العرب وتطور العلاقات الصينية اليابانية

 

 

 

بقلم : مسعود ضاهر 

 

برغم الخلافات الحادة والمزمنة بين البلدين شهدت العلاقات اليابانية الصينية تطورا مهما في السنوات الأخيرة مما يدل على ان البلدين يخططان لتجاوز تلك الخلافات وتعميق الروابط الاقتصادية والسياسية والثقافية والتكنولوجية بينهما بما يتلاءم مع التوجهات الاستراتيجية الجديدة لإقامة الوحدة الآسيوية. لذا شهدت كل من طوكيو وبكين استعدادات متواصلة خلال العام 2002 لاستقبال كبار القادة في البلدين. فخلال شهر نيسان زار طوكيو رئيس الوزراء السابق وزعيم الجناح المتشدد في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، لي بينغ. كما زارها في شهر ايار اثنان من ابرز القادة الجدد ممن يطلق عليهم اسم السبعة الكبار من صناع القرار السياسي الصيني في المرحلة الراهنة وهما: هوان جياباو، وزن كوان هونغ.

بالمقابل، زار رئيس وزراء اليابان، جونيشيرو كوئيزومي، جزيرة هاينان في جنوب الصين، لحضور المؤتمر الدولي لرجال الاعمال من مختلف دول العالم. وتجري الاستعدادات الرسمية لزيارة رسمية يقوم بها مجددا للعاصمة بكين على رأس وفد ياباني رفيع المستوى في اواخر العام الحالي. وتتوقع الصين كذلك زيارة رسمية قريبة لولي عهد اليابان، ناروهيتو، في اطار تعميق روابط الود والصداقة بين البلدين بمناسبة الذكرى الثلاثين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما والتي بدأت في 29 ايلول 1972.

إن قراءة متمعنة لتاريخ العلاقات بين البلدين خلال الثلاثين سنة الماضية تظهر أنها تميزت بالتطور الايجابي المشحون بالتوتر. فقد تعرضت خلاله لهزات عنيفة في اكثر من مرة، ثم زادت حدة منذ مطلع عام 2001، برزت تغييرات مهمة في القيادتين الصينية واليابانية منها وصول الوزير الاصلاحي كوئيزومي الى رئاسة الحزب الليبرالي الديموقراطي الحاكم، ومن ثم إلى رئاسة الوزارة في اليابان في ربيع العام الماضي. وقد تميز عهده بتنشيط التيار القومي الياباني من طريق برنامج اصلاحي متعدد الأبعاد اثار غضب القيادة الصينية في اكثر من مناسبة. فقد بدأت اليابان إعادة تسليح نفسها بشكل علني مستفيدة من حرب افغانستان لاستعراض بعض قطع الأسطول البحري الياباني التي تؤكد امتلاكها لتكنولوجيا عسكرية متطورة جدا، ويمكن ان تدخل قريبا نادي الدول الكبيرة لتجارة الأسلحة والمعدات العسكرية البالغة التعقيد. ونشر كتاب <<التاريخ المدرسي>> الذي أعاد الاعتبار لقادة يابانيين ارتكبوا جرائم كبيرة ضد شعبي الصين وكوريا اثناء احتلال اليابان لهما، وصنفتهم القيادة العليا الأميركية التي حكمت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية في خانة مجرمي الحرب، وحكمت على عدد كبير منهم بالاعدام فلاقى الكتاب اعتراضا شديدا من اوساط الرأي العام الياباني اولا، ومن الصين وكوريا اللتين قدمتا احتجاجات رسمية وهددتا بقطع العلاقات مع اليابان.

لم يكتف كوئيزومي بنشر الكتابين وتجاهل تلك الانتقادات بل قام بزيارة رسمية الى معبد ياتسوكوني المقدس حيث احتفظ الرهبان البوذيون برماد اولئك القادة متحدين ادارة الاحتلال الأميركي بشكل مباشر. ومنذ القيام بطقوس التكريم في نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يجرؤ اي دبلوماسي ياباني على زيارة المعبد في الذكرى السنوية لتكريم هؤلاء القادة إلا قلة من رؤساء الوزارة، والوزراء والنواب الأقوياء، من ذوي الاتجاه القومي المتطرف. في الوقت نفسه، برزت تغييرات مهمة في القيادة الصينية بعد انتهاء اعمال اللجنة المركزية الأخيرة للحزب الشيوعي الصيني في مطلع آذار 2002. وهي تضم قيادات شابة تؤمن بمزيد من الانفتاح في المجال التجاري والثقافي والتكنولوجي، لكنها شديدة التزمت في المجال السياسي والعسكري والاداري، وتعطي الحزب الشيوعي الصيني حقا شبه حصري في قيادة الدولة والمجتمع وصولا الى تحقيق ما تسميه <<اقتصاد السوق الاشتراكي>> كشكل آخر من اشكال التنظيم الاقتصادي في عصر العولمة. نخلص الى القول إن كلا من اليابان والصين، اضافة الى النمور الآسيوية الاخرى، تبحث عن قيادة مركزية قوية تقوم بإصلاحات بنيوية جذرية لكي تواجه عصر العولمة بمزيد من التماسك الداخلي خشية السقوط في التبعية للمركز الأميركي الذي يهدد بتحويل العالم كله الى اطراف مهمشة تدور في فلك الولايات المتحدة الأميركية. وعلى قاعدة الحفاظ على الخصوصية المحلية أعلنت القيادتان الجديدتان في الصين واليابان عزمهما على القيام بخطوات عملية لتحقيق تقارب وثيق بينهما من جهة، ومع الدول الآسيوية من جهة اخرى على غرار التقارب الذي تم على ارض الواقع بين الدول الاوروبية والدول الاميركية.

