مقترحات
السلام
الامريكية
ومأزق
الحكومة السودانية
بقلم
: د. عبدالوهاب
الافندي
خلال
مفاوضات
السلام
الجارية
حاليا في نيروبي
بدأت
الولايات
المتحدة تلعب
دورا نشطا في الجهود
الرامية لحسم
النزاع، وليس
ذلك بالأمر
المستجد. فالمعروف
ان أول مبادرة
خارجية
للتوسط في النزاع
الدائر في
الجنوب منذ
وصول سلطة
الانقاذ الي
الحكم في
حزيران
(يونيو) 1989 كانت
مبادرة الرئيس
الامريكي
الاسبق جيمي
كارتر الذي
رأس محادثات
سلام لم يكتب
لها النجاح في
نيروبي في كانون
الاول
(ديسمبر) عام 1989.
وقد سبقت
الولايات
المتحدة
نيجيريا التي
قادت الوساطة
في نهاية عام 1991
لطرح مبادرة
مساعد وزير الخارجية
الاسبق
هيرمان كوهين
التي تضمنت فكرة
اخلاء القوات
الحكومية من
الجنوب كحل
مرحلي. (وهي
مبادرة
رفضتها
الحكومة)، وفي
عام 1994 سمي الرئيس
كلينتون
السفيرة
ميليسيا ويلز
مبعوثا
رئاسيا خاصا،
واعقبها بعد
فترة تعيين
السناتور
هاري جونستون
مبعوثا آخر،
وهي نفس السنة
التي اتبعها
جورج بوش حين
عين السناتور
جون دانفورث
الرئاسي
الحالي في
العام الماضي.
واذا
لم يكن التدخل
الامريكي
بدعاً من
الأمر فإن
فشله المتكرر
ليس كذلك
بالجديد، بل ظل
سمته
الملازمة. ولا
يمكن ان يخفي
السبب في هذا،
وهو ان دور
الولايات
المتحدة في
هذا الصراع لم
يكن دور
الوسيط
المحايد
الساعي
للاصلاح بين
الطرفين.
فالحكومات
الامريكية
المتعاقبة لم
تخف عداءها
لحكومة
الخرطوم
وسعيها لزعزعة
استقرارها
بكل وسيلة،
بما في ذلك
المساعدة في
تأجيج الحرب
في الجنوب.
ولهذا فان كل
المبادرات
التي كانت
تأتي من
واشنطن كانت
تتوخي دائماً
إضعاف موقف
الحكومة
وتعزيز موقف
خصومها، فقد
استضافت
واشنطن
لقاءات عديدة
لتوحيد فصائل
المعارضة
الجنوبية
وتعزيز قدرات
المعارضة،
ودعمت دول
الايقاد التي
كانت تتوسط
ظاهرا لانهاء
الحرب وتجتهد
(ظاهرا ايضا)
في دعم الجهد
العسكري
للمعارضة
المسلحة،
ولهذا ايضا
كانت
المبادرات
التي تطرحها
الجهات الامريكية
كلها من شاكلة
مبادرة كوهين
التي تهدف الي
تحقيق
الانتصارات
التي عجزت
المعارضة عن تحقيقها
في الميدان
العسكري عبر
الوسائل الدبلوماسية.
فهل
يا تري جد
جديد يجعل
المبادرة
الامريكية الجديدة
أوفر حظاً في
النجاح وأقرب
الي الانصاف؟
هناك كما لا
يخفي التقارب
بين الحكومتين
من جراء تهافت
الحكومة
السودانية
علي رضا العدو
السابق،
والاستجابة
للمطالب
الامريكية في
اهم ميدان
للخلاف بين
البلدين، وهو
قضية
الارهاب، فقد
تحولت
الحكومة
السودانية من
متهم عند
امريكا
برعاية
الارهاب الي
حليف نشط في
الحرب ضده.
