الفضائيات العربية ومواجهة الحكام العرب

(اكاذيب اعلامية لنشر ثقافة العجز وتجريم المقاومة)

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

التطورات في مجال الاعلام أدت إلي سرعة تداول المعلومات والآراء، عبر الصحف والاذاعات والفضائيات والانترنيت، وهذا قلب أوضاع العالم رأسا علي عقب، وأحدث هزة كبيرة في الوطن العربي، ومشكلة هذه التطورات أنها في قارتنا العربية تأخذ أبعاد أخري، جعلتها مصدرا للقلق والخوف والازعاج لعدد لا يستهان به من النظم الحاكمة. ومجرد نشر مقال ينتقد اوضاعا هنا، أو بث برنامج مرئي يكشف نقصا هناك، تعلن الطوارئ، وتقاطع الصحيفة أو الفضائية، حتي وصل الأمر إلي استدعاء سفراء عرب احتجاجا علي مقال صحافي أو برنامج فضائي، بينما لا يتخذ مثل هذا القرار لطرد

السفير الاسرائيلي احتجاجا علي العدوان الوحشي علي الفلسطينيين.

ما هو حلال علي وسائل الاعلام الأمريكية حرام علي وسائل الاعلام العربية، وهذا يطرح سؤالا عن السبب وراء هذا الخوف والانزعاج الشديد من معلومات وآراء تطرحها صحف وفضائيات عربية، لم تتجاوز حدود النقد الموضوعي؟

تعود المشكلة إلي ظهور بدايات خروج بعض أجهزة الاعلام والصحافة العربية عن دوائر التأثير الحكومي والسيطرة الرسمية، فوسائل الاعلام العربية المؤممة والمملوكة للحكومات العربية أو المسؤولين فيها أو لوكلائهم ظهرت عاجزة أمام أجهزة اعلام ذات تأثير خرج عن النطاق المعمول به، وأصبحت متنفسا للمواطن المغيب، وأصبح حضور القارئ والمشاهد العادي ملحوظا علي صفحاتها وفي برامجها، بجانب أن هذا أتاح الفرصة أمام مفكرين وكتاب وأصحاب رأي ممن ضاقت بهم أجهزة الاعلام الرسمية لطرح أرائهم وأفكارهم دون وصاية أو ضغط، وإن كان الأمر لم يخل من دخلاء من هنا

أو من هناك. إلا أن الظاهرة في مجملها هزت عروشا تربعت وهيمنت لعقود علي أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وكانت ذات تأثير كبير علي الرأي العام.

وترتب علي ذلك تحريك بركة الاعلام العربي الآسنة، وتنامي هذا التأثير بفعل الحرب الأمريكية في أفغانستان، واستمر مواكبا للحرب المستمرة حتي الآن ضد أسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة، وكذلك حرب الابادة الجارية في فلسطين، وهذا يجد تفسيره في أن هذا النوع الجديد من أجهزة الاعلام بدأ يكشف جوانب لم تكن معروفة من قبل، وصار له دور في تحديد درجة الشفافية ومستواها، ويتحدث بلغة كانت غائبة، بشكل أدي إلي تراجع تأثير خطاب المديح التقليدي المنفر، وانهيار منطق مداحي الملوك والسلاطين، وهذا بشر ببزوغ عصر تتلاشي فيه معصومية الحاكم، وتختفي معه قدسية المسؤول.

هذه الآلهة البشرية من الحكام والمسؤولين العرب، ما كانت تتصور أن يأتي يوم تتعرض فيه لهذا الكم من النقد والتعرية، ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه ما أطلق عليه الغرب سياسة دفاتر الشيكات إبان حقبة النفط. اشترت سياسات وأفكار وأقلام، حتي استقر لديها وهم يقوم علي اخضاع القيم والناس لقانون السوق، وكل من لم يبع قلمه أو رأيه آنذاك سوف يطرق الباب صاغرا فيما بعد، وطال الانتظار ولم يأت القادم المتوقع الذي لم يقبل بقانون السوق في التعامل مع أشرف مجالات العمل، وهو مجال الكلمة، فتعقد الموقف وزاد القلق.

ولو نظر هؤلاء الآلهة البشرية من حولهم لعلموا أن النظم الواثقة من نفسها والقوية لا تهتز لمقال أو لبرنامج مسموع أو مرئي. فليس في مقدور أي من هذه أن تسقط نظاما ليس آيلا للسقوط أصلا.

فالنظم السياسية، لا تسقط بفعل عمل المفكرين أو الكتاب أو الصحافيين، إنما تسقطها أمراضها وعجزها عن أداء مهمتها في حماية الأوطان وكفالة العيش الكريم للمواطنين، وتحريرهم من كل أشكال الغبن والظلم، وهذه المهمة تقع علي عاتق من يمتلك أدوات التغيير ووسائله، ومن المفترض في هذا العصر أن تكون أدوات التغيير ووسائله متوفرة ديموقراطيا، بالتشريع والقانون وتداول السلطة، وهنا تكمن مخاطر النظم العربية الاستبدادية، المعادية للديمقراطية، والناهبة للثروة، والمصادرة لحق التعبير والمشاركة في الحكم، فسلوكها الاستبدادي يستدعي أساليب التغيير الانقلابي بكل ما تحمل من المجهول والمفاجآت.