ليس من شك في أن التاريخ العبء ما زال يشكل حجر عثرة في طريق إقامة روابط عميقة بين غالبية الدول الآسيوية. فالتقاليد الموروثة في تلك البلدان تشكل حجر الزاوية في سلوك القيادة السياسية، والمؤسسات الرسمية والخاصة، وردود الفعل اليومية لعامة الناس. وليس من السهل على اية قيادة سياسية ان تتجاهل تلك التقاليد بدقة متناهية، إلا إذا كانت تريد المغامرة بمستقبلها السياسي. لذا تحاول الولايات المتحدة الاميركية باستمرار تأجيج الخلاف بين كل من الصين واليابان وكوريا وروسيا وغيرها من الدول، وبشكل خاص في مجال التهويل بإعادة تسلح اليابان، ومشكلة الكتاب المدرسي، ونساء المتعة، وجزر الكوريل المتنازع عليها بين اليابان وروسيا، وغيرها. مع حلول الذكرى الثلاثين لإقامة العلاقات بين اليابان والصين، بدا واضحا ان قادة البلدين يبحثان عن نقاط التلاقي وليس الاختلاف، ولدى كل منهما تصور معين عن الدور الاقليمي القوي لهما في منطقة جنوب وشرق آسيا، وعن الدور المشترك لمجموعة دول آسيا في النظام العالمي الجديد من خلال الوحدة الآسيوية. فاليابان هي ثاني قوة اقتصادية في العالم إلا انها في موقع <<العملاق الاقتصادي والقزم العسكري>>. كما أن الصين ما زالت تحتل مرتبة في الاقتصاد العالمي لا تتلاءم مع حجمها الجغرافي والبشري. ورغم التطور التكنولوجي العاصف فيها، ونسبة النمو المرتفعة التي تعد الاولى في العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، فإنها ما زالت تعاني مشكلات داخلية حادة. إلا أنها تمتلك قدرات عسكرية هائلة قد تمكنها من ان تصبح قطبا محتملا يدافع عن المارد الآسيوي في صراع العولمة على المستوى الكوني وذلك نظرا لطاقاتها البشرية التي تقارب مليارا وثلاثمئة مليون نسمة. فالوحدة الآسيوية صعبة التحقيق ما لم ترتكز على هاتين القوتين العملاقتين، اي الصين واليابان. وذلك يتطلب الاسراع في تجاوز الخلافات الموروثة بينهما من اجل تحقيق تلك الوحدة التي تشكل مدخلا أكيدا لحل كثير من المشكلات الكبيرة التي يهدد استمرارها بنسف الكثير من الانجازات الآسيوية التي تحققت سابقا. فالرأسمال الياباني بحاجة ماسة الى الاسواق الصينية خصوصا والآسيوية عموما لأن اليابان تعيش ازمة ركود اقتصادي كبير منذ اكثر من عشر سنوات..

بالمقابل، مع ان الصين التي تعيش حالة نمو متزايد تراوحت ما بين 7 12% منذ بداية مرحلة الانفتاح في عام 1978 حتى 2001 فإنها بحاجة الى الرأسمال الياباني والتكنولوجيا المتطورة جدا لأن كثيرا من مناطقها الغربية والشمالية والجنوبية ما زالت تعاني مشكلات كبيرة كالفقر الشديد، والأمية، والبطالة العالية. وقد أدرك كلا الجانبين الحاجة الملحة للتعاون الوثيق بينهما، وتجاوز سلبيات المراحل التاريخية الدامية، والتطلع الى مستقبل واعد لوحدة آسيوية لا يمكن ان تبصر النور إذا ما استمر التوتر قائما بينهما.