ولكن اذا كان
اثم الحكومة الأكبر
عند واشنطن هو
دعم الارهاب
وزعزعة استقرار
حلفاء امريكا
في المنطقة،
فان جريمتها الأكبر
عند المجتمع
السياسي
والمدني في
امريكا هو
عدوانها
المزعوم علي
نصاري
السودان، وتوليها
دعم التطرف
الديني
المعادي
للديمقراطية
وحقوق
الانسان
والأقليات في
عرف من يتهمونها.
وهذا
الوضع يغل يد
الادارة
الامريكية
اذا سعت
للتقارب اكثر
من اللازم مع
الخرطوم،
فالأمر هنا لا
يتعلق بأوضاع
دول عربية
اخري تقبل منها
الولايات
المتحدة
المناصرة في
القضايا الخارجية
وتترك لها بعض
الحرية في
اضطهاد مواطنيها،
خاصة وان
المضطهدين
هناك عرب
ومسلمون، وقد
يكونون من
الجهات التي
تناصب امريكا العداء،
وبالتالي ليس
لهم اولياء في
واشنطن تخشي
بأسهم
الادارة او
ترجو نصرهم،
اما فيما يتعلق
بالسودان فان
هناك جهات
متنفذة بينها
الكنائس
ومنظمات حقوق
الانسان
والاغاثة
بدأت بالفعل
تحتج علي
التخفيف
النسبي في
العداء الرسمي
للخرطوم، بل
وتذهب الي
اتهام
الادارة بالتواطؤ
في جرائم
الحكومة
السودانية
وكبائرها.
وهذا بدوره
يدفع الادارة
لمزيد من
التشدد في لهجتها
تجاه
الخرطوم،
والحذر في كل
خطوة تقارب.
ولم
يكن تعيين
المبعوث
الامريكي
الخاص للسلام
الا محاولة من
الادارة
لطمأنة
الجهات المهتمة
بالشأن
السوداني في
امريكا الي ان
الادارة لن
تتهاون في
قضايا حقوق
الانسان
والأقليات في
مقابل الدعم
الذي قدمته
الخرطوم في قضايا
الارهاب،
ولهذا فقد كان
من المتوقع ان
تعكس اي
مبادرة
امريكية هذا
الموقف الحذر
الذي يضع
مطالب قاسية
علي الحكومة
السودانية.
وهذا
هو بالفعل ما
يبدو انه حدث
فمسودة الاتفاق
المطروحة
بدعم امريكي
تبدو اشبه بنص
وثيقة
استسلام من
الحكومة، هذا
علي الرغم من
ان الجزء المتعلق
بقضية الدين
والدولة لم
يضمن في المسودة،
وينتظر ان
يشتمل علي
تنازلات اخري
حين يصدر.
ولكن ما دون
في المسودة
يكفي ويزيد.
فالمقترحات
تبدأ باعطاء
الجنوب حكماً
ذاتياً كاملا
يشبه
الاستقلال،
إضافة الي حق
تقرير المصير
والمشاركة
الكاملة في
الحكم علي
المستوي القومي.
وهذا يعني ان
مواطني
الجنوب
ينفردون بحكم
الاقليم
ويشاركون في
حكم باقي
البلاد، مع
الاحتفاظ
بحقهم في
الانفصال متي
شاءوا.
ولكن
ما يعني
الحكومة
الحالية هو
النص في الاتفاق
علي الاحترام
الكامل لحقوق
الانسان كما
نصت عليها
المواثيق
الدولية،
واقامة نظام حكم
ديمقراطي
تعددي،
ودستور متفق
عليه، يضمن الحقوق
والحريات ولا
مركزية
الحكم، اضافة
الي نظام
قضائي مستقل
ومحكمة
دستورية. وفوق
كل هذا هناك
نص علي اعادة
تشكيل الجيش
ليصبح قوي الطابع،
مع معاملة
جنود قوات
التمرد علي
قدم المساواة
مع جنود الجيش
الحكومي
وضباطه، وفي نهاية
المطاف هناك
ضمانات دولية
تضمن في صلب
الاتفاق،
وتوقع عليها
اطراف
اقليمية
ودولية (المقصود
بالطبع دول
الايقاد
وربما مصر
اضافة الي
الولايات
المتحدة ودول
عربية اخري).
