الحزب المهجور

 

بقلم :حسين الرواشدة

 

  

اذا كان السياسي العربي ما زال محكوما لاضطراراته الدولية والاقليمية، ومدفوعا بقبول او تبرير ما تمليه عليه موازين القوى واعتبارات المصلحة وتجاذباتها، فان لدى المثقف العربي ما يمكنه من الانحياز لخياراته، والتعبير عن مواقفه، بعيدا عن المخاوف والارتباكات والحسابات التي تثقل كاهل السياسي، وتدفعه الى التكتيك احيانا.. والتنازل عن مواقفه احيانا اخرى.

لكن المؤسف ان ساحتنا العربية التي تشكو من فائض اشتباكات السياسيين وتزاحمهم على المواقع والمنابر - دعك من صور ومشاهد الازدحام الاخرى- لم تحظ بحراك ثقافي، ولم تشهد على جبهتي الفكر والثقافة ما يمكن ان يعزي المواطن العربي بحضوره وقدرته على المواجهة والصمود من خلال ما يمكن »للفكرة« ان تفعله من تجديد للمناعة او تحصين للقلاع التي توشك ان تنهار او ردّ اعتبار للامة التي تمر في اسوأ حالاتها واشد امتحاناتها قسوة وتعقيدا.

وفي الوقت الذي بدأنا نضيق فيه من السياسيين وصالوناتهم، ومن الاحتراب على المواقع ومن حسابات الموظفين ومريديهم، فاننا نعدم - على الجهة الاخرى - من يسد فراغ هذا العبث، فلا صوت لمنتديات المثقفين التي الفناها في حواضرنا العربية، ولا مواقف لاولئك الذين ظلوا محسوبين على خطوط النضال الفكري، ولا فعل او حضور لتلك القوى المستنيرة التي كانت تتقدم صفوف الجماهير، وتبذل من التضحيات ما يجعلهم يسيرون خلفها دون خوف او تردد.

ان سؤال المواطن العربي عن غياب المثقفين الذي اشبعوه كلاما عن القومية او الوطنية او النضال، لم يعد مجرد تعبير عن افتقاده »للرأس« الذي كان يثق به، وينتظر الحكمة منه، وانما امتد ليصبح صرخة ادانة واتهام، لكل الذين تثاقلوا الى الصمت، او اكتفوا بالجلوس في النظارة، او انشغلوا بتشابكات الخوف والمصلحة، وانسحبوا وراء »حكمة« السياسي الذي اختزل المصلحة العامة، والمستقبل - ايضا - فيما يراه ويتخذه من قرارات او قراءات.

وعليه، فمن يستطيع من المثقفين في بلادنا ان يرمي حجرا في هذه البركة »الثقافية« الراكدة، فيعلن - مثلا - عن افتتاح منتدى ثقافي يستقطب المحسوبين على جبهة الفكر والثقافة مهما كانت توجهاتهم ومرجعياتهم، او يصدر مجلة ثقافية حقيقية تتبنى تجلية حقيقة الامة، وتدافع عن حضورها وشهودها، وتكون صوتا لكل الباحثين عن كوّة امل ، او بارقة صمود او »فكرة« تشحذ ذاكرة الاجيال وتحصنها ضد جراثيم الغزو والتبعية والاستلاب.

ان عمان، التي تحتل هذا العام منبر الثقافة العربية، حقيقة بان تكون مركزا لاطلاق هذه الحركات الغائبة، وان مثقفيها مدينون لها بترجمة هذه الامنية، واحسب ان رواج احزاب الطرب والرياضة لا بد وان يدفع حزب الثقافة المهجور لكي يفتح ابوابه... ويستقطب جمهوره... وينفخ الروح في جسد امته المتهالك.