تبدو مسألة التعاون الصيني الياباني معقدة جدا، ولا تحكمها فقط النوايا الطيبة لدى الحكومتين، ولا الحرص الشديد على التعاون المثمر. فبالاضافة الى كثافة الموروث السلبي للاحتلال الياباني للصين في النصف الاول من القرن العشرين والذي خلف ما يزيد على ثلاثين مليون قتيل صيني، فإن الذاكرة الشعبية لدى المواطن الصيني تحتفظ بكثير من الصور المأساوية البشعة التي مارسها جنود الاحتلال الياباني في الصين. وبقدر ما تحمس ملايين الصينيين لاقتناء السلع اليابانية في بداية مرحلة الاصلاح والانفتاح بعد 1978 فإن السنوات الأخيرة شهدت انحسارا حادا لمبيعات السلع اليابانية في الاسواق الصينية خاصة بعد اصرار الحكومة اليابانية على الاحتفاظ بتقاليد اليابان الموروثة التي يعتبرها الشعب الصيني مساسا بكرامته الوطنية. كما ان حجم الاستثمارات اليابانية في الصين ما زال كبيرا إلا انه آخذ بالتقلص نظرا للأزمات المالية والركود الاقتصادي داخل اليابان من جهة، ولكثافة الرأسمال الصيني الوارد من هونغ كونغ، وماكاو، وتايوان الى الوطن الأم من جهة اخرى.

وبعيدا عن الخطاب التفاؤلي لا بد من التنبه الى عوامل كثيرة تعيق التقارب الصيني الياباني. فالسياسة اليابانية ما زالت اسيرة الارتباط التبعي بالسياسة الاميركية في منطقة جنوب وشرق آسيا، حيث تستخدم الولايات المتحدة الأميركية مسألة تايوان للضغط على قادة بكين. وقد زادت من حجم تسليحها لتايوان، وشجعت قادتها على إعلان الاستقلال التام عن الصين.

وضغطت في مؤتمر الدوحة لقبول تايوان عضوا كامل العضوية الى جانب الصين في منظمة التجارة الدولية، وهي تعمل الآن على تطويق الصين بسياج من القواعد العسكرية بعد نجاحها في احتلال افغانستان، وتستغل مسألة التيبت، وقضايا الحريات الشخصية والعامة، وحقوق الانسان، والديموقراطية، والاعلام الحر وغيرها للتأثير على الرأي العام الصيني. مع ذلك، تبدو السياسة اليابانية اليوم أقل انحيازا الى جانب الولايات المتحدة في عدد من القضايا، خصوصا قضية استقلال تايوان التي تعتبرها القيادة الصينية خطا احمر لا تساوم عليه. فاسترجاع تايوان مسألة قومية جوهرية تمس وحدة الصين، ارضا وشعبا، مع السماح بإقامة اكثر من نظام اقتصادي على اراضيها. وقد ساهم الموقف الياباني المتفهم للسياسة الصينية تجاه تايوان في تعزيز العلاقات الصينية اليابانية.

على جانب آخر، هناك تخوف جدي لدى قيادة كل من الصين واليابان والهند وروسيا وغيرها من تجدد النزعة العسكرية الاميركية التي لا تقبل بأقل من التفرد بزعامة النظام العالمي، بحيث تتعرض جميع الدول، الفقيرة منها والغنية، للإذلال والتبعية. ويساهم التقارب الصيني الياباني حتما في إفشال النزعة العدوانية الاميركية التي ما زالت تراهن على استغلال العداوة الموروثة بين الصين واليابان لتعزيز الهيمنة الاميركية على آسيا بأكملها. ختاما، بقدر ما تتماسك الدول الكبرى كالصين، واليابان، والاتحاد الاوروبي، وروسيا، والهند في مواجهة النزعة العدوانية الاميركية التي تضع العالم على حافة الدمار الشامل، بقدر ما تتسع دائرة القوى الحليفة للشعوب العربية، خصوصا الشعب الفلسطيني.

لذا، فالدول العربية، منفردة او مجتمعة عبر جامعة الدول العربية، مدعوة للاستفادة من التقارب الايجابي في الموقفين الصيني والياباني تجاه القضايا العربية. وقد صدرت بيانات رسمية عن وزارتي خارجية الصين واليابان تكاد تتطابق في مضمونها لجهة ادانة العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والدعوة الى انسحاب الجيش الاسرائيلي من مناطق السلطة الفلسطينية، ووقف كل اشكال العنف الدموي، وتطبيق القرارات الدولية وبشكل خاص القرارات التي نصت على قيام دولة فلسطينية مستقلة على ارض فلسطين، وحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم. كما أن التقارب بين الدول الآسيوية، وتخفيف حدة التوتر في آسيا بدأ ينعكس بشكل ايجابي على عدد من الدول العربية حيث برز تطور مهم في حجم الاتفاقيات التجارية والمالية والثقافية الجديدة معها. هذا اضافة الى كثرة المؤتمرات العلمية التي باتت تعقد سنويا في عدد من الدول العربية والصين واليابان حول <<مستقبل العلاقات العربية الآسيوية>>. وأغلب الظن ان السياسات العربية ستبقى عاجزة عن الاستفادة من لحظة التقارب بين الدول الآسيوية لأنها ما زالت شديدة التبعية للولايات المتحدة الاميركية، وتوكل اليها مسألة البت بقضاياها المصيرية الكبرى، ومنها قضية فلسطين، فلا تحصد سوى الخيبة المقرونة بمزيد من التنازلات.