله، وبعالم للغيب يؤمنون به أكثر من عالم الشهادة، وربما يكونون الاستشهاديون  أكثر رغبة فى الحياة الحقة منا فاندفعوا إليها، وربما نكون نحن أكثر زهدا منهم، فقد قنعنا بالدنيا على ضآلتها، أما هم فقد اندفعوا  للآخرة مدركين أنها خير و أبقى.

فى نهاية حديث هيكل ( استمر لمدة ساعتين ونصف) كنت أتمتم لنفسى:

جبار فى العلمانية .. خوار فى الإسلام..

أما هو، بأعوامه الثمانين، فقد مزق قلبى، وهو يستعرض الورطة التى وقعت فيها الأمة، دون أن يجد أو يقترح أى وسيلة، وكانت الدموع تلتمع فى عينيه، ويكاد يصرخ وهو يقول:

لا بد للأمة أن تجد وسيلة.

والحق أنه كان محقا، فالمجال الذى بحث فيه كله لا توجد فيه أى وسيلة، ذلك أنه لا مهرب للأمة سوى الإسلام، ولا نجاة لها إلا به، وذلك ما يستحيل على أى علمانى فهمه.

***

ضحك كالبكا

الدمعة التى ترقرقت فى عينى هيكل – فى نهاية البرنامج - ولم تسقط، سقطت فى قلبى ، نارا كاوية، وكنت أقلب قنوات التلفاز بحثا عن الجزيرة أو أبى ظبى، فإذا بى أفاجأ على القناة الفضائية المصرية بالسيد كمال الشاذلى، وهو سياسي هام جدا فى مصر، يتربع على أعلى مقاعد السلطة منذ أكثر من ثلاثين عاما، لا تسألونى ماذا يشغل، فهو يشغل كل شىء، وكان يتحدث عن عهدنا الحالى، الذى هو أعظم العهود جميعا، حيث حققنا أعظم الانتصارات، و أن العالم يتغنى بحكمتنا، بل ويتعلم منا، و أن الحرية لم تشهد ربيعا كما تشهده الآن، حيث لم يقصف قلم ولم تصادر صحيفة.

كانت المفارقة بين حديث هيكل وحديث الشاذلى بالغة الحدة..

وفوجئت بنفسى أقهقه بطريقة كادت تخرجنى عن وقارى..

وتنبهت فجأة أننى لم أضحك منذ اثنا عشر عاما، منذ تحطيمنا فى العراق، حين هاجم نصفنا الخائن العميل نصفنا الآخر العاجز العليل،  وحين  اغتصابنا  فى البوسنة وكوسوفا، وامتهاننا فى كشمير، وذبحنا فى الشيشان، واجتياحنا فى أفغانستان، وجرحنا النازف أبدا فى فلسطين..

ورحت أقرع نفسى.. لكننى سرعان ما تمتمت فى شبه اعتذار:

- ولكنه ضحك كالبكا..!!

***

رسائل موجعة:

انتقى لكم من رسائل القراء  رسالتين، أوجعتا قلبى، وفيهما إضافات بالغة العمق على مقالى المنشور فىعدد الشعب من الأسبوع الماضى،  ثم أختم بمقالة ساخرة لقارئ، كنت آمل أن يكون وجعها أقل.. لكننى أترك الحكم لكم..

***

أستاذي الجليل /

منذ عشر سنين وأنا أريد أن أكتب لك .. كلما قرأت لك مقالة شعرت أنك تكلمني عن ذاتي .. أمسك القلم وأهم بالكتابة ثم أقف ..

كان يمنعني أن وقتك مبذول لهذه الأمة في قضاياها العظمى .. وقضيتي تتضاءل وتتضاءل حتى تصبح كرة مهملة بحجم صاحبها ..

غير أنك في مقالك الأخير حين تناولت " الدال والمدلول والعلاقة بينهما " كنت قد وقفت في قلب مشكلتي .. أحسست أن ما كان يشغلني من قبل لم يكن هماً شخصياً .. وإنما كان يتسع ويتسع حتى يقف بنفسه قضية عظيمة كالقضايا التي تحارب من أجلها منذ زمن ..

وليتسع صدرك لعذري في إطالتي فإنما أبثك هماً طويت عليه نفسي عشر سنين .. وليست السنين العشر بالعمر القصير لفتى لم يتجاوز عمره السابعة والعشرين :

ولدت لأب لا يرى له عملاً إلا منح الناس من نفسه علماً وعملاً وديناً ومالاً . نشأت ولا أراه إلا متحدثاً عن عظمة الأمة التي ننتسب إليها ، يحكي لي كيف نشأت .. وكيف ارتفعت .. وكيف تهاوت ليرث مجدها سواها . لم يكن يحدثني عن فلسفة الحضارات في قيامها وسقوطها لأستقبل كلامه بعقل علمي بارد ، بل كان يحدث والدموع في عينيه ، ورعدة الحزن على لسانه ، وأنا أسمع وكلماته تتقاطر في النفس قطرة قطرة لتنساب من بعد نهراً من الدموع .

حفظت القرآن في الثالثة الإعدادية ، ودرست ألفية ابن مالك وقرأت – قراءة تقميش - كثيراً من كتب التاريخ والأدب والحديث والفقه والأصول ..

كانت بدايتي تؤذن بمستقبل شيخ خرج من القرن الثالث الهجري ، ينظر بعينيه ، ويتحدث بلسانه ، غائباً عن حاضره ، ولكن أعماقه مملوءة بالثقة فيما يحمل من علم ، مؤمنة بما تحوي من عقيدة .. ساعية إلى استعادة مجد مضى بيقين لا يتزعزع .

ثم فُتح الباب  - وكنت في المرحلة الثانوية – وكانت المناهج الدراسية كعادتها لا تفي بالمبتغى ، وبدأت القراءة: أشتاتاً من الأدب الحديث إلى المذاهب الفكرية المعاصرة . ورأيت شيئاً مختلفاً عما أعهد.. بدأ الجديد يتسرب ببطىء ويساكن الموروث شاقاً صدعاً في العمق من نفسي لم أنتبه إليه في بدايته ، ولكنه زلزلني بعد حين .

وانتهت الثانوية وكنت قد ألممت بشيء من كتابات " المعهد العالمي للفكر الإسلامي " وهو مشغول بوضع الأسس الفكرية الإسلامية للعلوم الإنسانية ، مفترضاً أن النظرية إنما تنبثق من فلسفة تسبقها ، والفلسفة محكومة بثوابت عقيدة ومتغيرات تاريخ ، مقتنعة أن ما يرد إلينا من وراء البحار يحمل من رائحة ترابهم أكثر مما نظن ، ويخلخل من ترابنا أكثر مما ينبغي . وكنت قد خلعت جزءاً من عباءة الشيخ وارتديت جورب ( الأفندي )  ولكنه – للحق – كان ضيقاً علي ..  وأردت أن أضع إحدى قدمي في سفينة العلوم الشرعية – التي منحتني ال