خطر التغيير الانقلابي هو في كونه يتخلق وينمو في الخفاء بعيدا عن الأعين، وتقوم به قوي غير ظاهرة للعيان، ويكون نتاجا لعمل تحت أرضي سري، يحكمه منطق التآمر، وسيلته العنف وقوة الارغام المادية والبدنية، في مواجهة الاستبداد، وفرض التغيير، ونتائجه غير مضمونة، فقد يستبدل استبدادا باستبداد، أو قد يمكن قوي فاشية، عسكرية أو بوليسية أو دينية، في الوصول إلي الحكم، أو يخلق فوضي أو يفجر حربا أهلية، لا تبقي ولا تذر، لأن احتمال تكرار نموذج عبد الناصر في مصر، بتحويل الانقلاب العسكري إلي ثورة، أو نموذج سوار الدهب في السودان بتسليم الحكم إلي المدنيين ضعيف للغاية.

والمرتعدون والخائفون من بعض الصحف والفضائيات العربية، من بين المسؤولين العرب المتشبثين بالحكم، هم الخطر الحقيقي، لأنهم يدفعون بلادهم إلي المجهول، باستسهال الاعتماد علي القوي الخارجية وطلب الحماية من العدو.

أما عن المساحة المحدودة المتاحة من النقد، في هذه الفضائيات والصحف لا تمثل شيئا، إذا ما قورنت بعدد الصحف والمطبوعات الرسمية وشبه الرسمية، وساعات البث الاذاعي والتليفزيوني الحكومي، وعددها يفوق الخيال. ففي بعض البلاد العربية وصل عدد القنوات ومحطات البث إلي العشرات. تبث أكثر من خمسمئة ساعة يوميا، أي في حدود ثلاثين ألف دقيقة، فيها علي الأقل 25% من الارسال للدعاية السياسية والدعوة للتسبيح بنعم الحاكم أو المسؤول وفضائله، علي شكل أخبار وبرامج وأحاديث واحتفالات ومهرجانات، وإذا كان كل هذا لا يكفي ولا يقنع الناس فمعني هذا أن هناك حاجة غلط .

وإذا بحثنا عن هذا الشيء الغلط، في سياسة أكبر بلدين عربيين، هما مصر والسعودية، يملكان أكبر قدر من وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، لاستطعنا أن نتعرف عليه بسهوله، وهو غياب الارادة السياسة، وتهافتهما الشديد في تعميق عوامل الضعف والفرقة، واعتمادهما في المعرفة السياسية علي قواعد ومبادئ تزيد من هشاشة بنائهما السياسي والمؤسسي. المعرفة السياسية فيهما، وبالقطع في بلدان عربية أخري، تؤله الحاكم أو المسؤول، وتمنحه العصمة من الخطأ والخطيئة.

ومن أدبيات هذه المعرفة هو ما يتم نشره وبثه حول ما يحدث في فلسطين، باعتباره ثمن عدم إطاعة السادات، عندما هرول صوب الدولة الصهيونية، فلو أن الفلسطينيين أطاعوه لكانوا قد تحرروا!!

ولكانت دولتهم قد قامت!!، وهذا إن لم يكن جهلا فهو تزييف، فأساس الحل الساداتي قام علي قاعدة الحلول المنفردة . بدأت بمصر، وتوالت معتمدة علي مبادرة الأمير فهد - الملك الآن - سنة 1982، التي فرطت عقد التضامن العربي، ثم جاء القرار الفلسطيني المستقل لينقل القضية الفلسطينية من شأن عربي (قضية العرب المركزية) إلي شأن أمريكي اسرائيلي صرف، ويساعد علي تحول الجهد العربي المنفرد ليصبح جزءا من الجهد السياسي والعسكري الأمريكي والصهيوني، وهذا الجهد رغم الحرب المعلنة علي العرب، ورغم عملية التطهير العرقي الموجهة ضد الفلسطينيين ما زال يتمسك بـ السلام كخيار استراتيجي .

مبادرة السادات كانت بداية للتطبيق العملي لسياسة الحلول المنفردة ، والكل يذكر أن الوفد الاسرائيلي رفض دخول فندق مينا هاوس، بالقرب من الاهرامات، مع أول جولات المباحثات مع الدولة الصهيونية، إلا بعد إزاحة العلم الفلسطيني، واستجاب السادات لذلك، وهذه المعرفة السياسية تحدد مسار الحزب الحاكم وسياساته في مصر، وتقف وراء التزييف والجهل الذي يتحكم في السياسة السعودية. وهذا واضح فيما آلت إليه مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز.