وتحدد هذه
الضمانات حق
الدول
الضامنة في
التحكيم في اي
اخلال
للاتفاق
وتحديد الطرف
المسؤول عنه،
والعقوبات
المترتبة علي
الاخلال.
تلخيصا
يمكن ان يقال
ان الحكومة لو
وقعت علي هذا
الاتفاق
فانها تقبل
بالتخلي عن كل
سلطة علي
الجنوب، كما
ان سلطتها علي
باقي البلاد
ستخضع لحدود
يمليها
الاتفاق
اولا،
والمشاركة الجنوبية
الفاعلة في
الحكومة
المركزية
ثانيا،
والتدخل
الدولي
المستمر
ثالثا، هذا
علاوة علي
انها ستفقد
احتكارها
للجيش، وتخضع
للقضاء
المستقل
والمؤسسات
الاخري
المنصوص
عليها. واذا
سارت الأمور
علي ما يرام،
فانها ستخسر
ما بقي لها من
سلطان بمجرد
قيام
الانتخابات
الحرة المنصوص
عليها في
الاتفاق.
واذا
وقعت الحكومة
علي هذا
الاتفاق او
شيء قريب منه،
فانها ستبقي
في الحكم لمدة
لا تزيد علي
ستة اشهر، هي
الفترة التي
تسميها مسودة
الاتفاق فترة
ما قبل الانتقال.
وتعقب هذا
مباشرة
الفترة
الانتقالية
التي قدر لها
اربع سنوات،
تباشر فيها
الحكومة تطبيق
ما ورد في
الاتفاق من
اعطاء الجنوب
حكما ذاتيا،
وبناء مؤسسات
الحكم
الانتقالي
بمشاركة
فاعلة من
القوي
الجنوبية (ليس
هناك ذكر في
الاتفاق
للمعارضة
الشمالية
ودورها). وهذه
هي الفترة
التي تسلم
فيها الحكومة
معظم سلطاتها
للمؤسسات
المشتركة،
وتخضع فيها
للرقابة من
اللجان
المشتركة
والجهات
الاجنبية
الضامنة. فاذا
اثبتت حسن
السير
والسلوك، ثم
الانتقال الي
الاستفتاء
علي تقرير
المصير
للجنوب ثم الانتخابات
العامة.
ومن
المتوقع ان
تكون للحكومة
تحفظات كبيرة
علي معظم هذه
البنود، ولكن
بيت القصيد
سيكون هو هل
ستقبل حكومة
الانقاذ
بالتنازلات
المطلوبة عن
سلطاتها
الاحتكارية
الحالية،
وتسمح برفع
يدها عن الجيش
والمحاكم وأهم
أقاليم
البلاد،
وتمهد بذلك
الطريق الي التخلي
عن الحكم
نهائيا؟
هناك
ما يدعو للشك
في هذا، وآية
ذلك ان الحكومة
حالياً شرعت
دستورا، وسنت
قوانين لم
يملها عليها
احد، بل
فصلتها علي
مقاسها
وبكامل ارادتها،
وضمنتها ما
يكفي من
الترتيبات
لتحقيق ما
تصبو اليه،
ولكنها عادت
عند اول محك
فضربت بهذه
القوانين
والمواد
الدستورية
عرض الحائط،
كما حدث عندما
اعلنت حالة
الطوارئ عام
1999، وكما يحدث
اليوم من اعتقالات
شملت بعض
انصار
الحكومة
السابقين في مخالفة
صريحة
للقوانين
السارية ودون
ادني مراعاة
لها، فاذا
كانت الحكومة
عاجزة عن الالتزام
بما الزمت به
نفسها دون
ضغط، فهي عما
ستجبر عليه
اعجز، وأهم من
ذلك، أزهد في
الالتزام.
