اصلاح في غير وقته واقحاح لا يقرأون

 

 

بقلم :  فرج شلهوب

farajsh_assabeel@yahoo.com

 

الشعب الفلسطيني يتم ذبحه بمواظبة منقطعة النظير، تهدم بيوته ويحاصر اطفاله وتحال حياة ابنائه الى جحيم، فيما البعض مشغول بالاقالات والنزاع على النفوذ والسلطة، وعلى قاعدة ارضاء الاحتلال وامريكا، عند طرفي النزاع.

 

وبعد هذا مطلوب من الشعب الفلسطيني، ان يجري انتخابات حرة ونزيهة، بينما تحرس دبابات الاحتلال صناديق الاقتراع، وتقطع الطريق على المرضى حتى لا يصلوا الى المستشفيات. ومطلوب منه، ان يعيد هيكلة اجهزته الامنية، لخدمة غاية واحدة لا يفتأ يكررها المهيكلون الجدد والقدماء، حماية وصيانة أمن الاحتلال، وما يتبع ذلك، من ادانة العمليات الاستشهادية، وضرورة ملاحقة الخارجين عن القانون، ممن يخترقون امن العدو، ويفجرون انفسهم في اسواقه وشوارعه ومستوطناته.

 

فالقضية تم اختصارها، عند البعض في كيف يمكن نيل الرضا الاسرائيلي؟! او بعبارة اخرى كيف يمكن دفع الاذى اليهودي، ليس عن مستقبل الشعب الفلسطيني، ولكن عن حاضر ومستقبل هؤلاء الذوات؟!

 

وفي الوقت الذي يتكثف الحديث عن تفشي الفقر والبطالة في الشارع الفلسطيني، لا تلتفت السلطة الى كف يد اللصوص والفاسدين عن العبث بالمال العام، ولكنها تمعن في تكتيك الاصلاحات الامنية، باعتبارها «مربط الفرس» بالنسبة لشارون وادارة بوش، فالملايين التي تصل الشعب الفلسطيني لا يظهر منها أي شيء، بينما تصبح باريس ولندن وربما نيويورك مكان الاقامة المفضل لدى زعامات سياسية وامنية في السلطة يعيشون مرحلة ترقب لما ستسفر عنه الترتيبات الداخلية خلال الاسابيع القريبة القادمة.

 

جوع الشعب الفلسطيني، ليس مهماً معالجة جذوره، ولا محاسبة المتسببين في تفاقمه. والمتفرجون من زعامات عربية، لا يهمهم تماماً، مثلما هو حال قيادات السلطة، وضع اليد على مكمن وأصل الداء، فهم يكتفون بالتشخيص الامريكي، ويتراجع موقفهم عدة خطوات ليفسح المجال واسعاً للخطة الامريكية؛ فالمبادرة العربية وئدت لصالح النقاط الايجابية في خطاب بوش!! ودعم الشعب الفلسطيني المادي والمعنوي والسياسي، اصبح من المحرمات، وما يمكن ان تفصح عنه هذه الزعامات، فقط حث السلطة الفلسطينية ونصحها اولاً: بعدم التصادم مع سياق العمل الامريكي، والثناء على خطاب وخطة بوش، حتى وهي تشتم قيادة السلطة، وتبصق في وجهها.

 

وثانياً: دعوتها للتعجيل بالاصلاحات والتغييرات المطلوبة امريكياً على صعيد تنظيم الاجهزة الامنية، وتحديد سياق عملها في ملاحقة المقاومة وحراسة أمن الاحتلال.

 

الجميع للأسف، عرباً وسلطة، مشغولون، باعادة انتاج صورتهم، حسب المقاس الامريكي، وليس يهمهم، حاضر ومستقبل قضية الشعب الفلسطيني، فما يؤذي الاحتلال يؤذيهم ربما اكثر، واذا كان شارون يجد مهمته الاولى وقف الانتفاضة أو ما يسميه «العنف الفلسطيني» تحت طائلة التهديد للجميع، فان عرباً اقحاحاً، يرون المهمة ذاتها مهمتهم الاولى، تحسباً من التهديد، واعترافاً بأن رفع وتيرة المواجهة مع الاحتلال لا تدخل ضمن خطتهم ولا تخدم مصالحهم بل تشكل تهديداً لأمنهم، بهذه الصورة او تلك.

 

وعليه، ليجوع الشعب الفلسطيني، وليستمر الحصار، وليتكلم الجهلاء بلسان فصيح، مؤشرين ان سبب الازمة، ليس تخاذل وتقاصر الزعامات السياسية، فلسطينية وعربية، بل هؤلاء الاستشهاديين الذين يصعدون صراعاً، استسلم رموزه الرسميون شرقاً وغرباً، منذ زمن، واصبحوا يقاتلون من خندق الاعداء.

 

المؤسف ان شارون لم ينتصر، وسوره الواقي انهار، ولهذا سارع في بناء جداره الفاصل، وعاود عدوانه فيما اسماه «الطريق الحاسم»، لكن هناك، من يحاول تأبيد لحظة الهجوم الاسرائيلي، وتصويرها نصراً للاحتلال وهزيمة للشعب الفلسطيني، وبالتالي ضرورة الاعتراف باستحقاقات هذه الهزيمة، ولا يكلفون انفسهم بذل أي جهد، لمنع ان يكون الاحتلال، هو من يضع النقطة نهاية السطر، او من تكون له الكلمة الاخيرة في تقرير الحقائق على الارض.

 

ليس سوى المقاومة، وبأدواتها البسيطة، من يعمل بعكس هذا التيار المخزي، من اصحاب الفرجة والعمل السالب والقتال من خندق الاعداء، وهي وحدها من يحاول ان يفرض توازناً مستحيلاً باشلاء استشهادييها ومتفجراتهم البدائية. ولذلك يتوهم من يظن ان الطريق الحاسم سوف يحسم معركة، وليس مؤشراً غياب العمليات في الايام القليلة الماضية، ففي ذروة الهجوم العدواني الاسرائيلي، تكمن المقاومة، وتعمل بدافع حماية الذات ، حتى اذا ما ارتخت قبضة الاحتلال، وتراخت ارادته، عاودت المقاومة هجومها، وبصورة كاسحة، لتحسم فشل الاجراءات الاسرائيلية، وعلى من يحسن او يجيد القراءة والكتابة، ان يفهم المعادلة بصورتها الصحيحة، وان لا يُحطِّب في حبال الاحتلال او يصب الماء في طواحينه الآثمة.

 

فهزيمة الاحتلال، وعنوانه شارون هو الهدف الاول للشعب الفلسطيني وليس التساوق مع الشروط الامريكية والاشتراطات الاسرائيلية، ومن يضع حماية نفسه ومكتسباته فوق حماية الشعب وقضيته، ليس جديراً بالبقاء او التحدث باسم الشعب والقضية، تماماً مثل من لا يرى، من القضية الا موضع وجوده في السلطة، وما يتمتع به من امتيازات.