تقوم هذه المعرفة علي اكذوبة أخري، وهي أن مصر حاربت من أجل فلسطين، وأن هناك مئة وعشرين ألف شهيد سقطوا في هذه الحروب، والمصريون يتمنون أن يكون هذا الكلام صحيحا، وليس كلاما للمتاجرة أو الابتزاز أو إبراء الذمة الكاذب، فالحرب التي دخلتها مصر فعلا دفاعا مباشرا عن فلسطين كانت حرب 1948، أما ما بعد ذلك كانت حروبا، بعضها دفاع عن استقلال مصر السياسي والاقتصادي، مثل حرب 1956، التي كانت عقابا لمصر علي تأميم قناة السويس، واصرارها علي تنفيذ مشروع السد العالي، وحرب 1967 تضافرت فيها قوي التآمر الخارجي مع عناصر الاهمال الداخلي لتصنع نكسة منكرة في التاريخ العربي الحديث، فجاءت حرب 1973 لازالة آثار عدوان 1967.

صحيح أن إسرائيل كانت قاسما مشتركا في هذه الحروب، وكانت هي الطرف المعتدي، وهذا يدل علي أن الاستيطان اليهودي لفلسطين خطر علي الأمن الوطني المصري، وخطر علي مجمل الأمن القومي العربي، لكن الصحيح أيضا أن هذا المنطق فاسد، لأنه يوظف التجهيل المتعمد الذي تتولاه نظم ومناهج التعليم الرسمي، بتحويل الأعداء إلي أصدقاء، وضم المصلحة الوطنية لتصبح جزءا من المصالح الأمريكية الصهيونية.

هذه أكاذيب تهدف إلي نشر ثقافة العجز، وتجريم المقاومة بحجة أن العرب لا يقدرون علي محاربة أمريكا ، وما عليهم إلا لاستسلام لها. ولم يكن هذا، في يوم من الأيام مبدأ أو قانونا تتحرر علي أساسه الأمم والشعوب من الهيمنة أو الاحتلال، وإذا كانت محاربة أمريكا غير ممكنة بالعمل العسكري النظامي، فإن المقاومة المشروعة ممكنة وواجبة، بفعل وجود الاحتلال، والاستيطان، والتمييز العنصري، واستعداد الناس لها.

هذا ما كشفته صحف وفضائيات عربية، وفي الوقت الذي تراعي عرض الرأي الرسمي تتهم بأنها تشتم هذا البلد أو ذاك، تطبيقا لتقليد وضعه السادات، وحد فيه بين الحاكم والدولة، فقد كان يصف كل من ينتقده بأنه بيشتم مصر وبئس هذا التقليد الذي ما زال معمولا به علي المستوي الرسمي العربي، فمن قال ان مصر، أو أي بلد عربي آخر، تضاءلت لتتساوي بحجم حاكم عابر. جلب لها من المصائب أكبر مما جلب لها من المنافع.

والأنكي من كل هذا اتهام المخالفين بالعمل لحساب المخابرات الغربية والاسرائيلية، وحتي لو ثبتت صحة هذا، وهو أمر مستبعد، فكيف لمثل هذا الاتهام أن يقف علي رجلين، وهو يصدر ممن سبق وتعاملوا مباشرة، وما زالوا، مع أجهزة العدو الأمريكي والصهيوني السياسية والامنية، وكأن لسان حال من يوجهون هذا الاتهام يقول، انهم فقط أصحاب الحق في ارتكاب جريمة التعامل مع سلطات وأجهزة أمن الأعداء، مع أن مثل هذا التعامل من أي طرف هو جريمة بكل معني الكلمة، لكن الجرم الأكبر هو في تحدي إرادة الأمة، والتعامل مع أعدائها علانية، والضرب عرض الحائط بالمصالح والقيم الوطنية والقومية والدينية.

هكذا تنال صحف وفضائيات معينة سخط وغضب جهات رسمية عربية، لأنها زادت من درجة الشعور بالاستبداد، ونقدها في مصلحة المواطنين، لأن التخلي عن الاستبداد مرتبط بالتخلي عن الجهل، الذي يميز سياسات عربية عديدة، عليها أن تسعي إلي طلب المعرفة الصحيحة، من المختصين وذوي الشأن، من بين العلماء والمفكرين والخبراء، ويوم تتخلي هذه السياسات عن استبدادها ستكتشف ما تعيشه من أزمة شاملة، تحتاج اصلاحا شاملا، فالاعلام الرسمي المتردي ليس إلا نتاج هذه الأزمة، في مجالات الاقتصاد والفكر والثقافة والحياة بصفة عامة، والخطر ليس مصدره هذه الصحف أو الفضائيات إنما مصدره القنابل الموقوته في الداخل، وهي قنابل مصنوعة من الفساد والنهب والتبعية والاستبداد.