الحكومة
علي الارجح لن
توقع علي هذا
الاتفاق،
واذا وقعت
فانها لن
تلتزم. فهناك
نقطة اتفاق
واحدة بين
الحكومة
وخصومها، وهو
ان هذه
الحكومة لن
تكسب اي
انتخابات حرة
ونزيهة. ولذلك
فإن اي اتفاق
يلزم الحكومة
باصلاحات
ديمقراطية
حقيقية سيكون
بمثابة خطوة
انتحارية لا
تبدو الحكومة
متلهفة عليها.
ويمكن
ان يقال ان
حركة جون قرنق
هي في نفس ورطة
الحكومة،
وانها لا تريد
الديمقراطية
مثلما ان
الديمقراطية
لا تحبذها.
وعليه فهناك
فرصة لاتفاق
تآمري بين
الطرفين
لاقصاء بقية
الخصوم
والانفراد بالأمر.
ولكن هذا
يتطلب ان
تتخلي
الحكومة تماما
عن برنامجها
الاسلامي
وتدين
بالعلمانية، اضافة
الي تنازلات
اخري سياسية
تتطوع بها لصالح
جماعة قرنق،
وهناك شك مع
ذلك في ان
تجتذب هذه
الفكرة حركة
قرنق، لانها
تعني تنكر
الحركة
لحلفائها
السابقين،
وربما الصدام
مع الاطراف
الخارجية
التي تدعمها،
وهو توجه مكلف
قد لا تعوضه
الغنائم
المتوقعة من
المشاركة في السلطة
مع حكومة
الانقاذ.
ان
انجاز اتفاق
سلام ينهي
الحرب
المتطاولة في
اي بلد يعتبر
مكسبا سياسيا
كبيرا يصب في
رصيد من
يحققه،
وينعكس في زيادة
شعبيته في
الداخل
ومكانته في
الخارج. ولكن
اتفاق السلام
وحده لا يكفي
كما تثبت تجربة
الرئيس
السوداني
الأسبق جعفر
النميري الذي
كسب رصيدا لا
يستهان به من
تحقيق السلام
ولكنه بعثره
يمينا وشمالا
حتي اصبح مثل
مفلس يوم
القيامة.
وحكومة
الانقاذ سارت
علي نفس نهجه
وزادت، حيث
بادرت
بالعداء كل
القوي السياسية
في السودان،
وزادت
فاستعدت معظم
دول العالم.
وهي قد جرت
علي سنة
النميري
بالانقلاب
علي من جاءوا
بها الي
السلطة،
وحققت مثله
مكاسب وقتية
من هذا
الانقلاب،
ولكنها مكاسب
غير قابلة
للصرف في
صندوق
الانتخاب. وهي
بالقطع لن يسمح
لها كما سمح
للنميري بأن
تواصل حكمها
الدكتاتوري
بعد اتفاق
السلام،
تحديدا لأن
تجربة
النميري
انتهت بالفشل.
ولكن
مأزق الحكومة
يتمثل في ان
تحقيق السلام لم
يعد خيارا،
فقد مر علي
الحكومة عهد
كان يمكنها ان
تختار زمان
وكيفية عقد
اتفاق سلام،
وتجعل ذلك
رصيدا تساوم
به. وكان هناك
وقت يمكنها ان
تتخذ فيه مبادرات
سياسية تجاه
القوي الاخري
علي شروطها.
ولكن تلك
الفرص قد ذهبت
الآن، وهناك
اتجاه دولي الآن
لانهاء العرب
كأولوية قصوي.
وللحكومة الآن
فقط الخيار
حول التوقيع
علي صك الاستسلام
طوعاً مع
المطالبة
ببعض
الضمانات
لمستقبل
انصارها، او
ان تنتظر
الطامة.
والأرجح انها
ستوقع بعد
فوات الأوان،
ثم تستقبل تلك
الطامة
المنتظرة.